أكد عضو مجلس الشورى البحريني الدكتور عبدالعزيز أبل أن التطورات السياسية العاصفة التي تمر بها المنطقة العربية تطرح تحديات كبيرة على مختلف وسائل التواصل الجماهيري ومن بينها وسائل الإعلام والصحافة العربية، سواء أكانت تلك الوسائل عامة تملكها الدولة في بلد ما، أو خاصة مملوكة لمستثمر طبيعي أو اعتباري هدفه تحقيق الربحية وتعزيز الاستثمار المالي.
وقال بالطبع فان التحدي الذي يواجه وسائل الإعلام والصحافة المملوكة لدولة من الدول العربية أصعب بكثير من التحدي الذي يواجه وسائل الإعلام والصحافة الخاصة، فالأول محكوم بسياسة رسمية محافظة تحددها ضوابط صارمة قد تعني مخالفتها فقدان المسؤول عن تلك المخالفة فقدان عمله، بل قد يواجه غضب الدولة إذا ما حاد عن الطريق المرسوم له أو عبر عن رأي غير منسجم مع السياسة العامة في موضوع معين».
وأضاف إن الإعلام العربي الرسمي يجد نفسه في مواجهة التطورات السياسية الراهنة التي تمر بها بعض بلدان الوطن العربي, تحت ضغط شديد. كما يواجه انتقادات مريرة واتهامات بالعجز عن مسايرة الأحداث, وعدم القدرة عن التصرف بموضوعية وحياد إزاء أحداث مصيرية تمر بها المنطقة.
ومن هنا فالإعلام العربي الرسمي ليس بمقدوره التعبير عن مطالب شعوبه إذا ما أعلنت عن أهداف تعرض الاستقرار السياسي في دولة ما أو تتعارض مع مصالح الدولة التي يعبر عن موقفها الرسمي.
وأوضح أن الإعلام الرسمي في الدول العربية يبدو متحفظاً في التعبير عما ترغب به الشعوب وتراه ينقل الخبر والمطالب باختصار شديد وإذا ما قرر استضافة متحدث في الموضوع اختار متحدثا يثق في انه يعرف ما هو مطلوب منه ويلتزم ذاتيا بالحذر المطلوب في مثل هذه الحالات لكي لا يحرج القائمين على وسيلة الإعلام التي تستضيفه أو القائمين عليها.
التطور والديمومة
واعتبر الانفتاح النسبي في بعض الدول العربية التي حدث فيها تغيير سياسي جراء الربيع العربي، تطوراً من المبكر جدا الحكم عليه بالديمومة والثبات، حيث لم تمر على التطورات السياسية في تلك البلدان فترة كافية ولم تستقر الأوضاع سياسيا لأي من القوى السياسية حتى الآن نظراً لان المجتمع والدولة يمران في مرحلة انتقالية لا يمكن أن تكون قد تشكلت معها ثقافة سياسية جديدة أو تقاليد حكم وإدارة للدولة من طراز جديد ينظر للإعلام نظرة متقدمة ويعتبره مؤسسة لتطوير المجتمع وليس لتوجيهه في الوجهة المرغوبة من قبل الدولة، ولا بد من الانتظار قليلا حتى يمكن الحكم على الإعلام الرسمي المنفتح نسبياً بما يمكن أن يوصف بالحياد والتعبير عن رؤية مستقلة عن الدولة خاصة في السياسات الداخلية وفي مواجهة الرؤى المختلفة لتيارات المجتمع.
أما في ما يتعلق بوسائل الإعلام والصحافة الخاصة قال الدكتور أبل «إن التحدي الذي تواجهه هو من طبيعة مختلفة، حيث يتصف بعض هذه الوسائل بالنظرة الأحادية والموقف المتزمت من بعض القوى دون غيرها وعدم الحرص على الالتزام بمعايير المهنية الصحافية والموضوعية في نقل الأحداث. ويبدو أن ذلك عائد إلى غياب الرقابة الذاتية وضعف خبرة بعض العاملين على تحرير الأخبار وكتاب الأعمدة ممن يهمهم انتصار وجهة نظر محددة دون الالتفات لمفاهيم التعددية السياسية و حق التعبير عن الرأي وعدم مصادرة حريات الآخرين وكون الإعلام مرآة للمجتمع تحرص على تعزيز قيم ثقافية وديمقراطية تتطلبها مرحلة التطوير السياسي ناهيك عن التغيير الديمقراطي إن صح التعبير».
وأضاف «ما يلاحظ الآن في بعض الدول العربية التي مرت بمرحلة التغيير السياسي ضمن الربيع العربي أن وسائل الإعلام والصحافة الخاصة باتت في حالة من عدم التوازن تكاد تقترب من حالة فوضى غير خلاقة، لكنها بكل تأكيد مرحلة انتقالية لابد منها ضمن مراحل التطور الطبيعي لتعبير المجتمعات عن ذاتها بعد مرحلة من الانغلاق جراء الموانع الشديدة على حرية التعبير والعمل الإعلامي والصحافي الخاص».
وتابع «بالطبع فان توقعات بعض النشطاء في الحركات السياسية للإعلام والصحافة بشكل عام قد تكون ذات سقف عال جداً يقترب من حالة رفض أية قيود أو ضوابط مهما تكن موضوعية أو مهنية تتطلبها الحرفية التي يتوجب أن تتصف بها وسائل الإعلام والصحافة في كل الظروف بالمقارنة بالمجتمعات المتقدمة. فليس من المنطقي الانتقال من حال التقييد الشديد للإعلام والصحافة إلى حال التحلل من أية ضوابط مهنية وموضوعية بما قد يؤدي إلى ازدياد التوتر الاجتماعي وخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي أو الانفلات الأمني.
فالثورة مهما تكن مبرراتها لا يمكن أن تتحول إلى أداة هدم اجتماعي ومسار لفوضى سياسية عارمة تمس أسس العلاقة المتوازنة بين الدولة والمجتمع، وهذا ما يجب ألا تسمح به وسائل الإعلام والصحافة الحرة. لان أول مقتضيات الحرية والديمقراطية ألا يتم المساس بقواعد الاستقرار السياسي لان من شأن ذلك الإضرار بالمصالح الاقتصادية للعديد من الفئات الاجتماعية وفي المقدمة منها الأقل دخلاً مادياً لأنها الأقل قدرة على الصمود في وجه النتائج الوخيمة لاستمرار عدم الاستقرار السياسي وتعطل العملية الاقتصادية».
واختتم عضو مجلس الشورى حديثه قائلا: مما لاشك فيه أن رغبات بعض النشطاء السياسيين في نقل الإعلام والصحافة إلى فضاء أكثر رحابة وسعة، هي رغبات مشروعة ولا غبار عليها إذا ما تمت وفق آليات متدرجة تخدم استقرار المجتمع وتطور مؤسسات الدولة، ودون أن يسهم الانفتاح على الأفق الأوسع، في خلق توتر اجتماعي، ووقوع خسائر إنسانية ومادية يعاني منها المجتمع، كما هو حاصل الآن في بعض الدول التي هبت عليها نسمات الربيع العربي، والتي نأمل أن نراها متعافية ومزدهرة بسرعة.
