مستقبل ليبيا بعد الثورة بات أمراً يشغل الليبيين أولا والمتابعين للشأن الدولي , فالبلد قد أسبغت عليه الجغرافية موقعا متميزا بل هاما وأمدته الطبيعية بثروات نفطية قد تجعل منه بلدا متطورا ورقما صعبا بين البلدان المصدرة للنفط , إلا أن الثورة لا تزال تعيش مخاضا عنيفا , ففلول القذافي مازالت هنا وهناك والخطر مازال محدقا بالثورة والثوار ، والتجاذبات بين بعض عناصرها كانت قد أطلت برأسها ولو بصورة خجولة, أسئلة عديدة توجهنا بها إلى المعارض الليبي السابق الدكتور محمد على احداش الحاصل على شهادة الماجستير في القانون من جامعة لندن والدكتوراة من جامعة ويلز والمتخصص أيضا بالفقه وكان من اشد المعارضين لنظام العقيد القذافي.
أين وصلت محاولات تشكيل الحكومة الليبية الانتقالية ؟
الفكرة هو تشكيل حكومة انتقالية خلفا للمكتب التنفيذي بعد صدور قرار بحله وكما أعلن محمود جبريل رئيس المكتب التنفيذي أن الحكومة الجديدة ستضم ممثلين عن جميع المناطق المحررة والمحاصرة لتكون عمادا قويا للمرحلة المستقبلية، لكن أن كنت تسأل عن وجود عناصر من النظام السابق فاعتقد أن المجلس الانتقالي بحد ذاته يضم عناصر كانت محسوبة على نظام القذافي لكنها عناصر نزيهة ولم تتلطخ أيديها بدماء الشعب الليبي .محمود جبريل نفسه كان أمينا للتخطيط ومصطفى عبد الجليل كان وزيرا للعدل لكن القاعدة العامة التي نعمل بها هو عدم تورطهما بدماء شعبنا كما أسلفت.
مفترق طرق
ماهي ابرز ملامح المرحلة الانتقالية وأين ستقف ليبيا وهل لديكم نظرة مستقبلية؟
ليبيا تقف الان على مفترق طريق وتحتاج إلى الاستقرار أين تضع اقدامها فالمرحلة الانتقالية صعبة وهي انتقالية من مرحلة النظام السابق إلى مرحلة نظام دولة جديدة حقيقية , دولة تعتمد على القانون والعدل , أحب أن أؤكد للجميع ان ليبيا ليست دولة حديثة بل أن تاريخها الحديث بدأ عام 51 فليبيا دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، لكن الذي حصل بعد انقلاب القذافي عام 69 على النظام الملكي هو الذي افسد الأمور واختطف الدولة لصالح عائلته وأعاد البلد إلى الوراء قرونا، وأصبح الحاكم المطلق المستبد, فليبيا الآن تبدأ حياة جديدة واعتقد ان لليبيين تطلعات وخبرات في بناء دولتهم وخلق نموذج جديد لدولة يسودها القانون والعدل والمساواة أما مايتحدث عنه البعض في الاعلام عن بلقنة ليبيا او النموذج العراقي فما هي الا فزاعات لاأساس لها ولايمكن ان تنطبق على الوضع الليبي.
حالة فردية
هناك مخاوف من خضوع النظام الليبي الجديد الى ضغوط ومساومات من قبل بعض الدول التي كانت تحتضن المعارضين الليبيين كبعض دول الناتو كما هو الحال مع المعارضة العراقية والافغانية؟
البعض يحاول المقارنة مع الوضع العراقي وربما الوضع في افعانستان , لكن الحالة الليبية فردية خاصة لذلك لايجب الاعتماد على تلك الاسقاطات ولكي اقرب لك المسألة الليبية , على سبيل المثال دستور الاستقلال في الخمسينات هو الذي عين الملك والدولة واليوم الثورة اي ثورة 17فبراير هي التي عينت المجلس الانتقالي وهي التي تختار خطاها بشكل منفرد وهذا معناه ان الثورة هي الاساس في تعيين المجلس وبذلك لاخوف من أي املاءات خارجية لان أعضاء المجلس سيكونون خاضعين لقوة الثورة الشعبية وان الشعب الليبي سيكون واعيا لأية ضغوطات خارجية، اما فيما يخص العقود والمصالح الاستراتيجية فتلك امور مختلفة ،فالمجلس او الحكومة الانتقالية سيدرس مصالح البلد العليا بعيدا عن الضغوطات الدولية ، فالثورة التي أطاحت بالقذافي من الصعب تدجينها وفرض املاءات خارجية عليها.
هنري ليفي والثورة
ما سر العلاقة بين الثورة الليبية والكاتب والمفكر برنارد هنري ليفي البعض يتهم الثورة الليبية وعناصرها بالتواطؤ خصوصا وان للكاتب ليفى طروحات متطرفة تصب لصالح اليمين المتطرف في اسرائيل؟
ليفي هو وافد , لكن بعض المنغمسين في نظرية المؤامرة لايستطيعون الانفكاك والخروج من تلك الحالة الوهمية, فيظنون انه لورنس العرب الثاني وان هذا الشخص هو الذي يدير الامور من وراء الستار.
لكن الرجل محسوب على جهات معينة كيف تتعاطون معه ؟
ليفى قدم الى ليبيا متفاعلا مع الثورة وهذا يحسب له ولقد جاء مندفعا متحمسا للثأر من القذافي كما هو حال الليبيين , وربما لانه مرتبط بامور وعلاقات ومصالح مع الرئيس الفرنسي ساركوزي ولديه منظور ابعد في تحقيق مصالح فرنسا في ليبيا لقد تفاعل ليفي مع الثورة , لقد تحسس ليفى ان الثورة الليبية يمكن لها النجاح وكان رهانهم صحيحا .
