أثبت الشاب الدكتور فاخر دعاس، جدارته للعمل العام في الشارع أولاً قبل غرف الندوات المغلقة. فقد عرف بالحملة الأشهر في تاريخ التربية والتعليم في المملكة التي تعرف بحملة الدفاع عن حقوق الطلبة «ذبحتونا»، ولكنه ايضاً يشغل مهمة اخرى هي مسؤول المكتب الشبابي في حزب الوحدة الشعبية الديمقراطية ثاني اكبر الأحزاب الأردنية.

«البيان» التقت الدكتور دعاس، وحاورته في شؤون الشباب الأردني في العديد من الملفات المتعلقة بالحراك الشبابي الأردني، ومطالبات الإصلاح، والربيع العربي، ومستقبل التعليم الجامعي في المملكة، فكان هذا الحوار:

هناك من يعيب على الحراك الشبابي الأردني المطالب بالإصلاح تعدد هياكله واختلاف مطالبه.. كيف تقيم الحرا ك الشبابي الأردني، وما هو مستقبله؟

علينا أولاً أن نتفق أن ما يحدث في الأردن ليس ثورة أو انتفاضة وإنما حراك، وذلك يعود بالأساس لطبيعة النظام الأردني الذي يتسم بمرونة كبيرة في التعامل مع المعارضة، والذكاء في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية التي لم تشهد إراقة دماء فيها (إذا ما استثنينا حادثة مقتل مواطن في أحداث دوار الداخلية).

من هنا نفهم انخفاض سقف المطالب في الحراك الأردني عن مثيله في الدول العربية، ومن هنا نفهم عدم وجود إطار موحد وجامع لكافة القوى المنخرطة في الحراك، فالثورة تتطلب توحيد القرار السياسي وآليات العمل الميداني، أما في حالة الحراك فإن عدم وحدته ليس بالأمر السلبي بكليته كون كافة القوى مجمعة على الخطوط العريضة للمطالب وعلى شعار واحد وجامع وهو: «الشعب مصدر السلطات»، كما أن كافة القوى مجمعة على ضرورة استمرار الحراك على الرغم من بعض الإنجازات التي تم تحقيقها، وذلك لعدم ثقتها بالسلطة نتيجة تجارب سابقة وعديدة ابتداء من هبة مارس سنة 1989.

كما أن تعدد الهياكل يعمل على خلق نوع من التنافس بين هذه القوى لإبداع طرق نضالية مختلفة ورفع وتيرة نضالها مع التأكيد على أن الخلاف في المطالب هو خلاف على الجزئيات مع اتفاق شبه تام بين هذه القوى على المطالب العامة: (تعديلات دستورية، محاربة الفساد.. الخ).

أما بالنسبة لتقييم الحراك، فأنا أرى أن هذا الحراك مر بأربع مراحل: المرحلة الأولى: من بداية شهر يناير ولغاية استقالة حكومة سمير الرفاعي: واتسمت هذه المرحلة بالتركيز على المطالب الاقتصادية، إضافة إلى محاربة الفساد، ومشاركة كافة القوى والأحزاب فيها وامتداداً في عدد من المحافظات، إضافة إلى العاصمة عمان، وقد توجت هذه المرحلة بسقوط حكومة سمير الرفاعي وتكليف معروف البخيت بتشكيل الوزارة.

المرحلة الثانية: وهي الممتدة من تكليف معروف البخيت ولغاية 25 مارس، حيث اتسمت بقدرة الرئيس الجديد على احتواء بعض القوى السياسية وتشكيل لجنة الحوار الوطني، وانخفاض وتيرة الحراك، إلا أن هذا لم يمنع مجموعة من القوى الشبابية والطلابية من إطلاق أول اعتصام مفتوح في 24 مارس لم يستمر أكثر من يوم واحد وانتهى مأساوياً باقتحام الدرك لدوار الداخلية في عملية لم تستغرق أكثر من نصف ساعة، فيما استمرت تداعياتها حتى هذه اللحظة.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ما بعد دوار الداخلية واتسمت بقدرة الحكومة على استغلال حادثة اعتصام 24 مارس لخلق شرخ في الشارع الأردني من خلال إثارة النعرات الإقليمية الضيقة، وأدت إلى انحسار الحراك وانقضاض الحكومة على الحراك، إضافة إلى خفض سقف أجندة لجنة الحوار الوطني.

