هو أحد رموز تيار استقلال القضاء في مصر ومن أبرز من نادوا بذلك منذ سنوات وحتى قبل ثورة 25 يناير التي أطاحت بالرئيس المصري السابق حسني مبارك.. إنه رئيس نادي القضاة السابق المستشار زكريا عبدالعزيز الذي حاورناه وتحدّث معنا في موضوعات كثيرة تخص الشأن المصري منها منظومة القضاء في مصر في عهد مبارك، وما كان يحدث فيها من فساد، ورؤيته لها بعد ثورة يناير، ورأيه في قانون السلطة القضائية الجديد.. فإلى الحوار:

كيف ترى منظومة القضاء في مصر قبل ثورة 25 يناير؟

المنظومة القضائية في مصر تتكون من القضاء العادي وله محكمة عليا وقضاء إداري وله محكمة عليا وقضاء عسكري وله محكمة عليا، وهناك أيضاً الجهات القضائية مثل هيئة قضايا الدولة وهيئة النيابة الإدارية، بالإضافة إلى المحكمة الدستورية، ونحن نرى أنه كان لابد من جمع هذه الجهات كلها تحت مظلة واحدة؛ لأن تعدد جهات القضاء يؤثر في السلطة القضائية، وهذا ما نجح فيه عبد الناصر في عام 1969، بعدما قام بما أطلق عليه «مذبحة القضاء»، وسبب هذه المذبحة هو أن على صبري وكان رئيسًا للوزراء أيام عبدالناصر كان قد كتب عدة مقالات بعد هزيمة 1967 متسائلا فيها: لماذا القضاة لا ينضمون إلى تنظيم الاتحاد الاشتراكي؟. وقد تصدى نادي القضاة لتلك الدعوة، وقال لا يجوز ذلك؛ فالقضاة محظور عليهم الاشتغال بالسياسة.

وأراد عبدالناصر أن يضرب القضاء فقام بحل نادي قضاة مصر بالقاهرة وفرعه بالإسكندرية وألغى مجلس القضاء الأعلى في عام 1969 وأنشأ ما يسمى بالمجلس الأعلى للهيئات القضائية.

وبعد وفاة عبدالناصر في عام 1971 استرد القضاة ناديهم، وفي سنة 1984 أصبحت باقي الجهات لها مجالسها الخاصة لكن مع ذلك أصبح المجلس الأعلى للهيئات القضائية يملك ولا يحكم.

في رأيك.. ماذا يحتاج القضاء حتى يحصل على استقلاله؟

القضاء في رأينا كان يحتاج إلى استقلال مالي وإداري، فبالمعايير الدولية لا يعد القضاء مستقلاً ما لم يستقل إداريًّا وماليًّا، وهذا لم يكن يحدث.

هل كان نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك يحاول شراء القضاة؟

نعم ذلك حدث، فحتى اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات قبل ثورة يناير وهي انتخابات 2010 عيّن رئيسها في مجلس الشعب، وكذلك تم تعيين اثنين من أعضائها في مجلس الشورى كمكافأة لهم، ولا ننسى أبدًا أن ممدوح مرعي وزير العدل السابق كان مديرًا للتفتيش ثم أعير للكويت ثم أصبح رئيسًا لمحكمة استئناف القاهرة بحكم أقدميته، لكنه عيّن بقرار جمهوري كرئيس للمحكمة الدستورية العليا حتى يشرف على انتخابات رئاسة الجمهورية في عام 2005، ثم عيّن وزيرًا للعدل في عام 2006 كمكافأة له ولولائه للنظام السابق.

وما هي رؤيتك للقضاء في مصر منذ تنحى الرئيس السابق مبارك وحتى الآن؟

ــ يمكن القول بأن الثورة لم تصل إلى القضاء حتى الآن، ولكن ما أن تولى المستشار حسام الغرياني رئاسة المجلس الأعلى للقضاة باعتباره من القضاة الذين ينشدون استقلال القضاء شكل لجنة برئاسة المستشار أحمد مكي؛ لإعداد مشروع تعديل قانون السلطة القضائية بما يوفر استقلال السلطة القضائية.

