آمال كبيرة عقدها المصريون على ثورة 25 يناير، من بينها تحرر إعلامهم من سيطرة السلطة عليه والانحياز إلى مطالب الشعب التي ظلت في آخر أولوياته طوال العقود السابقة، وزادت الآمال بوجود حالة غير مسبوقة من السيولة والانفتاح مدعومة بانطلاق عشرات القنوات الفضائية وأعداد من الصحف الورقية والإلكترونية.. ولكنه حدث الأسوأ، حيث يشهد الإعلام المصري بعد الثورة حالة من الفوضى والانفلات الإعلامي في ظل غياب واضح للمعايير المهنية الإعلامية سواء في القطاعين الرسمي أو الخاص، فيما رأى البعض أن مشكلة الإعلام الحقيقية أنه مازال يتعامل بنظام سلطوي يرعاه النظام الحاكم ورؤوس الأموال، مواصلاً في الوقت ذاته تجاهل مطالب الشعوب.

وما بين سيطرة الأنظمة على الإعلام ومطالب الشعوب، ترى الكاتبة الصحافية فريدة النقاش، أن الإعلام العربي مازال يعيش داخل عباءة الأنظمة وسيطرتها، حيث إن الإعلاميين الأحرار، على حد تعبيرها، ما زالوا يكافحون من أجل الخروج من تلك العباءة دون جدوى، موضحة أن النظام الاقتصادي والاجتماعي في معظم دول الربيع العربي مازال كسابق عهده على الرغم من تغير الأنظمة السياسية.

وأضافت أنه في مصر تحديداً ما زالت تمتلك الدولة أكثر من 90% من الإعلام المطبوع وتسيطر على أغلب قطاع الإعلام المرئي والمسموع، حتى الإعلام الخاص، والذي يلعب رأس المال دوراً رئيسيّاً في إدارته، مازال هو الآخر بعيداً عن التعبير عن المطالب الحقيقية لثورة 25 يناير، إلا أن النقاش تؤكد أن الصراع ما زال دائراً بين طموحات التحرر من خلال إطلاق حرية التعبير والمطالبات بإصدار قوانين لحرية تداول المعلومات وعمل نقابات مستقلة للإعلاميين وبين سيطرة مهنة الرقيب على القيادات الإعلامية.

وأشارت فريدة إلى أنه على الرغم من مظاهر التعبير والحرية التي تطفو على السطح بعد الثورة إلا أن واقع الأمر أن الأفكار البالية ما زالت تسيطر على المشهد الإعلامي المصري، وهو ما ظهر جليّاً في بيان الإعلامي يسري فودة الذي أعلن فيه تعليق برنامجه «آخر كلام» لأجل غير مسمى.

 

حالة من الارتباك

في حين يرى أستاذ الإعلام السياسي في جامعة القاهرة دكتور صفوت العالم، أن المشهد الإعلامي المصري في حالة من الارتباك، حيث إن الوضع السياسي لم يستقر ولم يتضح بعد اتجاه البوصلة السياسية للدولة، وحالة الارتباك هذه وصفها المجلس العسكري بــ «حالة من الانفلات الإعلامي»، والذي هو في حقيقته «ارتباك تحول» بعد فقدان الثقة بين الإعلاميين وخاصة داخل المؤسسات الرسمية، وربما يشهد الوضع الإعلامي في مصر حالة من الاستقرار خلال الأشهر القليلة المقبلة بعد استقرار الأوضاع السياسية وتحديد المرتكزات الأساسية للمضمون الإعلامي.

وأضاف أن بعض الإعلاميين سواء من الإعلام الرسمي أو الخاص والذي يتحكم في قيادة رأس المال هو الآخر قاموا بما وصف بالتحول من النظام السابق للقفز على عربة الفوز والانضمام إلى صفوف الثوار.

وأوضح العالم أنه على الرغم من الأحداث الأخيرة من غلق لقنوات أو مصادرة لصحف فإن الأمر لا يعبر عن توجيه سياسي للمرحلة المقبلة، فكل حالة لها تفسيرها المختلف عن الأخرى، فإغلاق مكتب الجزيرة في مصر كان الخطأ ليس الإغلاق ولكن السماح بالعمل دون ترخيص، أما موقف الإعلامي يسري فودة فملتبس، فهو يتحدث بحرارة طوال الشهور الماضية وليس هناك مبرر واضح للتضييق عليه في تلك المرحلة.

ويؤكد الإعلامي حمدي قنديل، أن الإعلام العربي عاش دوماً بين مأزق الخضوع للسلطات الحكومية أو توجيهات رأس المال، حيث ظلّ الإعلام الرسمي يعمل للحاكم، بينما الإعلام الخاص يعمل لمصالح رأس المال إلا أن الأخير قد يكون أفضل قليلاً، حيث لديه من المرونة المؤسسية ما يمكنه من معالجة الأمور بشكل أكثر موضوعية.

ويطالب قنديل بإلغاء منصب وزير الإعلام في مصر بعد الثورة على أن تترك المسئولية للإعلام لتنظيم نفسه وتنظيم علاقته بالمجتمع، وتكون سلطته نابعة من أهل المهنة، كما هو الحال في هيئة الإذاعة البرلمانية BBC.

 

ثقافة التخوين

وتعترف الإعلامية سهير شلبي، أنه لا تزال هناك قيود داخلية داخل الإعلام وخاصة الإعلام الرسمي، موضحة أنه طوال السنوات الماضية اعتاد الإعلام الرسمي الانحياز إلى السلطة وعدم توجيه الانتقاد الحاد إلى من يمثلها، وهو الأمر الذي لم يتغير كثيراً بعد الثورة.

أما الإعلام الخاص فشهد حالة من الانفلات الإعلامي واتباع ثقافة التخوين واستخدام الفزاعات تجاه قوة سياسية بعينها أو المؤسسة العسكرية؛ ما أسفر عنه تشتيت ذهن المتفرج وخلق حالة من الصراع المصطنع، وهو ما يفقد الإعلامي أو مقدم البرامج مصداقيته.