«صراع الأجيال».. عبارة تطلق على العلاقات المتناقضة بين جيل متمسك بالتقاليد الموروثة، وجيل جديد متمرد على كل المسلّمات الواقعيّة ومؤمن بالتجديد والحداثة، وعلى الرغم من الآراء والتصورات المختلفة في العلاقة بين جيل وآخر، إلا أن حدة الحديث حول تلك العلاقة قد تزايدت في الآونة الأخيرة، لاسيّما في ظل ما أفرزته ثورات الربيع العربي من شباب جدد اعتمدوا على وسائل التقنية الحديثة التي ربما لا يجيدها الكهول في إعلانهم عن أنفسهم وإصرارهم على المشاركة المجتمعية، وتواجدهم في مراكز صنع القرار السياسي.

 

مصر.. الربيع العربي وراء تعميق جذور الظاهرة

ثورات الشباب تأكيد على قدراتهم الفائقة في إحداث التغيير بالوسائل الحديثة

أهم الدلائل على ذلك الصراع الذي نحن بصدد فتح ملفه، ما أكده الناشط السياسي البارز في الثورة المصرية وائل غنيم، حيث قال إن الثورة في الأصل هي صراع أجيال، بين جيل أقلية من زمن سابق سرقت منه أحلام الوطن، واستخدم معه سلاح الخوف لإرهاب باقي أفراده حتى لا يعترضوا، وبين جيل شاب عاش طوال حياته لم يرَ إلا رئيساً واحداً ونظاماً واحداً وفساداً واحداً فقرر أن يثور.

وشدد غنيم عبر صفحته على «الفيس بوك»، على اتساع فجوة التواصل بين الجيلين؛ نظراً إلى استخدام الأجيال الشابة التقنية والتكنولوجيا الحديثة في الوقت الذي لاتزال فيه أجيال «العواجيز» ترفضها.

وتتفق الطالبة بكلية الهندسة جامعة عين شمس، ندى أحمد (23 عاماً)، مع رأي وائل غنيم.. موضحة أن الكبار، وخاصة الآباء لديهم اعتقاد بأنهم يملكون الحقيقة المطلقة، وأن الأبناء أو الجيل الجديد ليس لديهم أي رؤية.. وأضافت: انها تلجأ إلى صديقاتها للتحدث معهم؛ عوضاً عن والدتها التي تعاملها كطفلة أو كجندي بكتيبة عسكرية عليه تنفيذ الأوامر فقط دون نقاش.

في حين يرى محمد خالد، طالب بكلية الإعلام ــ جامعة القاهرة، أنه يجب على الشباب احترام خبرة وتجربة الجيل السابق والتعلم منه، موضحاً أن مواكبة الجديد من الوسائل التكنولوجية لا يعني التمرد على كل المسلّمات الواقعية، فلابد أن يكون هناك توازن بين الاتجاهين.

وفي غضب شديد، يقول الحاج إبراهيم فتحي، بالمعاش، وأب لثلاثة أبناء: إن الجيل الجديد ليس لديه أذن يستمع بها لتجارب من سبقوه ولا يعترف أبناء الجيل الجديد بأنهم ما زال ينقصهم الحكمة والتأنّي والبعد عن الحماس الزائد والاندفاع والتعصب غير المبرر. وأضاف: إن الشباب يفسرون حب الكبار وخوفهم عليهم ومحاولة توفير الحماية اللازمة لهم بأنه تسلط من هؤلاء الكبار، الذين على حد قول الجيل الجديد، يقدّمون لهم نصائح عفا عليها الزمن.

 

تفاعل لا صراع

بدوره يقول دكتور علي ليلة ــ أستاذ علم الاجتماع في جامعة حلوان، إن الأصل أن يكون هناك المزيد من التفاعل والتفاهم بين الجيلين وليس صراعاً، إلا أنه قد يتأجج الصراع، على حد تعبيره، مع عدم قناعة الجيل القديم بإمكانيات أبناء الجيل الجديد وأفكارهم والتي أظهرت الثورات العربية قدراتهم الفائقة على إحداث التغيير من خلال وسائل حديثة، ففي مصر يقدر عدد مستخدمي الإنترنت بخمسة ملايين شخص.

ويلفت ليلة إلى أن الواقع أثبت أن جزءاً كبيراً من الأزمة السياسية التي كانت قائمة في معظم البلدان العربية تعتبر في حقيقتها صراعاً بين الأجيال.

ويؤكد دكتور عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الإسلام سبق جميع الأنظمة المعاصرة في تجديد الفكر والسعي نحو التغيير وعدم الركون إلى نموذج تقليدي، مدللاً على ذلك بقوله «اتضح هذا جليًّاً عندما عهد الرسول «صلى الله عليه وسلم» قيادة جيوش الغزوات إلى شاب مثل أسامة بن زيد، على الرغم من تواجد كبار الصحابة مثل خالد بن الوليد، كما أخذ بنصيحة سلمان الفارسي وهو لم يتجاوز العشرين من عمره في حفر الخندق.

وأضاف إن سيدنا عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» تنبّه إلى ذلك الصراع بين الأجيال في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي حين قال: «أحسنوا تربية أبنائكم فقد خلقوا لجيل غير جيلكم».