دائما ما تكون أفكاره شديدة الجرأة والإثارة، ولديه من المصارحة والشفافية ما يكفيه وليتم وضعها على مائدة للحوار لمناقشتها ومعرفة فحواها، وكثيرًا ما تسبح أفكاره ضد التيار، وتأتي مضادة لأفكار الكثيرين، ما يجعلها آراء صارخة أشبه بطلقات رصاص تخرج أحيانا لتصيب من أمامها، ولديه من العقل والتدبر ما يكفيه لأن يتصدر المشهد في جميع مراحله، لاسيّما حين كان عضوًا بأمانة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي قبل أن يستقيل؛ اعتراضًا على سياسات الحزب وتباطؤ خطوات الإصلاح..
دكتور أسامة الغزالي حرب، الرئيس السابق لحزب الجبهة الديمقراطية ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، فتح قلبه لــ«البيان»، معبراً عن قلقه الشديد على الوضع السياسي الراهن وتأزم الأحداث التي تحيط بالدولة المصرية، ودخولها في مرحلة عنق الزجاجة، مطالبا بضرورة تضافر جهود كل التيارات والقوى السياسية والحزبية، للخروج من تلك المعضلة الشائكة التي تقف وتصطدم بالتحول الديمقراطي في تلك المرحلة الانتقالية.. وإلى تفاصيل الحوار:
كيف تحلل المشهد السياسي المصري في تلك الفترة الانتقالية التاريخية؟
الوضع السياسي المصري الآن ملبد بالغيوم ويشهد حالة من الضبابية وعدم وضوح الرؤية، فالصورة لا تزال محصورة في حالة من التنافس الضمني بين رموز وفلول الحزب الوطني «المنحل» والجيش الحاكم «المجلس العسكري» والإخوان المسلمين. وفي الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى التحول نحو الديمقراطية في هذه الفترة الانتقالية التاريخية، فإن هذا التنافس الضاري، يجعل من الصعب عليها التحول بالدرجة الملموسة والمأمولة، لاسيما في ظل وجود تلك التكتلات التي يسعى كل منها إلى تشكيل قوة مضادة للأخرى؛ للسيطرة عليها.
كيف تنظر إلى المستقبل في ظل تلك المتغيرات والأوضاع التي تحدثت عنها؟
المستقبل السياسي غير واضح الملامح ولا يمكن التعرف على إفرازاته بطريقة أو بأخرى، إنما سيتحدد وفق آليات المرحلة المقبلة وكيفية الوقوف على عناصر الانتقال الأمثل للديمقراطية.
أشرت إلى التنافس الضاري بين الإخوان والمجلس العسكري وفلول الوطني.. فمن يحسم هذا التنافس في رأيك؟
من وجهة نظري إن أمر التنافس لم يحسم بعد بين القوى الثلاث المتمثلة في: الأولى وهي فلول وبقايا الحزب الوطني التي تمثل القوى المضادة للثورة وأهدافها، وتضم في عباءتها القوى التقليدية الموجودة في كل مكان مثل الصعيد، وهي جاهزة بالعصبيات للانتخابات.
والثانية هي المجلس العسكري «السلطة الحاكمة»، والأخيرة هي جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لها، وفي اعتقادي أن تلك العناصر الثلاثة تسيطر على الوضع السياسي الراهن بشكل ملحوظ.
الانتخابات البرلمانية
بصفتك أحد المتمرسين في العملية الانتخابية.. كيف ترى الانتخابات البرلمانية المقبلة ؟
هناك ميادين قادمة سوف تشهد حالة من التراشق والاتهامات خلال الفترة المقبلة، ومن بينها الانتخابات البرلمانية التي ستشهد حركة واسعة الانتشار، ولا أثق في خروجها على النحو الأمثل، ويمكنني القول إن تأجيل إجراء الانتخابات البرلمانية لمجلسي الشعب والشورى خلال الفترة الراهنة كان ضرورة حتمية، في ظل الأجواء المرعبة الحالية التي قد يلعب النفوذ والمال دورا فيها، فضلا عن أن غياب الأمن الداخلي حاليا في مصر بل منذ قيام ثورة يناير وحتى اللحظة الراهنة، ما ينذر بصعوبات بالغة قد تنقلنا لحالة كارثية، إذا ما أجريت الانتخابات في مواعيدها المقررة.
وهناك حالة من غياب التنظيم للقوى الثورية الجديدة للنزول في العملية الانتخابية ووضع أرضية وقاعدة لها عبر إعلان برامج واضحة ومحددة؛ لإتاحة حرية الاختيار الأمثل، وسوف يصعب ذلك عملية إجراء انتخابات تجمع بين أقصى الشمال والجنوب وضواحي مصر في الوجه القبلي والبحري والغربي وعلى مستوى محافظات وإنحاء الجمهورية كافة. وإزاء هذه التحديات التي ذكرتها أقول إن مجلس الشعب المقبل لن يكون معبرا عن الديمقراطية بمعناها الحقيقي.
وماذا عن التحديات الأخرى التي تعرقل استكمال مسيرة التحول الديمقراطي؟
هناك تحدٍ واضح خلال المرحلة الراهنة ما بين أن تؤول الثورة إلى القوى السياسية والثورية الجادة التي قامت بها أو تؤول إلى من يحاولون الركوب والقفز عليها، والهدف الحقيقي يكمن في إقامة نظام سياسي ديمقراطي يختلف جذريا عن النظام البائد، وإذا أخفقت مصر في تحقيق ذلك، سوف تضل الطريق، ولا نعرف إذا كان المسار الحالي سيؤدي إلى طريق واضح المعالم أم لا، فالأمور غير واضحة؛ لأن هناك صراعات وتوجهات مختلفة.
