لم تبق حالات الزواج القسري في الجزائر اليوم إلا نادرا، وصارت وضعا يعاقب عليه القانون، ويرفضه المجتمع ، والاستشارة الدينية التي تعطي في العادة قدرا من الأهمية ل" طاعة الوالدين في كل ما لا يغضب الله". وساهم تفتح المجتمع الناتج عن انتشار التعليم والاختلاط في الدراسة والعمل الى بناء علاقات جديد تحدد طرق الزواج خارج ما صار يسمى " تقاليد بالية".
زواج ابن العم عند المرابطين
العائلات التي كانت تفضل الزواج بين أفرادها هي عائلات المرابطين وهي بحسب ما توارثه ابناؤها ابا عن جد تنحدر من الدعاة العرب الذين رافقوا الفاتحين الى شمال افريقيا، فرابطوا بتلك الديار لنشر تعاليم الدين الإسلامي الغريبة عن اهل البلد. هؤلاء الدعاة استقروا وتزوجوا من بربريات وكونوا عائلات مختلطة يعود فيها أصل الأطفال للآباء العرب، وتسري الى عهد قريب عادة " الزواج بابن العم" في عائلات المرابطين التي تحولت بفعل السنين وصارت ناطقة بالامازيغية ـ لغة الجزائريين القديمة. بنات عائلات المرابطين لا تتزوج من غير المرابطين، وفي الغالب تتزوج داخل العائلة، لكن ابناءهم يمكن ان يتزوجوا من اي فتاة وان من غير المرابطين عملا بسنة ما فعل الأجداد حين تزوجوا بربريات.
في هذه العائلات على الخصوص كان يقع الزواج القسري فيحدث مثلا ان تتزوج امرأة بشاب يصغرها سنا كما حدث مع (كلثوم) التي توفيت قبل سنوات عن عمر ناهز الثمانين وكانت متزوجة بابن عمها الذي يصغرها ثماني سنوات كاملة... قالت في حكاياتها قبل الوفاة ـ حسبما روى احد احفادها ـ انها كانت تحمل (الطيب) وهو زوجها القادم على كتفها حين كان صغيرا، وقرر اهلها ان تنتظره حتى يكبر لتتزوجه لان العائلة لا يوجد بها شاب في سنها او أكثر للزواج منها وهم لا يعطون بناتهم خارج العائلة.
وقصة الطيب وكلثوم كانما هي وراثة ذلك أن )(محمد الشريف) والد الطيب تزوج ابنة عمه واسمها (جيدة) مع انها تكبره سنا خمس سنوات. وسجلت عائلة اولاد ناصر ايضا حالات زواج فتيات اقل من العشرين برجال من بني عمومتهن فوق الاربعين.
ومثل اولاد ناصر تفعل مئات العائلات الكبيرة خاصة. مبرر هذا الزواج هو بقاء العائلة نقية الاصول. فالفتاة حين تتزوج باجنبي تخرج تماما وتنجب اطفالا لعائلة اجنبية وهي خسارة. وكان ايضا المبرر الاقتصادي ويرمي للحفاظ على ممتلكات العائلة من وارثين محتملين من خارجها. اما باقي عائلات الجزائر فالزواج فيها كان حتى بالطرق التقليدية حيث العريس والعروس لا يتعارفان حتى ليلة الدخلة، لا يشترط الزواج العائلي.