أما المرحلة الرابعة: وهي المرحلة التي بدأت بعودة الحراك لاستمراريته، حيث بدأت المبادرة من الكرك، ومن ثم امتدت لعدد من محافظات الجنوب، سرعان ما شملت معظم محافظات المملكة بما فيها العاصمة عمان.

ونستطيع القول إن الحراك استطاع أن يحقق إنجازات مهمة، ولكنها غير كافية ولم تصل إلى السقف الذي يطالب به وهو «الشعب مصدر السلطات»، وأعتقد أن الحراك أصبح أكثر نضجاً من حيث آليات العمل، سقف المطالب وطريقة التعاطي مع الحكومة والنظام، وذلك رغم عدم توحده حتى هذه اللحظة.

 

الحراك السوري

هل ترى ان الثورة السورية بالانشقاقات التي أوقعتها بين نشطاء العمل السياسي الأردني أضعفت الحراك الأردني المطالب بالإصلاح؟

لا يختلف اثنان أن الأوضاع في سوريا خلقت اختلافاً في وجهات النظر تجاهها على صعيد الشارع العربي بشكل عام، والأردني بشكل خاص، ورغم أن هذا الاختلاف قد انعكس بشكل كبير على أداء هيئات رئيسية في الحراك كالنقابات المهنية ولجنة التنسيق لأحزاب المعارضة، إلا أن الحراك استطاع تجاوز هذه القضية الخلافية من خلال الاتفاق على تحييدها عن نشاطات الحراك.

 

لا تنازلات حكومية طوعية

كيف تقيم أداء الحكومة إزاء هذا الحراك؟

دعنا نتفق أن أي إصلاح حقيقي في الأردن سيكون أول المتضررين منه هم أركان النظام نفسه، إن كان من ناحية الامتيازات التي سيتم سحبها منهم وحجم السلطة شبه المطلقة التي كانت بيدها، أو من ناحية محاسبتهم على فترة الحكم السابقة وحجم الفساد الناجم عن سيطرتهم على مقدرات الوطن دون رقيب أو حسيب.

لذلك فإن الحكومة والنظام لا يمكن أن يقدما تنازلات طوعية، وكافة الخطوات الإصلاحية التي تم وضعها، على تواضعها، جاءت نتيجة ضغط الحراك وخوف النظام من وصول الربيع العربي للأردن.

من هنا، أفهم جيداً البطء الحكومي في خطوات الإصلاح ومحاربة الفساد، حيث تنتهج الحكومة والنظام سياسة تقطيع الوقت على أمل أن تمر «عاصفة الثورات العربية» على الأردن بأقل «الخسائر» للسلطة. كما حاولت السلطة استخدام أساليب عدة لضرب الحراك ابتداء بإرسال البلطجية للمسيرات مروراً بمحاولة زرع الفتنة بين المواطنين وليس انتهاء بمحاولات خلق الخلافات وتغذيتها بين أطراف وقوى الحراك.

 

كل الدول معرضة لتسونامي الثورات

هناك من بدأ يرى ان الدولة استطاعت النجاة برؤيتها السياسية الحالية من الربيع العربي؟

أي نظام يعتقد أنه بمنأى عن ربيع الثورات العربية هو نظام مخطئ، وذلك كون الدول العربية بعمومها تشترك في ما بينها بطريقة حكمها، وبالتالي في ظل كسر المواطن العربي لحاجز الخوف وإيمانه بقدرته على تحقيق مطالبه، فإن كافة الدول العربية معرضة لوصول «تسونامي الثورات العربية» إليها.

