قالت سهام بن سدرين، الإعلامية والحقوقية ورئيسة المجلس الأعلى للحريات في تونس، إنها مطمئنة لمستقبل بلادها وغير خائفة على مسيرتها، في ظل حكم حركة النهضة الإسلامية، التي فازت بالمرتبة الأولى، من حيث عدد المقاعد في المجلس الوطني التأسيسي، بعد الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وأشارت في حديث خاص لــ «البيان» إلى أن للشعب التونسي من الوعي والنضج والإرادة ما يجعله يثور ضد أية ديكتاتورية قد تلوح في المستقبل، مثلما ثار ضد ديكتاتورية الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وأسقطها يوم 14 يناير الماضي، وأضافت بن سدرين أن التحدي الأكبر حاليا هو إقامة العدالة الانتقالية التي ستؤدي إلى المصالحة الوطنية بعد إتمام إجراءات المساءلة والمحاسبة.
وأعلنت أنها لا تطمح لأي منصب سياسي في المرحلة المقبلة، ولم تخف رفضها التام لاستمرارية رئيس الحكومة الحالية والمؤقتة الباجي قائد السبسي، في اي منصب سياسي، قائلة «سأحارب هذا الخيار بكل طاقتي وإمكانياتي».
وكانت بن سدرين قد توجهت برسالة مفتوحة إلى قائد السبسي خاطبته فيها بالقول «إن محاولة تمديد بقاء حكومتكم المؤقتة لما بعد 23 أكتوبر يمكن فهمها، فالسلطة مغرية ومفسدة، لكنّ إرادة الشعب يجب احترامها وحكومتكم التزمت بذلك، حتّى وإن كان القول المأثور يرى أن الوعود لا تلزم إلاّ من يتلقاها. لكنّكم تخطئون حين تنسون أنّ شعبنا قام بثورة ضدّ نظام ديكتاتوري».
كيف تقبلت فوز حزب حركة النهضة الباهر في انتخابات المجلس التأسيسي؟
أؤكد أولا أن الانتخابات كانت حرة ونزيهة، وهي الأولى من نوعها في تاريخ تونس، كما تميزت بالشفافية رغم بعض التجاوزات التي يمكن للقضاء أن يقول فيها كلمته، ولا اعتقد أن هناك انتخابات في أي مكان في العالم لا تعرف بعض التجاوزات، يبقى أن الإنسان الديمقراطي هو الذي يقبل بالنتائج مهما كانت معاكسة لرغبته أو مختلفة مع توجهاته، أو كانت لفائدة منافسيه وخصومه السياسيين، وطالما أنها تعبر عن إرادة الشعب لا بد من احترام هذه الإرادة.
كيف تفسرين الفوز الكبير للإسلاميين في انتخابات المجلس التأسيسي؟
أفسره بأن الشعب التونسي اختار أن يقطع نهائيا مع رموز النظام السابق، لقد كان تصويتا لإعلان القطيعة النهائية مع العهد البائد، وما على الفائزين إلا أن يحترموا تعهداتهم إزاء الشعب والثورة، وإلا فإنهم سيدفعون الثمن.
تقرير متكامل
هل لاحظت تجاوزات أو خروقات للقانون في الانتخابات؟
نحن في المجلس الوطني الأعلى للحريات شاركنا في مرصد الرابطة المتكون من ائتلاف جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، وسنقوم بنشر تقرير كامل عن كل ملاحظاتنا حول الانتخابات وما حدث فيها من تجاوزات، خصوصا وان الانتخابات وضعتنا أمام صدمة حقيقية، وهي عودة بقايا النظام البائد في وجه جديد هو محمد الهاشمي الحامدي، صاحب قائمات العريضة الشعبية، والذي كان ورقة توت تسرب من ورائها جهاز حزب التجمع المنحل بالتنسيق مع البوليس السياسي.
بعض وسائل الإعلام رصدتك أخيراً وأنت تتحاورين مع قيادة النهضة، ففيما كان ذلك الحوار؟
اللقاءات مع قيادة حزب النهضة تتعلق بمشروع العدالة الانتقالية، وهو مشروع طرحناه في الفترة الماضية على السلطات المعنية، وعلى عدد من الأحزاب والفعاليات السياسية في البلاد، وعندما أردنا الحديث مع الأخوة في النهضة قالوا لنا إنهم مشغولون بإعداد الانتخابات، وإنهم مستعدون لتناول الموضوع بعد 23 أكتوبر، ولذلك التقينا بعد الانتخابات مباشرة.
وتحدثنا في مشروع العدالة الاجتماعية وضرورة أن يضعه المجلس التأسيسي في اعتباره، خصوصا وأننا نستعد لطرح المشروع خلال ندوة دولية كبرى ستحتضنها تونس يوم 9 و10 ديسمبر المقبل، بمشاركة خبراء وحقوقيين من مختلف البلاد العربية والأجنبية، مع التركيز على استضافة خبراء من دول سبق لها أن مرت بالظروف ذاتها التي نمر بها، وعاشوا تجربة العدالة الانتقالية.
