تفيد الدراسات العلمية المختصة ان نسبة الزواج بين الاقارب في تونس تتراوح بين 30 و 40 المئة ، وأن أغلبية هذه الزيجات عادة ما تكون في المناطق الريفية والقروية وبين الاسر الثرية التي تسعى الى الحفاظ على علاقاتها ومصالحها فيما بينها، وفي الاوساط التقليدية بالمدن الكبرى، حيث ورغم التطور الاجتماعي الظاهر وانتشار التعليم والثقافة والوعي الصحّي ،لا تزال نسبة الزواج بين الأقارب مرتفعة ،ولا يزال في تونس من يرى ان ابن العم أولى بابنة عمه من الغريب ، بل إن المثل الشعبي يقول ان ابنة العم تؤخذ من هودجها ، أي أن من حق ابن عمها أن يسترجعها لنفسه وهي في الطريق إلى بيت زوجها الذي لا يمت لها بصلة قرابة.

ويرى البعض ان الانفتاح الاجتماعي المبالغ فيه أحيانا تسبب في العودة إلى زواج الأقارب ، فالناس هنا يقولون ان من تعرفه أفضل بكثير ممن لا تعرفه ، والعوائل المحافظة أصبحت تخشى من الاختلاط مع عوائل قد لا تشاركها القيم الاجتماعية التي تؤمن بها ، يا فاطمة يا بنت العم.

ومما يزيد من ترسيخ الزواج من الأقارب تغلغل الثقافة الشعبية في جزء كبير من التونسيين وخاصة في مناطق الساحل والجنوب وفي الشمال الغربي الذي تسيطر عليه ثقافة المجتمعات الزراعية المتجذرة في بيئتها المحلية ، حيث يكون الحفاظ على الأرض الهم الأكبر ، وحيث يخاف الآباء من أن تتجزأ أراضيهم بسبب توزيع الميراث بعد وفاتهم ، لذلك يقومون بعقد زيجات تقليدية بين ابنائهم وبناتهم ، ويبقى لابن العم الحظ الأكبر في الزواج من ابنة عمه.

 

ترابط اجتماعي

وتعتقد نسبة مهمة من التونسيين ان زواج الاقارب اضحى اهم وسيلة للحفاظ على الترابط الاجتماعي في عصر يعاني من تفكك الاسرة ومن تعرض صلات الرحم الى خطر التقطع بسبب افرازات الحضارة المادية وتأثر المجتمع التونسي بالثقافات الغربية الوافدة ونزوح المثقفين والمتعلمين الى المدن الكبيرة ، وتراجع الواعز الديني والقيمي طيلة العقود الثلاثة الماضية ،ولعل من اغرب المصادفات ان نسبة زواج الاقارب حاليا تتراوح بين 20 و 40 بالمئة ( 20 بالمئة منها من اقارب الدرجة الاولى ) في حين اكدت دراسة علمية حديثة ان زواج الاقارب خلال القرن التاسع عشر لم يكن يمثل في تونس سوى 9 بالمئة من مجموع الزيجات ، وهو ما يعني ان حصول التفكك الاجتماعي او الخوف منه هو الذي استدعى عودة زواج القربى بقوة في محاولة من المجتمع لحماية ما تبقى له من تواصل حميم بين افراده المقربين

 

صم وبكم بسبب زواج الاقارب

تعتبر منطقة « برج الصالحي » في اقصى شمال منطقة الوطن القبلي التونسية ،منطقة فريدة من نوعها في البلاد ، حيث توجد بها اكبر نسبة من فاقدي النطق والسمع مقارنة بعدد سكانها الذي لا يتجاوز 500 نسمة ، اضافة الى أسر كل افرادها من الصم والبكم ، بسبب زواج الاقارب ، مما دفع بالسلطة الجهوية والمحلية الى الانطلاق منذ العام 1989 في حملة توعوية ميدانية بهدف اقناع المواطنين بضرورة تجنب الزواج بين الاقارب ، حتى لا تتحول المنطقة بأكملها الى منطقة « صمّاء بكماء»

 

فقر الدم الوراثي

وافادت الدراسة ان نسبة الاصابة بمرض فقر الدم الوراثي في تونس تتراوح بين 1،5 و 10،4 بالمئة فيما يتراوح الخلل العضوي الوراثي بين 17 و 38 اصابة بين كل 100 الف نسمة ، واستنتجت الدراسة ان الامراض الوراثية تنتج عن اضطرابات في الرصيد الوراثي للجنين وهي متنوعة وقد تتسبب في تشوهات له ولبعض مكونات خلاياه. وتصل نسبة الإعاقات بسبب زواج الاقارب في تونس ، إلى 1.5 في المئة من مجموع السكان،

 

اجبارية الفحص الطبي قبل الزواج

أصبح الفحص الطبي الزاميا لجميع المتقدمين للزواج منذ 1995 في قانون الأحوال المدنية. وبات من الضروري لكل شاب وفتاة ان يستظهرا بشهادة طبية يوم عقد القران تتضمن نتائج الفحوص المتعلقة بالدم واختبار الكشف عن أمراض الزهري وفصيلة الدم وصورة أشعة صدرية، حيث جاء في النص: «يكون تسليم الشهادة الطبية المنصوص عليها إجبارياً».

 

مناضلة ضد زواج الاقارب

تمثّل الدكتورة حبيبة الشعبوني حالة تونسية وعربية متفردة حيث خصصت حياتها وعلمها للنضال في سبيل مواجهة اضرار الزواج من الاقارب.

وتقول الدكتورة حبيبة الشعبوني إنها بدأت دراسة علم الوراثة في العام 1976، ثم باشرت بداية من العام 1980 عملها كأول طبيبة تونسية مختصة في الأمراض الوراثية والخلقية، إلا أنها لم تكتف بذلك المستوى، وإنما عملت على نشر تخصصها الطبي وتكوين الأطباء في هذا المجال، قبل ان تنجح في تحقيق أمنيتها بتأسيس أول قسم للأمراض الوراثية في المستشفيات التونسية، بالإضافة لجهودها من أجل نشر الوعي بمخاطر الأمراض الوراثية، ومحاولة الإقناع بتفادي الزيجات بين الأقارب.

وقد حققت الدكتورة الشعبوني انتصارات مدوية في مجالها من ابرزها انتقالها من مرحلة تشخيص الأمراض المترتبة على الزواج بين الأقارب للوقاية منها، إلى مرحلة العلاج، إذ صارت قادرة على إجراء عمليات جراحية لتعديل التشوَهات التي تصيب الأطفال، نتيجة أمراض وراثية، أو اختلالات جينية.