سلطت أحداث الربيع العربي وبكل إفرازاتها الضوء على الإعلام العربي الرسمي وغير الرسمي من حيث ما هو مقبول وغير مقبول، فلقد تلاعبت السلطة بالإعلام تارة وتلاعب الإعلام بها تارة أخرى. بوصلة الإعلام الرسمي قاربت من ميلانها بسرعة كبيرة باتجاه مطالب ومزاعم السلطة وكيف لا فهي عنوانه وبوقه لكنها وفي لحظات كثيرة فقدت اتجاهها نتيجة لسرعة الأحداث.
في بدايات الربيع العربي مثلاً في تونس ومصر دخل الإعلام الرسمي إلى ساحة المواجهة سريعاً، بل إنه اصطدم مع مطالب الجماهير في بادئ الأمر واستغل الإعلام من قبل أجهزة السلطة وسير مصالحها، فعلى سبيل المثال أنتجت ثورات تونس ومصر وحتى اليمن انفصالاً واضحاً في الإعلام السلطوي عن مطالب الشعب وبات هناك من يفرق بين صحافيي السلطة وصحافيي المهنة، وقد أظهرت مواقع التواصل الاجتماعي كـ «الفيس بوك» و«اليوتيوب» لقطات مضحكة وفيها تعبيرات يستنبط المشاهد منها حجم النفاق وازدواجية المعايير.
لقد لعب الإعلام الرسمي دوره المناط به وفق نسق مخطط له مسبقاً، وهذا قد يكون طبيعياً وفق مفهوم وسياسة الإعلام الحكومي المدعوم والداعم لتوجهات الحكومة، لكن ما الذي ميز الإعلام الرسمي في خضم المواجهة؟
ففي ثورة مصر مثلاً كان التلفزيون الرسمي يوجه تيار الأحداث إلى الضفة الأخرى وكان يتفاعل مع المؤيدين ويقوم بعرض لقاءات مع ما يعتبره أزلام النظام والمستفيدين وهو امر كان مثار جدل، وفي الوقت ذاته كان الإعلام الرسمي يتعامل مع التظاهرات وعناصرها على أساس أنها خطط ومؤامرات وعصابات مدفوعة لزعزعة الاستقرار، بل إن الإهانات وصلت إلى أن مجموعات منهم كانوا قد تلقوا تدريبات خاصة في دول أجنبية على الإطاحة بأنظمة الحكم الرسمية.
ويؤكد الإعلامي وليد الزبيدي صاحب شبكة الوليد للإعلام أن سلطة الإعلام تشهد انتقالاً مهماً لتضع ثقل السلطة بعيداً، رغم الثقل الرسمي للسلطات، وأصبحت السلطة الإعلامية شعبية أكثر منها رسمية، بعد أن أصبح المواطن البسيط وبوجود التكنولوجيا المتطورة يؤدي دور المراسل والمصور والمحلل للأحداث أيضاً، وهذا الأمر افقد الإعلام الحكومي الكثير من مرتكزات قوته، كما أعطى لوسائل الإعلام «المظاهرات والاعتصامات» بل إن المواطن المراسل أخذ دور الفاضح لحملات الاعتقال التي تحصل في هذا البلد أو ذاك وفي هذه المدينة أو تلك.
وبقدر ما يبدد ذلك المفهوم التقليدي للسيادة فإنه يبدد في الوقت ذاته قوة السلطات المتحكمة بإرادة الشعوب، وأعتقد أن تجربة المظاهرات التي يشهدها الوطن العربي منذ بداية هذا العام قد أعطت دروساً للحكام، من خلال استفادة القائمين عليها من سلطة الإعلام المفتوح.
علامة فارقة
ويرى الإعلامي علاء الشيخ مراسل القناة التونسية في لندن أن الربيع جاء ليشكل علامة فارقة في سفر العلاقة بين الإعلام الرسمي ومطالب الجماهير، لا نقل ان الإعلام غير الرسمي لم يكن مسيسا كبعض القنوات العربية، لكنه كان على الأقل إعلاماً أكثر حرية في التعاطي مع وقائع الأحداث واجبر وبسبب وقائع الأحداث الإعلام العربي أن يعترف ببعض الحقائق.
والإعلام الرسمي، حاله حال المؤسسات الحكومية تأخذ قوتها من قوة النظام وبسقوط النظام أو تهاويه، وهي بذلك تمثل الحقيقية الناصعة التي لا لبس فيها متى انهار النظام ينهار معه الإعلام أو ينقلب ضده، ويعترف بالهزيمة. مشاهد حقيقية من ثورة مصر كانت مثالاً على التبعية التي وضع الإعلام الرسمي نفسه فيها.
لكن الحديث عن الفوضى الخلاقة والتي تعتمد على فكرة «BIG BANG»، وهي الفكرة الكونية التي تعتمد على خلق الكون ومن ثم اندماج الفئات الناتجة من الانفجار مع بعضها البعض بسياق متقن مع مرور الوقت، قد لا يكون تطبيقه ملائماً بنفس الشكل على الواقع العربي إذا أثبتت الفوضى الخلاقة في العديد من الدول أنها فوضى مميتة وفكرة ليست مستحبة على الإطلاق أو بمعنى آخر (مكلفة)..
إذن فإنه من الصعب أن ينتهج الإعلام العربي منهج الفوضى الخلاقة في مجتمع عربي يعد بمثابة الدخول إلى حقل ألغام، خصوصاً وأن المحرمات التي يتعاطى معها الإعلام العربي، وربما الحديث عن رحاب أوسع فقد يتوسم الإعلام الرسمي وفق مساحات الحرية الممنوحة إليه، أن يدخل إلى حلبة السباق الإعلامي وينزع ثوبه الضيق ليسمح لنفسه بمعالجة مواضيع كانت تعد من المحرمات، وأن يغير ثوبه، كما قلنا، في إطار الحرية ووعود الديمقراطية.