بعد ترشيح الأمين العام لحركة النهضة حمادي الجبالي لرئاسة الحكومة من ترشحين لرئاسة الدولة؟
هناك ثلاثة أسماء، منصف المرزوقي رئيس حزب المؤتمر من اجل الجمهورية، ومصطفى بن جعفر رئيس حزب التكتل من اجل العمل والحريات، إضافة إلى احمد المستيري.
وبم تؤاخذين الباجي قائد السبسي؟
ارفض رفضا تاما أن يستمر في السلطة أو يتولّى رئاسة الدولة، وسأقف بقوة ضد هذه الفكرة وسأحاربها، خصوصا، انه حاد بالحكومة عن مسار الثورة، ورفض إصلاح الأمن والقضاء، ولم يعط أية أهمية لموضوع الضحايا والشهداء، ولا لقضايا الأرشيف وضحايا الهجرة السرية، وغيرها من القضايا الشائكة التي مازالت تؤرّق الشعب التونسي منذ قيام ثورة 14 يناير.
وقد وجهت له رسالة مفتوحة خلال الأيام الماضية قلت له فيها «خلال سبعة أشهر من الحكم، تكلّمتم مطوّلا؛ ولكن لم تقدّموا أبدا كشفا للشعب حول تصرّف حكومتكم في المال العامّ، وذاك الممنوح من المجتمع الدولي من أجل إنقاذ تونس؛ لم تشرحوا أبدا أيّ إجراءات اتخذتموها للتقليص من البطالة، أو دعم التنمية في الجهات المهمّشة؛ وليس هناك أيّ مبادرات قمتم بها لتحسين مستشفياتنا أو إنقاذ مدارسنا. وعلى العكس تماما. سمحت حكومتكم لنفسها أن تشرّع بلا حسيب ولا رقيب ـ دون حوار وطني ـ لترهن مستقبل البلاد لأبعد فترة من بقائها في الحكم».
كان من المفترض أن يتخذ قائد السبسي قرارات عاجلة لحماية أرشيفنا من التلف، فالمسألة تتعلّق بحماية ذاكرة الوطن، من خلال تلك الوثائق التي كانت ستسمح للشعب بمحاسبة المجرمين الحقيقيّين، الذين نجدهم اليوم أحرارا في تنقّلاتهم، ونافذين كما كانوا في النظام القديم؛ عوضا عن تقديم هؤلاء (المناشدين) المساكين للانتقام الشعبي لإسكات الأصوات المطالبة بالعدالة.
كما كان من المفترض أن يتخذ إجراءات عاجلة لتشجيع حرية التعبير وإصلاح الإعلام وإبعاد المسؤولين التقليديّين عن «البروباغاندا»، ودعم وسائل الإعلام العمومية والخاصّة لمرافقة مسيرة الديمقراطيّة. وكان من المفترض أن يتخذ إجراءات عاجلة لتحرير المؤسسة القضائيّة من هيمنة الذين حكموها وحيّدوها عن مهمّتها الأصليّة، وجعلوها في خدمة أوامر الأقوياء. وبدلا عن ذلك أبقى على فريق الوزير الأسبق البشير التكّاري الذي أخذ على عاتقه حماية مجرمي النظام السابق والتلاعب بالرأي العام بتقديم محاكمات هزليّة، مثل محاكمة بن علي، غير اللائقة بتونس الثورة من خلال عدم احترامها لشروط المحاكمة العادلة، وخاصّة المتعلّقة منها بقتلة شهداء الثورة بالتعتيم الكلي.
وكان من المفترض أن يتخذ إجراءات عاجلة لإصلاح الأمن، وتمكين الجهاز الأمني من التطهّر من المجرمين الذين وظّفوه في خدمة «مافيا»، ومن إعادة الهيكلة بشكل يليق بتونس ما بعد الثورة. لكنّه عزل المصلح الوحيد، فرحات الراجحي، وسمّى وزيرا للإصلاح مهمّته قبر كلّ إصلاح.
هل في هذا رد على اتهامك بمحاولة الانقلاب على الدولة؟
لقد رأى العديد من الملاحظين في الخطاب قبل الأخير للوزير الأول في الحكومة الانتقالية تهديدات موجّهة لي شخصيّا. وإضافة إلى كونها أقاويل تشويهيّة يؤاخذ عليها القانون، فإنّني متشوّقة لأعرف أيّ جريمة يتهمني بها؟.إنّني أتحدّى أيّا كان ـ وخاصّة المصالح المختصّة للبوليس السياسي أن يقدّم واقعة واحدة، عملا واحدا، دليلا واحدا، يشير إلى تورّطي في أي ممارسة انقلابيّة.
وحين كشف القاضي فرحات الراجحي «وزير الداخيلة السابق» عن وجود «حكومة ظلّ»، اتهمتني نفس الأجهزة بتحريضه على تقديم هذه التصريحات، كما لو أنّ ذلك القاضي بحاجة إلى مرشد لأقواله وأفكاره؛ وقد كشف تعاقب الأحداث بطلان تلك التهم.
هل من أمل أن نراك في منصب حكومي؟
إلى حد الآن لا، وعموما أتمنى شغل وظيفة الرقيب، فأنا على قناعة تامة بأن أي سلطة بدون سلطة مضادة لابد أن تحيد عن مسارها، والسلطة المضادة هي المرأة التي تحتاجها السلطة لتعرف من خلالها منهج الأداء السليم.
