ارتفعت نسبة العنوسة لدى الرجال التونسيين خلال العام الجاري 2011 إلى 50،4 بالمئة بعد ان كانت 47 بالمئة في العام 2004، أما لدى النساء فإن العنوسة تضرب ٤٣.٧ بالمئة بعد أن كانت تخص 38 بالمئة في العام 2004 ، و الفتاة العانس في تونس هي من تجاوزت الخامسة والثلاثين من العمر.

و في ظل هذه الأرقام يحتاج المجتمع التونسي إلى قرارات «ثورية» حقيقية لإعادة الاعتبار إلى مؤسسة الأسرة التي أضحت مهددة في كيانها بتراجع نسبة الخصوبة وارتفاع مستوى شيخوخة المجتمع،

ويبدو أن الأحزاب السياسية بدأت تهتم بالموضوع للاستفادة منه في حملتها الانتخابية، حيث كانت الأسبقية للشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الذي وعد بإيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية وخاصة تأخر سن الزواج وارتفاع نسبة الطلاق وتهرم المجتمع، كما بادرت حركته بتنظيم حفلات زواج جماعي لفائدة شباب التيار الإسلامي.

وإذا كانت الأرياف والقرى قد حافظت على نسب زواج عادية، فإن المدن تعاني من ارتفاع مستوى الهروب من الزواج لأسباب أخرى منها البطالة والفقر وارتفاع تكاليف الزواج وخاصة تلك المتعلقة بالسكن والأثاث، حيث إن معدل راتب الموظف التونسي لا يكفيه لتأجير سكن محترم وتأثيثه إلا إذا اتجه إلى شغل إضافي أو دخل في منظومة الفساد التي تطال كل القطاعات والميادين دون استثناء.

 

غياب الثقة

زاد اتساع دائرة العلاقات الحميمية في المجتمع التونسي من فقدان الثقة بين الجنسين، فمن يعاشر امرأة أو أكثر خارج مؤسسة الزواج يعتقد أن المرأة التي سيتزوجها على علاقة برجل آخر، مما يكشف حالة من الانفصام في الشخصية التونسية التي تبيح لنفسها ما تحرمه على الآخر، والنتيجة أن تونس هي الأولى عربيا والرابعة عالميا في نسبة الطلاق حيث تشهد سنويا تسجيل أكثر من 10 آلاف قضية طلاق من جملة حوالي 16 ألف حالة زواج.

ولعل هيمنة النمط الاستهلاكي على طبيعة المجتمع التونسي خلال العقود الماضية، وسعي النظام السابق إلى ضرب مقومات الانتماء الحضاري والثقافي الأصيل، جعل من علاقة الرجل بالمرأة علاقة مادية بالأساس، ومن الزواج سوق تخضع للعرض والطلب، كما الحديث عن المساواة بين الزوجين جعل الرجل يحاول ولو بطريقة غير مباشرة إلى تهميش دور المرأة سواء كزوجة له أو كأم لأولاده، وتحويلها إلى مجرد شريك مالي في مؤسسة زواج فاشلة عاطفيا وغير متجاوبة فكريا ووجدانيا.

أريد زوجا

في الأيام الأولى لثورة 14 يناير انتشر على مواقع الانترنت شريط سيدة تونسية تجاوزت الأربعين من عمرها، سألها المذيع عما تطلب من الحكومة الجديدة فأجابت بكل تلقائية : أريد زوجا، لقد ذهبت حكومات وجاءت حكومات وأنا بدون زواج، واليوم أطلب من المسؤولين في زمن الثورة أن يساعدوني على الزواج وعلى أن يكون لي بيت وزوج وأطفال.

وتلك السيدة ليست وحدها في هذا الأمل حيث إن أكثر من مليوني فتاة تونسية بلغن سن الزواج أو تجاوزنه و لكن لا وجود لفارس الأحلام المنتظر، الأمر الذي يجعل البعض لا يتردد في الدعوة إلى إعادة العمل بنظام تعدد الزوجات الذي كان سائدا قبل إصدار قانون الأحوال الشخصية في صيف 1956، ور غم أن الأحزاب الإسلامية التونسية وأهمها حزب النهضة تؤكد أنها لن تعمل على التراجع عن هذا القانون، فإن الوضع التونسي يحتاج إلى أمر من اثنين : إما السماح بالعلاقات الحرة والترويج لظاهرة الإنجاب خارج مؤسسة الزواج وتبريره اجتماعيا على النمط الأوروبي.

وهذا غير ممكن طبعا في مجتمع عربي إسلامي شرقي ، أو السماح بتعدد الزيجات في بعض الحالات مثل مرض الزوجة الأولى أو عقمها أو نشازها ، إضافة إلى مساعدة الشباب على الزواج من خلال انجاز مشاريع وطنية كبرى لإسكان الشباب المقبل على الزواج وإحداث صندوق زواج يقدم مساعدات مادية للعرسان وخاصة من الطلبة الجامعيين والعاطلين عن العمل والموظفين الجدد. أسباب متداخلة

في ظل مجتمع يحاول التماهي مع المجتمعات الأوروبية ويحمل إرثا غير يسير من نزعة التحرر، يرتفع مستوى العلاقات الحرة وخاصة في المدن الكبرى، و هي علاقات تبدأ عاطفية ثم تنتهي إلى معاشرة خارج إطار الزواج مستفيدة من تسامح القانون و من صمت المجتمع وتراجع تأثير القيم الدينية إضافة إلى توفر الحلول الطبية في بلد يبيح الإجهاض ولا يرى مانعا له طالما أن الجنين لم يتجاوز سن الأربعة أشهر في رحم أمه ، كما ان ترقيع البكارة أصبح امرأ عاديا في بعض الأوساط الاجتماعية ، مما يجعل الفتاة تخوض تجاربها الحميمية الأولى دون أي خوف مما قد تتعرض له ليلة الدخلة إذا كُتب لها الزواج.