كانت بغداد السابقة في نظر سكانها وزائريها، من أفضل مدن المنطقة كلها، مروريا، حيث تربط شبكة الطرق السريعة أقصاها بأقصاها، بسهولة ويسر، وتخترق وسطها بجسور وأنفاق، يستطيع الشخص من خلالها الوصول إلى أي مكان في المدينة المترامية الأطراف، بمدة لا تزيد على نصف ساعة، وهذه المدة، وربما أضعاف أضعافها، لا تكفي المواطن الآن للخروج من منطقته المحدودة، أو الدخول إليها، بسبب محاصرتها بالجدران الإسمنتية العالية، والإبقاء على منفذ أو منفذين للمرور، مع الانتشار المكثف لنقاط التفتيش في الشوارع، ما يجعل العاصمة العراقية، بغداد، من بين المدن الأسوأ مروريا، وحياتيا، في العالم.
في انتظار الفَرَج
وتكاد الإجراءات الأمنية التي تفرضها السلطات، تخنق العاصمة بغداد، في ظل إغلاق عدد كبير من الطرق الرئيسية والشوارع الفرعية، إضافة إلى الاغلاقات المفاجئة للطرق المفتوحة بين الحين والآخر، لأسباب أو بلا أسباب، ما يجعل المرء يحار، ولا يعرف أي طريق يسلك للوصول إلى هدفه، فيما تتكدس أرتال السيارات، في انتظار الفرج.
ويرى المختصون أن الاختناقات المرورية هي الابن غير الشرعي لعملية إغلاق الشوارع، وهذا ما تواجهه العاصمة بغداد يوميا، إذ تتسبب الزحامات المرورية في تعطيل حركة المرور وتكدس مئات السيارات في التقاطعات ونقاط التفتيش، وتشكل هدفا مغريا للتفجيرات التي توقع اكبر الأذى بالمدنيين، بدلا من حمايتهم، حسب هذه الخطة الأمنية، التي ثبت فشلها، مع استمرار عمليات التفجير والقتل، في أنحاء العاصمة والبلاد كافة.
وتقول الجهات الرسمية والقيادات الأمنية في الحكومة إن إجراءات غلق الطرق تهدف إلى تقليل نسب الخسائر إذا ما حصلت هجمات إرهابية، كما إن تلك الإجراءات تمثل الأسلوب الوحيد المتاح الذي يقف في وجه التحديات الأمنية، إذ يؤكد المتحدث باسم قيادة عمليات بغداد اللواء قاسم عطا أن إغلاق الطرق جاء اثر تكرار الهجمات الإرهابية والمعلومات الإستخبارية عن نية المجاميع الإرهابية القيام بهجمات على المباني الحكومية المهمة.
إلا أن المراقبين يشككون في صحة ذلك، لان من غير المعقول استمرار غلق الشوارع والمناطق والأحياء، طيلة خمس سنوات، منذ بداية تطبيق الخطة الأمنية عام 2006، لحد الآن، بحجة وجود تهديدات أمنية.
ثكنات عسكرية
ويرى المراقبون أن الحكومة نجحت في تحقيق ما عجزت المجموعات المسلحة عن تحقيقه، بغلق المناطق وعزل بعضها عن الآخر، إلا أن هذا العزل الحكومي جاء على أساس التقسيم الطائفي للمناطق، كما أن انتشار نقاط التفتيش بهذه الكثرة، وكذلك الحواجز الكونكريتية التي أصبحت تزرع في أماكن قد لا تستحق الحماية، قسّم العاصمة إلى ما يشبه الثكنات العسكرية، وخلق وضعا إنسانيا صعبا على ساكنيها.
ويعرب محمد الموسوي مدرس عن استغرابه من وجود نقاط تفتيش لا تسمح إلا بمرور سيارة واحدة وتخلق ازدحاما غير مبرر في وقت يتسع الشارع لمرور 5 صفوف من السيارات في الأوقات الاعتيادية. ويتساءل ما المانع من فتح ممرين أو ثلاثة أو أكثر، بوجود هذا العدد الهائل من قوات الجيش والشرطة، والذي يقال أنهم بلغوا المليون تقريبا، وفي بغداد وحدها فرقتان من الجيش، عدا فرق الشرطة وغيرها من الوحدات الساندة؟. فيما يرى آخرون أن المبالغة في هذه الإجراءات تسببت بخنق العاصمة، ولم تمنع حدوث تفجيرات نوعية هزت بغداد.
أرقام مذهلة
ويعتقد متابعون للشأن الأمني العراقي أن إجراءات الحكومة فيما يخص الوضع الأمني يغلب عليها طابع الفعل ورد الفعل، ويبدو أنها تفتقر إلى النظرة الموضوعية للحدث، مثلما تؤشر ضعفا في الجانب الاستخباري، ما انعكس سلبا على حياة سكان بغداد، وأصاب معظم مناطقها التجارية بالشلل، بسبب صعوبة وصول المواطن أو وسائل النقل إلى تلك المناطق، إضافة إلى معاناة الطلبة والموظفين في الوصول إلى مؤسساتهم التعليمية ودوائرهم الحكومية في الوقت المحدد. وتحاط مناطق وأحياء بغداد، وغيرها من المدن العراقية، بجدران كونكريتية، ارتفاعها ثلاثة أمتار، وبطول أكثر من 5600 كيلومتر، أي ما يزيد مرة ونصف على حدود العراق البالغ طولها 3631 كم، وتحتوي على كميات هائلة من الاسمنت والحديد والمواد الإنشائية الأخرى، تكفي لإنشاء شبكة طرق تغطي العراق كله، ومئات الآلاف من الوحدات السكنية، إضافة إلى التكلفة الباهظة لهذه الجدران، التي كان يمكن ان تعالج مشكلات البنى التحتية المتهالكة في البلاد.