لماذا لم يتم تطهير القضاء حتى الآن من وجهة نظرك؟

لأن رجال النظام السابق ما زالوا موجودين في القضاء حتى الآن، وتطهير القضاء يحتاج إلى العودة إلى الانتخابات التشريعية في عام 2005، والتحقيق فيها لتحديد المسؤول عن تزوير الانتخابات في أكثر من 40 لجنة من اللجان العامة التي كان يشرف عليها القضاة.

وكذلك في الانتخابات التشريعية التي حدثت في عام 2010 لم يكن هناك قاضٍ على كل صندوق بل كان هناك قضاة في اللجان العامة واللجنة العليا، ومعظم هؤلاء شاركوا في تزوير الانتخابات في عام 2010، وهذا أحد أسباب قيام ثورة 25 يناير.

وما هي رؤيتكم لقانون السلطة القضائية الجديد؟

هو مشروع واحد لجماعة كبيرة جدا في القضاة تؤمن باستقلال القضاء وهو المشروع الذي يعده المستشار أحمد مكي، وهو أحد رموز تيار الاستقلال في القضاء المصري ويستند في مشروعه إلى الإعلان العالمي لاستقلال القضاء وكل الإعلانات العربية والدراسات التي تم عملها لاستقلال القضاء وتوصيات مؤتمر العدالة الذي عقد في إبريل سنة 1986، وإلى مشروع تعديل السلطة القضائية الذي وافقت عليه الجمعية العمومية في 18 يناير سنة 1991 والذي تم وضعه حبيس الأدراج حتى عام 2002، وكذلك المشروع الذي قمت بإعداده بنفسي خلال فترة رئاستي لنادي القضاة في عامي 2002، 2003، وفي عام 2006 تم تعديل القانون والذي لم يؤخذ به وقتها نطالب به الآن مثل تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلى.

ما هي الخطوط العريضة لمشروع استقلال القضاء؟

المشروع ينص على أنه يجب أن تكون للسلطة القضائية موازنة مستقلة، وكذلك يجب أن يكون هناك استقلال إداري أي أن تكون تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلى.

 

انفلات أمني

هل يؤثر الانفلات الأمني على عمل رجال القضاء؟ وكيف يمكن وضع حد لذلك؟

بالطبع الانفلات الأمني يؤثر على عمل رجال القضاء، وسبب هذا الانفلات امتناع رجال الأمن عن العمل بكامل طاقتهم، وقد تكون هذه مسألة نفسية ولكنها طالت وقد تكون لموقف عدد منهم من الثورة، فقيادات الشرطة حتى الآن تدين بالولاء للنظام السابق، وكان لابد من تغيرهم، ولذلك طالبت بإعادة بناء جهاز الشرطة عقب قيام الثورة وانسحاب الشرطة من الشوارع، وطرحت فكرة بسيطة وقلت إنه لابد من الاستعانة بخريجي كليات الحقوق على الأقل عشرة آلاف يتم تقسيمهم على دفعات تلحق بأكاديمية الشرطة وأن يدرسوا لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر مكثفة علوم الشرطة؛ ليتخرجوا بعد ذلك برتبة الملازم أول بمرتب لا يقل عن ألفي جنيه.

المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم في مصر أصدر أخيرًا قانونًا لانتخابات مجلسي الشعب والشورى.. ما هي رؤيتك كرجل قانون لهذا القانون؟

بصرف النظر عن مواد القانون، كان ينبغي أن يقتصر النظام الانتخابي في الانتخابات التشريعية على الانتخاب بالقائمة سواء المفتوحة أو المغلقة ولا ينبغي أن يكون نظامًا مختلطًا؛ لأن في النظام المختلط خطر وضرر؛ فالنظام الفردي، حتى لو كان في حدود الثلث، كما جاء في التعديلات الأخيرة، سيؤدي إلى استخدام سلاح المال في شراء الأصوات والبلطجة.

