الصراع يتجدد بين جيل وجيل، وبالخلاف ذاته في الأفكار والمعتقدات والتوجهات، كل جيل مختال بنفسه، وبأفكاره وبالتزاماته تجاه عصره. لا أعرف لماذا ينتابني شعور في كل مرة بأن جيلنا هو الأصح وأنا أتحدث عن ثلاثين سنة مضت من عمر الزمان وكأن الزمن يستنسخ نفسه، فالحديث هو ذاته الذي كنت اسمعه من أبي ومن عمي ومن خالي وهأنذا انقله إلى أولادي بكل تفاصيله مع اختلاف الزمن.
في بريطانيا تكاد الصورة تكون ذاتها على الرغم من اختلاف العادات والتقاليد وابتعاد البعض عن الوطن والأهل، وقد لا تحمل أية مثالية، إلا في حالات تكاد تكون معدودة، وفي لقاء مع عدد من الآباء من الذين تجاوزوا ستين عاما وبعضهم من أصول شرقية مهاجرة.
الشيخ محمود أماتاب من باكستان عمل في الكويت لسنوات طويلة وقدم إلى بريطانيا ويعيش هنا منذ أكثر من أربعين عاما، ويقول مازلت أواجه الصراع مع أبنائي وأحفادي منذ أن تركت بلادي وأتيت إلى هنا. أواجه نفس المشكلة عندما اطرح رأيي أو أسدي نصيحة إلى أحفادي أو أبنائي. فدائماً هناك من يعارض حتى وان كنت أنا على صواب. ودائماً أتلقى النقد المستند الى فارق الزمن، والعمر واختلاف الظروف، أكاد أجزم أننا كجيل قديم نواجه معارضة شديدة ناتجة من اعتداد الجيل الحالي بنفسه ومساحة الحرية التي منحت له.
أما بيتر فلوك وهو تركي الأصل متقاعد عن العمل منذ أكثر من عشر سنوات فقد قال لا توجد مشكلة بحد ذاتها، فالأمر يكمن في اختلاف الوقت والظروف فقد تربينا على عادات وامور تكاد تختلف كليا عن وقتنا الحاضر، واليوم يواجه الجيل الجديد تحديات صعبة، فلذلك ينشأ الخلاف بين الأجيال، لم يعد الوقت كما كان، ما كان عيبا في السابق لم يعد كذلك، علينا أن نجد صيغة للتفاهم معهم على أساس ما هو صواب أو خطأ.
لكن القيم التي يتمسك بها أصحاب الجيل القديم ليست كلها تساير وقتنا الحالي ففيها من السلبيات الكثير، ومن الإيجابيات الكثير أيضاً، المهم كيف يمكن التمييز بينهما. وقد يكون التمييز عاملا من عوامل الفرقة أو الصراع فكلاهما يجرك إلى حلبة الصراع. ويمكن القول إن مساحة الحرية الممنوحة والتنشئة الاجتماعية تجر الويلات على العوائل العربية والمسلمة والمنحدرة من جذور شرقية، فالارتباط بالعادات والتقاليد ليس بالأمر الهين خصوصا إذا حدث أي تشظ في العلاقات الأسرية والقصد هنا على صعيد العلاقة الزوجية. لكن كيف ينظر الشباب والمراهقون الي العادات والتقاليد؟
راحة نفسية
أوميد فتى عراقي في الـ14 من عمره ومقيم في بريطانيا منذ أكثر من أربع سنوات، قال انه لا يزال يتمسك بإرثه وتقاليده، ومصمم على ذلك، لأنه يشكل راحة نفسية له واضاف: خوفي من فقدان تقاليدنا، يجعلني أكثر تصميما على المحافظة عليها.
ويضيف لا أجدني منجذبا كثيرا الى العادات الأوروبية، ربما القليل منها الذي اشعر انه يفيدني ليس إلا.
أما براء وهو شاب مغربي فقال لنا تقاليدنا، عدا ما يمس ديننا، ليس لها أي مستقبل، نحن هنا نسير في عصر الحداثة والتكنولوجيا التي تأخذ منا الوقت الأكبر.
لكن التكنولوجيا التي يتفاخر بها الشباب المسلم والعربي في دول المهجر باتت اليوم تشكل ثقلا على كاهل عوائلهم، فتهافت الشباب والمراهقين على التكنولوجيا، جعلتهم بعيدين كل البعد عن ثقافاتهم، فلم تعد الأجواء العائلية تجمعهم الا نادرا لأن الشباب يقضون معظم الوقت في حالة عزلة.
تلك الحالة حدثتنا عنها الكويتية باسمة الخزرجي وهي تقيم في بريطانيا منذ أكثر من عشر سنوات حيث تؤكد: لقد عانينا ومازلنا نعاني عدم اهتمام أولادنا بتقاليدنا وعاداتنا، ونشعر بإن هناك حالة تنافر بيننا، ونحاول في بعض الأوقات قضاء أكبر وقت معهم، إلا أنهم يحاولون الابتعاد عنا بحجج عديدة، والبقاء بمفردهم وعندما نحاول جرهم إلى ساحة تفكيرنا يحدث الصراع.
في السنوات الاخيرة سجلت بعض منظمات المجتمع المدني حالات سلبية بين أفراد العائلات المسلمة والعربية ومنها تزايد حالات التفكك العائلي بالمقارنة بالسنوات الماضية، وسببها الطلاق بين الأم والأب، وهروب الأبناء من دار سكناهم، ومحاولة الانفصال عن الأم والأب تقليدا لما يحدث بين البريطانيين الذين يسمحون للأبناء بترك المنزل عند البلوغ والسكن منفردين وهو أمر يزيد من تفاقم الوضع.
إذن فالحديث عن العادات والتقاليد والتمسك بها يخضع لعوامل نفسية واجتماعية وبيئية وقانونية قد تتسبب في خلق حالات اجتماعية ومتغيرات يجب مواجهتها بشيء من التوازن النفسي والعقلي من اجل الحد من تفاقمها.
