هل مرت على رسام الكاريكاتير حالة سياسية عربية مثيلة أو تقارب حالة الربيع العربي اليوم؟ وما هي الإضافة التي مثّلها الربيع العربي لرسام الكاريكاتير؟ ولكن.. في مقابل تحفيز الربيع العربي للكاريكاتيرست ولوحته الفنية، هل يُخشى من ضياع الفن والإبداع وسط كل هذا الصخب؟

الفنان الاردني ناصر الجعفري تحدث حول الابداع عبر الريشة، في ملف الكاريكاتير والجديد فيما إضافة «الربيع العربي» إلى هذا الفن.

أي إضافة مثّلها الربيع العربي لرسام الكاريكاتير هذه الأيام؟

الربيع العربي أعاد إحياء فن الكاريكاتير الذي كان على وشك اختفاء مهمته أو تقلّصها بقدر كبير، بسبب السقوف الرقابية. فكما هو الحال في الحياة السياسية العربية، فإن الكاريكاتير استعاد أنفاسه هو الآخر وأسقط كثيرا من المحرمات في حالة الربيع العربي. إذ لم يعد الزعيم الديكتاتور مقدساً أو محمياً بهالة القوانين التي تمنع الاقتراب من ظله.

حتى وإن كانت القوانين المحلية تمنع الاقتراب منه؟

حتى وان كانت كذلك.. فإن المزاج الشعبي سيمنع من تفعيل أي قانون ضد رسام الكاريكاتير في حالة الثورة العربية هذه. إذ لا يمكن الصمت على قتل الأبرياء في الشوارع، ولا يمكن لأحد أن يقول إن هذا الرسم يسيء لعلاقات دولة صديقة أو شقيقة، فالمزاج العام تغيّر بما يحمل فنان الكاريكاتير لأفق أوسع.

المزاج العام تغير بما يحمل فنان الكاريكاتير لأفق أوسع.. إبداعياً هل لاحظت فرقاً في ذلك؟

لا شك، ذلك أن الحافز بتقديم العمل ينشئ في مدى تماسه مع الفنان، فخلال تجربتي الشخصية كنت انتظر اليوم الذي أرى فيه الطغاة يسقطون، فكان واجبا على أن أقدم خبرتي الإبداعية والتقنية بما يواكب أو يرتقي إلى مستوى الفعل الشعبي.

اليوم بت أكثر تأنيا ودقة في العمل، حتى إنني أصبحت أعطي أضعاف الوقت المعتاد للرسم لمواكبة هذه الحالة.

من بين أشهر الثوار أو المعارضين إن جاز القول في الربيع العربي هو رسام كاريكاتير علي فرزات.. الذي حصل مؤخرا على جائزة دولية للسلام.. كيف تعلق على ذلك؟

أرى ذلك في سياق ما قلناه انه لولا تأثير لوحة كاريكاتيره الصادمة لما كان فرزات هدفا للاعتداء بهذه الوحشية، من هنا نجد حتى الطغاة عادوا لاستشعار مدى خطورة فن الكاريكاتير.

قلت في مرات عديدة عن الحياة المعاصرة أصبحت أكثر كاريكاتيرية من الكاريكاتير نفسه.. اليوم ومع صورة الضحايا المقدمة على الفضائيات، هل ارتقت تلك الصورة هي الأخرى، لتصبح أكثر مفارقة وصخباً مما يقدمه الفنان في لوحته؟

إن كمية الدماء التي تشاهد على الفضائيات تقدم صورة صريحة وصادمة بحيث تضفي المصداقية على أي مبالغة يستخدمها رسام الكاريكاتير في نعت الأنظمة الديكتاتورية ووسائل استبدادها.

وإن كنت أخشى فنيا من أنْ تخرج الصورة الإبداعية إلى منطقة الرسم الدموي التي لا أحبها شخصيا في فن الكاريكاتير. فليس من مهمة الكاريكاتير إعادة إنتاج الصورة بألوان وخطوط تقنية تقترب من الواقع.

في مقابل تحفيز الربيع للفنان ولوحته هل تخشى من ضياع الإبداع في هذا الصخب؟

هناك قلق حقيقي، إذ إن الصورة القومية للأحداث قد تسحب برسام الكاريكاتير إلى منطقة المتابعة الخبرية وهذا غير مستحب للوحة الفنية، وإن كانت تجسد تاريخا لمرحلة ما فإنها قد تفقد بعدها الزمني طويل الأمد.

كانت الثورات العربية حتى الليبية منها مجمعاً عليها في الشارع. اليوم نشهد جدلاً حول الثورة السورية.. هل تفكر وأنت ترسم فيما سيقوله القارئ وفي هذا الجدل؟

التحليل السياسي ليس مهمة فنان الكاريكاتير، بل هو أيضا الرسام انعكاس لحالة وجدانية جمعية، فأنا أقول في أية حالة من حالات الثورة إنني مع حق الإنسان في الحياة والكرامة والحرية. ودعونا نترك للمحلل السياسي مهمة التلاعب بالحقائق وتكييفها حسب الأيديولوجيا. لا مكان لرسام الكاريكاتير إن لم يكن مع وجدان الناس. ولا مكان أيضا لتجزئة الحقيقة أي قبولها في مكان ورفضها في مكان آخر.

طوال عملك الإبداعي.. هل تتذكر حالة سياسية تماثلت في مشهدها مع الربيع العربي وشكلت للرسام دفقات من المشاعر والأحاسيس الإبداعية؟

لا اعتقد ذلك، وإن كان الرسام العربي قد مر بتجارب عليها إجماع وجداني شعبي مثل حالة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، إلا أن الحالة هنا أكثر جدية وخطورة، وفي تجربتي الشخصية كنت أراكم الخبرات التقنية ليوم ارسم فيه سقوط طاغية عن عرشه.