في الأردن، قد يكون النظام استطاع أن يستوعب ويمتص فورة الشارع، لكن هذا لا يلغي بقاء احتمال انفجار الشارع في أية لحظة، خاصة إذا لم يشعر المواطن بوجود تغيير حقيقي على الأرض. الخطأ الأكبر الذي قد تقع فيه الدولة هو أن تقوم بمحاولة حصر الخطوات الإصلاحية بسلسلة من القرارات الاقتصادية التي تخفف الأعباء المالية عن المواطن، إضافة إلى بعض الرتوشات الإصلاحية الشكلية التي لن تلمس نبض الشارع وسقف مطالب الحراك.

 

الإسلاميون والتفرد بالقرار

كيف يمكن رسم خارطة للعمل السياسي الشبابي في الأردن؟ من حيث توجهاته ورؤيته؟

كثيرة هي المحاولات التي بذلت لتوحيد الحراك الشبابي ابتداءً من 24 مارس، حيث انضمت كل القوى لهذه الحركة في بدايتها، إلا أن انفراد الإسلاميين بالقرار في هذه الهيئة أدى إلى نفور معظم الحركات الشبابية وانسحابها لتتلاشى الحركة تدريجياً إلى أن اختفت، كما حاول الإسلاميون خلق إطار جديد مشابه لتجربة 24 مارس، إلا أن هذه المحاولات ولدت ضعيفة نتيجة لإصرار الإسلاميين على الاستمرار بالتفرد في القرار. كما بادرنا كشبيبة حزب بعدة محاولات لتوحيد الجهود الشبابية في الحراك.

إلا أن هذه المحاولات كانت تصطدم دائماً بالنظرة الحزبية الضيقة لدى البعض، والمناكفات لدى البعض الآخر. إلا أننا استطعنا أن نجمع أكبر عدد من القوى في الفترة الأخيرة تحت مسمى «الائتلاف الشبابي والشعبي للتغيير» مستفيدين من تجربة الحراك الناجحة في الجنوب، والتي جمعت كافة القوى في المحافظات الجنوبية، ووصلنا حالياً لمرحلة متقدمة من التنسيق سواء بين المحافظات أو ما بين القوى المختلفة، حيث في كل جمعة تخرج كافة القوى الشبابية تحت شعار واحد جامع، ونعمل خلال الفترة المقبلة على الارتقاء بالتنسيق إلى أن نصل مرحلة العمل جميعاً تحت اسم واحد وأهداف مشتركة موحدة.

 

ورقة العشائرية

البعض يرى أن الدولة تستطيع دائماً اللعب على وتر العشائرية للحد من أي تحرك إصلاحي جاد وقد نجحت إلى حد بعيد في الربيع العربي؟

هذه الورقة لعبتها السلطة بطريقة ذكية ومميزة في أحداث 24 مارس، إلا أن الحراك استطاع أن يتجاوزها من خلال تفعيل الحراك في المحافظات ما ألغى الصبغة الإقليمية التي حاولت السلطة إلصاقها بالحراك. إلا أننا نلحظ محاولات الحكومة والسلطة الدائمة للّعب على هذا الوتر كلما اقتربنا من استحقاقات الإصلاح كالتعديلات الدستورية أو قانون الانتخاب.

وعلى الرغم من ذلك فإن رهاننا كبير على وعي قادة الحراك والقيادات الحزبية المعارضة لسحب هذه الورقة من يد السلطة. علينا أن نعي جيداً أن الإصلاح هو مصلحة الأردنيين جميعاً وأن المتضرر الوحيد من الإصلاح ليس ابن الكرك أو الطفيلة أو عمان وإنما من ظل قابضاً على السلطة أكثر من خمسين عاماً مضت.