لا يتوقّف العراقيون عن الحلم بمستقبل مضيء، والأمر نفسه يعتمل في صدور شريحة صغيرة وضعيفة للغاية، تتشبث ببقايا من الأمل، وتتحدى قدرها المكتوب بطفولة عفوية للغاية، ففي بلد مثل العراق الذي واجه العديد من الحروب والويلات، أنجب الوضع الصعب جيلاً من الأطفال المعاقين الذين يصطفون في طابور المنسيين. الأمل كان يملأ قلب الطفل المعاق سجاد حسين، وهو يتحدث عن أمنيته في أن يجد من يقدم له الرعاية اللازمة، فهو معاق ويتيم في الوقت نفسه، ولديه الكثير من الأحلام المستقبلية «لطفل مثله يعيش بنصف جسد».
ويضيف حسين: «أحبُّ اللعب كثيراً وأتمنى أن أكون مع الأطفال الصغار الذين يهرولون خلف الكرة، وأعود فيما بعد لتحضير واجباتي المدرسية، وأمارس حياتي بشكل جميل».
وقبل أن يكمل حسين حديثه الطفوليّ حتى انسابت الدموع من وجهه البريء، وهمس قائلا: «أنا خائف جداً، فإعاقتي تمنعني من الحلم، أما والدتي فهي امرأة مسكينة، تعاني هي الأخرى في حياتها، بعدما فقدنا معيلنا».
أما صديقته المفضّلة ورود سلمان فهي الأخرى طفلة صغيرة، تجهل مستقبلها المقبل، ولم تجد حتى الآن ما يكفيها من الرعاية والحنان، وتحدثت ببعض الكلمات البسيطة، قائلة: «صحيح انني أعيش مع والديّ وأخوتي، إلا إن ذلك صعب جداً»، بسبب عدم الاهتمام واللامبالاة من قبل بعض الأسر العراقية بطفلهم المعاق، حيث يتم ترك الكثيرين من غير رعاية، حيث يتركون في المنزل دون أخذهم إلى المدرسة، وهو ما يزيد المعاناة، ويتحتم عليهم مواجهة أقدارهم لوحدهم. ومثلها أيضاً الطفلة زهراء جبار وهي من الموهوبات في الرسم إلا أنها مصابة بمرض «المنغوليا»، ولم تستطع التكلّم سوى أنها ابتسمت، وربما هي الأخرى لها أحلامها الخاصة، وكان على المعنيين سواء من الأسرة أو الدولة رعايتها ودفعها نحو الأمل.
رعاية قاصرة
ويبلغ عدد المعاقين، وخاصة من شريحة الأطفال بالعراق بحسب «شبكة اكانيوز» نسبةً كبيرة تصل مئات الآلاف من جراء الحروب والويلات التي حلت بالوطن، ناهيك عن عدم وجود برامج حكومية تكفل الرعاية الضرورية لهم، وتأمين الحياة الهادئة، قياساً بالدول الأخرى.
وبالرغمِ من وجود مركزين لرعاية الأطفال المعاقين والمصابين بأمراض التوحّد والمتخلفين عقلياً، إلا أن الرعاية المقدمة لهم دون المستوى المطلوب، ولا تزال هذه الشريحة تفتقر إلى الصحة والتعليم، ناهيك عن الإهمال المجحف بحقهم من قبل عائلاتهم، التي يترك بعضها أطفالها المعاقين دون السؤال عنهم أومتابعة أحوالهم. وتؤكّد مسؤول شعبة رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ثورة الأموي، أنّ محافظة كربلاء تعتبر صاحبة الحظ الأوفر في تقديم الرعاية اللازمة لشريحة المعاقين والمختلين عقلياً من الأطفال، ولكنهم بحاجة لدعم مادي ومعنوي من قبل الحكومة والعائلة لكي يمارسوا حياتهم الطبيعية.
بينما يؤكد الدكتور عمار الجبوري مدير شعبة رعاية المعاقين أنّ «هناك عددا كبيرا من المعاقين، وخاصة الأطفال في المحافظة لا يتلقون الدعم الكافي والرعاية الصحية المناسبة، بسبب بعد أماكن سكناهم، والفقر المدقع الذي يعيشون فيه مع أسرهم.
التهميش جريمة
ويرى الباحث الاجتماعي طالب حسين أنّ «ما يتعرض له الأطفال المعاقون من تهميش هو جريمة بحق هذه الشريحة الضعيفة، ويجب أن تولي الجهات المعنية اهتماماً كبيراً بها لكي تأخذ حقها الطبيعي في هذه الحياة». ولفتَ حسين إلى أننا «بحاجة إلى برامج اجتماعية وتعليمية لتأهيل الأطفال المعاقين وتقديم الخدمات الصحية لهم، فضلاً عن شملهم بالرعاية المادية المستمرة، وخصوصاً العاجزين كلياً منهم عن أداء أي وظيفة أو عمل ينفعهم».
وكان حديث المواطن أبو خضير مشدداً هو الآخر على ضرورة تقديم الرعاية اللازمة للأطفال المعاقين، مبيناً أنّه «عانى طويلاً من أجل الحصول على مرتب شهري لطفله المعاق والمصاب بالشلل في إحدى قدميه، إلا إن الرعاية الاجتماعية اعتبرته غير مشمول ولا تنطبق عليه المواصفات الكافية لـ (الإعاقة)».
ويضيف أبو خضير: «إذا كانت جميع شرائح هذا الشعب المسكين مهمشة ومنسية دائماً من المسؤولين، فهل سيرفق أحدهم بأطفال معاقين؟.