ما هو الحل من وجهة نظرك لخروج مصر من عنق الزجاجة وذلك الوضع المتأزم؟
أعتقد أن الأوضاع الراهنة التي تشهدها الدولة، شديدة الدقة والخطورة والحساسية؛ لذا فمن الطبيعي والمنطقي أن تتضافر جميع القوى السياسية والثورية الجادة؛ لانتشال مصر من هذه المرحلة التي تتسم بالتخبط، وانعدام الفاعلية، وتلبد الأوضاع، وتشابك العلاقات المعقدة بين القوى السياسية.
انطلاقا من ذلك، فمن الضرورة أن تعمل القوى السياسية الجادة الفاعلة التي لها ثقل تاريخي ورؤية واضحة وخبرات العمل السياسي الحزبي طوال المرحلة الماضية مع القوى السياسية الجديدة التي ظهرت على السطح أخيرًا؛ لتعلن عن نفسها ومطالبها، بالإضافة إلى ضرورة أن تقف الدولة وراء التغيرات الجادة والتي تقع وتصب في مصلحتها في النهاية ولا تتجه إلى طرف على حساب الآخر أو تتحيز لجهة دون الأخرى، وإنما ينبغي أن تكون هناك آلية واضحة تعمل بالتنسيق بين جميع التيارات والأطياف؛ لإيصال مصر إلى بر الأمان وإخراجها من مرحلة عنق الزجاجة التي لا تزال تقبع فيها.
ماذا عن أداء المجلس العسكري خلال تلك الفترة الانتقالية؟
في اعتقادي أن الجيش أو المجلس العسكري الحاكم، لا يريد الاستحواذ على السلطة أو التشبث والتمسك بها، إنما يسعى إلى تحقيق الأهداف التي يبحث عنها الشعب وإخراج الدولة من تلك الدوامة التي تدور بها -على حد وصفه؛ لذلك فالاعتبارات العملية المعقدة التي تحدث في الفترة الراهنة من أحداث متلاحقة من غياب للأمن، وفوضى بالوضع السياسي، وتناحر القوى الحزبية والسياسية وتغيرات الوضع الداخلي، تشير إلى استمرار الجيش لفترة زمنيه أطول نسبيًّا، وربما لبعض الوقت، حتى استقرار الأمور والأوضاع بشكل واضح وملموس، وتسليم السلطة لقوى مدنية منتخبة خلال الفترة المقبلة.
وأشدد على ضرورة أن تتبلور القوى المدنية الجادة؛ لتسلم السلطة وفق إرادة الشعب والمصلحة الوطنية، كما أؤيد في ذات الوقت استمرار المجلس العسكري، ولابد أن تمنح الحكومة مطلق الصلاحيات؛ لتؤدي أعمالها كما ينبغي، وأن يسبق ذلك وضع دستور دائم تضعه جمعية تأسيسية ليحدد صلاحيات الرئيس وشكل النظام المقبل، وهذا ما يحدث في العالم كله، حيث يتم وضع الدستور، ويسترشد فيه بالمبادئ الأساسية المتوافق عليها، ويتم الاستفتاء عليها، وبعدها يتم انتخاب رئيس الجمهورية إذا كان الرئيس أمرا حتميا ووجوبيا.
تحديات تسليم السلطة
هل ترى الطريق إلى ما تقوله ممهدا أم سيكون هناك نفس أطول للوصول إلى تلك الآلية؟
هناك العديد من التحديات التي تمر بها الدولة، من مخاطر خارجية وداخلية تعصف بها، والتي يكمن أهمها في الانفلات الأمني؛ لأن الأمان هو بداية الطريق الأمثل للديمقراطية، وأشدد هنا على ضرورة إيجاد آليات محددة للانتقال الأمثل إلى الديمقراطية والخروج بها إلى النحو المطلوب.
وكلما زادت المتغيرات المعقدة، تفاقمت حدة المشكلات والكوارث بدرجة أكثر نسبيًا؛ لذلك أرى ضرورة أن تعود الدولة إلى ريادتها والقوى التي تحميها وتحافظ عليها والتي قامت الثورة من أجلها وليس من أجل أهداف ومصالح شخصية ليس لها علاقة بالواقع الفعلي.
كيف تحلل تحركات مرشحي الرئاسة؟ وأيهم تراه أقرب للفوز بذلك المقعد الشاغر منذ الإطاحة بالرئيس المخلوع مبارك؟
خارطة مرشحي الرئاسة المحتملين في الانتخابات المقبلة أمثال الدكتور محمد البرادعي وسليم العوا وعمــرو موسى وغيرهم، لا تزال مؤشراتها غير واضحة بل غامضة حتى الوقت الراهن، وقد تختلف خــلال الأيــام المقبلة، لاسيما في حالة ظــهور مرشحين جــدد لهذا المنصب؛ لذلك يصعــب الحــكم على مرشــحي الرئاسة وتحركاتهم، إلا قبيــل الانتخــابات بفترة قــليلة، وعلى الرغــم مــن أن الخارطــة الحالية، تضم العــديد مــن الأســماء البارزة، إلا أنني أعتقد أن الفترة المقبلة ستشهد العديد من المفاجآت والأحداث التي سيكون لها دور حقيقي في تغيير مسار الحياة السياسية.
