تونس ــ الحبيب الأسود

منعت الحكومة التونسية منذ اوائل سبتمبر الماضي ظاهرة البيع العشوائي والتجارة الفوضوية في شوارع وساحات العاصمة وقررت تطبيق التراتيب الجاري بها العمل والتتبع العدلي لكل من يخالف القرار، وذلك على اثر شكاوى المواطنين العديدة والمتكررة من ظاهرة العرض العشوائي للبضائع بكل اشكالها، لما لها من تبعات مخلة بحالة الأمن العام وتكاثر عمليات السرقة والنشل والسلب والعنف وغيرها من المظاهر الإجرامية، إضافة إلى ما تخلفه من فوضى وانطباع سلبي في نفوس الزائرين سواء من التونسيين أو الأجانب.

بالمقابل أبرز مهدي حواص وزير التجارة والسياحة أن إنشاء مناطق حرة في عدد من جهات الجمهورية من شأنه أن يقلص حجم ظاهرة التجارة الموازية التي تلحق أضرارا بالاقتصاد الوطني. وأضاف، أن ذلك يهدف إلى إدماج الناشطين في ميدان التجارة الموازية في المسار التجاري القانوني وإعادة هيكلة القطاع الذي يوفر موارد رزق لقرابة 20 ألف شخص. كما يرمي إلى القضاء على السلع المقلدة، خاصة الخطرة منها، على غرار مواد التجميل والمعدات الكهرومنزلية ولعب الأطفال والتي يجب أن يتم إخضاعها إلى اختبارات الجودة واحترام المواصفات.

«عربة محمد البوعزيزي كانت مفجرة الثورة التونسية وانبثاق فجر اللربيع العربي»، هكذا قال شاب كان يبيع التين الشوكي من على عربة يدفعها امامه في حي لافايات بقلب العاصمة تونس، واضاف: لو كان الامر بيدي لجعلت من عربة البوعزيزي رمزا للبلاد، ولأعليتها فوق الساعة العملاقة بشارع الحبيب بورقيبة، ولأعطيت الحرية الكاملة لكل صاحب عربة ان يتنقل بين الاحياء والشوارع، وان يمارس تجارته في هدوء ودون مضايقة من الشرطة والحرس البلدي، على الاقل من باب التقدير لروح البوعزيزي.

ومحمد البوعزيزي هو الشاب التونسي الذي كان يقود عربة مجرورة، يستعملها في بيع الفواكه والخضار بشوارع وميادين مدينة سيدي بوزيد، الامر الذي كان يعرضه باستمرار لملاحقة اعوان الامن البلدي.

وفي ظل سقوط النظام وانتشار الفوضى وارتفاع وتيرة الانفلات الامني في البلاد، تحولت الشوارع الرئيسية والساحات والميادين الكبرى والاحياء الراقية إلى مساحات للتجارة الهامشية على ايدي باعة متجولين، يتنقلون ببضائعهم، ويحتلون المواقع في تجاوز علني وصريح للقانون، حتى تحولت العاصمة والمدن التونسية الكبرى إلى اسواق شعبية مفتوحة، تتوفر فيها كل السلع المهربة عبر الحدود، والحاملة لماركات مزورة، وفاقدة الصلاحية، والمسروقة من المحلات التجارية ايام سقوط النظام، كما يمكن لمن يتوقف عند تلك الاسواق ان يلاحظ كيف تجتمع الملابس واللعب والادوات الإلكترونية مع الخضار والفاكهة والسجائر والادوات المدرسية والمأكولات والمشروبات وغيرها في فضاء واحد، تحكمه الفوضى التي يعتقد التجار الهامشيون انها تفسير واقعي للحرية التي ضحى في سبيلها «زميلهم» محمد البوعزيزي.

ظاهرة مزعجة

وكان الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية جدّد دعوته إلى كافة السلط المعنية لاتخاذ التدابير اللازمة للقضاء تماما على ظاهرة التجارة الموازية والبيع العشوائي بالأسواق التونسية.

وأكد الاتحاد حرصه على تطبيق القوانين الموجودة ومضاعفة المراقبة بجدية سواء على مستوى الاسواق أو الحدود التونسية للوقوف امام تفاقم الظاهرة، معتبرا ان استفحال هذه الظاهرة على حساب التجارة المنظمة يمثل تنافسا غير شريف من شأنه ان يضعف النسيج الاقتصادي الوطني ويحد من الاستثمارات الجديدة وخلق مواطن الشغل الاضافية.

كما أكد الاتحاد ان البيع الهامشي والعشوائي يشكل خطرا على صحة المواطن، باعتباره يساهم في ترويج بضاعة مقلدة لا تستجيب للمواصفات المعمول بها في السوق التونسية.

ودعت وزارة الصحة العمومية التونسية جميع المواطنين إلى الامتناع عن اقتناء واستهلاك مختلف المواد المعروضة بالشوارع والساحات العامة، لا سيما منها الغذائية والمشروبات الغازية. وجاء هذا التحذير اثر ما تم تسجيله في الفترة الاخيرة من انتشار كبير لظاهرة البيع العشوائي للمواد الغذائية وخاصة المشروبات الغازية المهربة من وراء الحدود وما يمكن ان ينجر عن استهلاكها من امراض.

الأدوات المدرسية

إلى ذلك قال حمادي دخيل من الوكالة الوطنية للرقابة الصحية والبيئية للمنتجات، أن السوق التونسية في هذه الفترة تغرق ببعض الأدوات المدرسية مجهولة المصدر، وقد تشكل خطرا على صحة أطفالنا، فأغلب الأدوات التي تباع على قارعة الطريق لا تستجيب طريقة صنعها للشروط الصحية وللمواصفات والمقاييس العالمية، كأن يتم صنعها بالمواد الكيميائية واستعمال محاليب عضوية في مادة اللصاق المدرسي والمكتبي «الكولا» وهو محظور وممنوع أو أن يتم صنع أو تحضير ملونات أغلفة الكتب والكراسات بالمعادن الثقيلة، وهي أساليب ممنوعة ويمكن أن تجبر مصالح المراقبة التجارية على سحبها من السوق لما يمكن أن تسببه من مخاطر على الصحة. إضافة إلى ما يمكن أن تخلفه من مشاكل على مستوى الجلد والبصر. كما أن الأدوات المدرسية التي تباع في السوق الموازية قد تكون مصنوعة من مواد ملونة لا تظهر مضارها الآن وتبرز مخاطرها بعد سنوات من استعمالها، أي تحمل مضارا بعيدة المدى.

إرباك للاقتصاد

تحتل التجارة الموازية نسبة 42 في المئة من الحجم العام للتجارة في تونس، وتشغّل مئات الالاف من المواطنين، وتشمل اغلب المواد التي يحتاج اليها المستهلك من المواد الالكترونية إلى المحروقات المهربة من الدول المجاورة، ومن الملابس والاقمشة إلى المكسرات والسجائر منتهية الصلاحية ومن الادوات المدرسية إلى الاثاث والاواني المنزلية، وكانت الاعوام الماضية قد عرفت اتساعا للتجارة الموازية، بعد ان خاض غمارها افراد من اسرتي الرئيس السابق زين العابدين بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي، واصبحت البضائع تمر من الحدود البرية والبحرية دون اي خضوع للأداء الجمركي أو اية رقابة، وهكذا اضحت اسواق مثل سوق المنصف باي بالعاصمة تونس وسوق الجم بمنطقة الساحل وجهة للباحثين على البضائع رخيصة الثمن، وخاصة تلك المستوردة من دول شرق آسيا، كما مثلت «اسواق ليبيا» ظاهرة فريدة في تونس،