معاني الوطنية والنزاهة والاستقامة والصدق بين اليمنيين لم تعد حاضرة بالقوة ذاتها، بسبب البون الشاسع بين الحديث عن أهمية التمسك بالقيم النبيلة، وبين تمثلها كفعل وسلوك في الحياة اليومية، وما ترتب على ذلك من صراع للقيم بين الأجيال. ومع أنه لا توجد دراسات حول اتجاهات القيم لدى اليمنيين إلا أن الواقع يكشف عن تمرد كبير على نظرة السلطات المجتمعية والسياسية وحتى السلطات المعرفية والدينية لكثير من القيم. هذا ما يراه الباحث والكاتب اليمني المعروف أحمد صالح الفقيه ويقول إن سلم القيم يتأثر بالأوضاع السائدة في كل بلد.
فالشدة والرخاء والفقر والاستقرار وغياب الأمن والفساد تنتج قيمها الخاصة، كما أن الفساد الإداري والمالي على سبيل المثال في اليمن أنتج قيمة مغلوطة لكيفية تحقيق النجاح في الحياة. فبدلاً من الجهد والعمل ظهرت في مناخ الفساد قيم جديدة قوامها الوصول إلى تحقيق النجاح عن طريق النفاق والتزلف والكذب والوساطة والمحسوبية وكل الأساليب غير المشروعة فانسحب ذلك على السلوك الفردي والمجتمعي في آن معا. وإذا كان الرعيل الأول قد ظل وفياً لقيم الوطنية والوحدة والنزاهة والتفاني في خدمة البلاد وتطلعات المجتمع اليمني.
إلا أن المتابعين يرصدون تراجعاً ملحوظاً في تمثل تلك القيم من قبل الجيل الجديد من أبناء وأحفاد ذلك الرعيل، والابتعاد عن روحها ومعانيها. فالوحدة اليمنية التي ظلت قيمة محورية في حياة الناس جنوباً وشمالاً بدأت تفقد بريقها، فالجيل الذي ولد بعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990 خاصة في الجنوب، لم تعد تلك القيمة، تحمل المدلول الذي كانت عليه بسبب غياب العدالة في توزيع الثروة والسلطة ونهب الأراضي من قبل من يقدمون أنفسهم كمدافعين عن الوحدة.
ويشير الفقيه إلى أن القيم بما فيها من تراكمات في الدين والثقافة والفلسفة تنتقل من جيل إلى آخر، إلا أن اختبارها في الواقع هو مدى تمثلها، والدين نفسه إذا لم يكن قولاً وفعلاً يفقد تأثيره في تأطير القيم الفردية والمجتمعية، فالدين في جوهره مجموعة من القيم لقول الرسول الكريم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، لكن في مناخ الفساد تسوء الأخلاق ويتحول الدين لمجرد مظاهر وطقوس ولباس ويسود في المجتمع الرياء. لأن الدين كممارسة لا ينعكس كسلوك يرفض الرشوة والفساد والمحسوبية، وغيرها، بل يتعايش معها وهذا يؤدي إلى فجوة كبيرة بين ما يقتضيه الدين من تقويم للأخلاق والسلوك وتهذيب للنفوس وبين ما يمارس. إجمالاً يبدو أن ثورات الربيع العربي لا يمكن أن تفهم إلا كحالة تمرد لجيل على واقع بعيد كل البعد عن القيم التي تتحكم في إنتاجه وصياغته.