 

العزل السياسي

هناك اقتراح بتطبيق فكرة العزل السياسي لمن أفسد الحياة السياسية في مصر قبل ثورة يناير.. فهل مثل هذه الفكرة تتوافق مع مبادئ القانون أو الدستور، خاصة أنها سوف تؤثر على سمعة الكثيرين؟

بالنسبة لرجال النظام السابق فلا يحق لنا الحديث عن سمعتهم أو أن نخوض في سيرتهم، ولكن لنا أن نقول إنهم عملوا في ظل النظام السابق وتسببوا في انهيار النظام، فكيف لمن تسبب في انهيار نظام أن يشارك في بناء نظام جديد؟! وأنا أرى أنه لابد من عزلهم سياسيًّا من خمسة إلى خمسة عشر عامًا بمقتضى حكم قضائي يثبت مشاركتهم في إفساد الحياة السياسية.

تؤيدون العزل السياسي ولكنكم في نفس الوقت لستم مع تطبيق قانون الغدر الذي نادت به كثير من القوى السياسية والوطنية في مصر؟

أنا أرفض كلمة الغدر، ولكن أقول لابد من محاسبة من تسبب في إفساد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال النظام السابق.

وبالنسبة لقانون الغدر فلا يمكن استدعاء قانون تم تطبيقه مرة واحدة منذ حوالي 58 سنة، بل لابد من سنِّ قانون جديد يسمى بمحاكمة الفساد قبل الثورة، وأقترح أن يتم فيه المحاسبة على الفساد الذي حدث في الفترة ما بين تولي مبارك سنة 1981 وحتى تنحيه في 11 فبراير 2011.

هل أنت مع حق المصريين المقيمين خارج مصر في التصويت في الانتخابات التشريعية والرئاسية؟

تصويت العاملين في الخارج بالنسبة للانتخابات التشريعية مستحيل؛ لأنه كيف لشخص موجود في بريطانيا مثلا أن يعرف مرشحي دائرته في مصر، أما بالنسبة لانتخابات الرئاسة فالمنافسة تكون بين عدد محدود من المرشحين، وأنا مع حقهم في التصويت في الانتخابات الرئاسية.

وما هو نظام الحكم الأنسب لمصر من وجهة نظرك؟

النظام البرلماني، إلا أن هذا النظام غير مناسب الآن؛ لأن الأحزاب في مصر إما أنها أحزاب موجودة من قبل الثورة، وهي كلها تعانى من خلافات، وإما أحزاب بعد الثورة لم ترسخ قدمها بعد على أرض الواقع المصري.

والذي يصلح في الوضع الحالي هو النظام المختلط (البرلماني الرئاسي) ويحدد فيه اختصاصات رئيس الدولة ويتقاسمها البرلمان والسلطة التنفيذية.

وما هي الفترة التي ستستغرقها مصر حتى يتم بعدها تطبيق النظام البرلماني من وجهة نظرك؟

يجب ألا تقل عن عشر سنوات؛ فحتى نقول إن أقدامًا رسخت لحزب استطاع أن يكون له شعبية في الشارع يحتاج إلى عشر سنوات من العمل الدؤوب المتواصل.

ما هي رؤيتك لمحاكمة مبارك ورموز نظامه؟

كنت أتمنى أن يقود المجلس العسكري الثورة ولكنه أضاع على نفسه فرصة تاريخية، كان يجب أن يقبض على كل رجال النظام السابق وكان يستطيع أن يحدد إقامتهم بمقتضى قانون الطوارئ الذين وضعوه، وأرى أن المحاكمة جاءت متأخرة، فهذا أعطى لأحد رجال النظام السابق فرصة شهرين تخلص فيها من مستندات وأوراق كانت مؤثرة في محاكمات هذا النظام وهو زكريا عزمي، رئيس ديوان رئيس الجمهورية.