لكن وجود هنري ليفي وهو المعروف بتصهينه المتشدد وكأنه يعطي انطباعا واشارات بان ليبيا الجديدة مقبلة مع حالة تطبيع مع اسرائيل؟
الشعب العربي في ليبيا حاله حال الشعوب العربية , يعني مايقال هنا في ليبيا هو نفسه مايقال في مصر التي تشهد اليوم حالة من التوتر مع اسرائيل فالمزاج العربي العام سيكون مشابها , لكن فيما يتعلق برغبة المجلس الوطني إقامة علاقات تطبيع مع اسرائيل فالمجلس او حتى الحكومة المقبلة لاتستطيع ان تتجاوز الثورة وفي الحقيقة انا لم المس ولم اسمع أي تصريح من عناصر المجلس الانتقالي عن وجود رغبة بالتطبيع لان من يتجاوز ذلك فسيحكم على مستقبله السياسي بالفشل الذريع ولا اعتقد ان الوضع مناسبا لان ليبيا مهتمة الآن بشأنها الداخلي, أما عن وجود ليفي فهو وجود شخصي وربما كان الرجل يبحث له عن مجد شخصي وليس له علاقة بالثورة لا من قريب ولا من بعيد.
مصالح الدول والعمل المخابراتي
هل تفاجأتم بحجم التعاون المخابراتي بين نظام القذافي والمخابرات البريطانية؟ لقد وصل الامر الى تسليم القذافي معلومات عن بعض المعارضين فكيف استشعرتم ذلك؟
من يتابع الاحداث عن قرب يكتشف ذلك , فالزيارات التي كان يقوم بها مدير المخابرات الليبية الاخيرة موسى كوسى الى بريطانيا كانت تعطى موشرا واضحا عن زيادة جرعات التعاون المخابراتي خاصة بعد تسليم القذافي لبرنامجه المتعلق بالاسلحة النووية والبيولوجية فكان واضحا حجم التعاون لذلك نحن لم نستغرب من قيام الطرفين بتبادل المعلومات لحسابات امنية ومخابراتية .
لكن قيام المخابرات البريطانية بتسليم مخابرات القذافي معلومات امنية متعلقة بالمعارضين الا يشكل ذلك لديكم مخاوف وربما حاجزا نفسيا عن طبيعة العلاقة المستقبلية مع دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة؟ او بمعنى ادق هل ستثقون بهم مستقبلا؟
مثل تلك الدول الكبرى لديها مصالح تحافظ عليها بل انها تتعامل بشكل عقلاني وليس عاطفي وهي لم تتغير بتغير الاشخاص وستستمر بنفس نهجها , لقد شاهدنا ان الانظمة الغربية قبلت بتدجين القذافي واعادته الى الحظيرة الدولية حفاظا على مصالحها الاقتصادية والمالية ولم تبال الى صرخات الشعب الليبي , انا اعتقد ان الكوادر الجديدة في ليبيا لديها الحكمة والقدرة على التعاطي مع ملف العلاقات الدولية بشكل محترف حفاظا على مصلحة ليبيا وتتعاطى مع جميع الدول بشكل يعزز من مصالحها بالدرجة الاولى مع حفاظها على علاقات دولية جيدة, اعتقد ان الثورة ستستطيع ان تسير في حقل الالغام الدولي بشكل امن.
إعدام القذافي قانونياً
هل ستطالبون بمحاكمة القذافي واعدامه وكذلك موسى كوسا باعادته الى ليبيا ؟
القذافي صدرت بحقه عدة مذكرات القاء قبض متهما بجرائم ضد الانسانية لقد تسبب هذا الرجل بجرائم كبيرة ضد الشعب الليبي , فمحكمة بنغازي اصدرت بحقه مذكرة قبض ومن الناحية القانونية الصرفة فليبيا من الدول التي لم توقع على محكمة الجنايات الدولية وبذلك فهي غير مستعدة لتسليم القذافي الى محكمة العدل الدولية فمن غير المعقول ان ينصب الليبيون انفسهم للموت وللقتل شهورا طويلا ويسقط منهم قرابة 30000 فيقومون بتسليمه الى المحكمة الدولية العودة للدستور الملكي
ليبيا حالها حال الدول العربية الاخرى فيها الكثير من الاختلافات الفكرية والايديولوجية والان اجتمعوا جميعا على اختلافاتهم في اسقاط القذافي اما فيما يتعلق على المرحلة المقبلة فاعتقد ان هناك مبالغات وهناك اشارات على ان الاسلاميين قادمون للسيطرة, لكن الجميع يتفق على وجود دولة النظام والقانون ومحاكمة القتلة والمتورطين بدماء الشعب الليبي . لقد لاحظت في زياراتي المتعددة الى ليبيا ان هناك محاولات لاعادة العمل بالدستور الملكي الوطني لان الدستور السابق هو يعزز الروح الوطنية وهو من الناحية القانونية الصرفة موجود لقد اوقف القذافي العمل به بعد ثورته اذن انا انصح الثوار باعادة تفعيل العمل بالدستور بغية تحقيق المصلحة الوطنية العامة. علينا ان نمسح مرحلة القذافي ونعيد الى ليبيا شكلها الحقيقي، انا اقول لك نحن بحاجة الى فرض القانون في الشارع الليبي لاننا نواجه خطر انتشار السلاح في الشوارع.
