إذا كانت ثورات التغيير التي عمت المنطقة العربية قد بعثت الكثير من آمال التحول لدى الأقطار التي انتصر فيها الثوار كتونس ومصر وليبيا ، إلا أن طول أمد بعضها كما هو حال الثورة اليمنية التي شارفت على دخول شهرها الثامن عرض الشعب اليمني لمتاعب ومعاناة يومية عكرت صفو حياتهم ونغصت عيشهم بشكل غير مسبوق .

ومنذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية في اليمن تعرض اليمنيون إلى صنوف عديدة من المصاعب والمعاناة لم يتعرض لها أي شعب فقد تجمدت الأعمال وشلت الحركة والأنشطة في جميع القطاعات التجارية والخدمية والنقل والبناء والتشييد والصناعة والتجارة والمعاناة اليومية والمصاعب المعيشية كما يشكو منها الناس متعددة ومتداخلة بسبب انقطاع الكهرباء وانعدام الوقود أو ارتفاع سعره إن وجد، كما ارتفعت كلفة النقل والمواصلات، وتصاعدت أسعار المواد الاستهلاكية بشكل غير مسبوق ما جعل حصول اليمنيين على الضروريات اليومية مشقة لجميع أفراد الأسرة صغارهم وكبارهم تبدأ من شربة الماء والقوت وحتى الهواء وفق ما يذهب إليه صادق علي الذي كان يتحدث بمرارة عن معاناته في جلب الماء على ظهره وعلى ظهور أبنائه وبناته .

موضحا ذلك بقوله : ارتفعت قيمة خزان الماء من ألف ريال إلى ثمانية آلاف بسبب ما يقال انه ارتفاع سعر الديزل فاضطررت أنا والأولاد لجلب الماء إما من المساجد أو من الآبار البعيدة على ظهورنا ، أما الوجبات التي اعتدنا على تناولها فقد اضطررنا إلى تقنينها إلى حدودها الدنيا الخبز والزبادي بعد أن تضاعفت الأسعار فضلاً عن أننا قلصنا الوجبات إلى وجبة الغداء والعشاء ، أما الهواء وكما تلاحظ أصبح موبوءا بسبب تراكم القمامة في الشوارع ، وقطع التيار الكهربائي ، وانعدام الوقود ، وتراكم الزبالة وكل ماله علاقة بضنك الناس وتعكير الحياة العامة يجري حسب صادق بإيعاز من قبل ما يسميه ببقايا النظام : لأنه يهدف إلى حملهم على تحويل غضبهم على الثورة ودعاة التغيير مضيفاً : لكن هيهات أن ينال ذلك لأن الناس على حد تعبيره اعتادوا طوال السنوات الماضية على ممارسات السلطة لأفعال من هذا القبيل كطريقة ونهج لاستمرارها في الحكم .

في المقابل ترجع السلطة تعكير الحياة العامة ومعاناة الناس إلى المعارضة وتتهمها بأنها من يقوم بقطع الكهرباء ومن تسبب بالأزمة ، إلا أن هذه الأخيرة نفت مراراً تلك الاتهامات ودعت إلى تحقيق دولي في كل المشاكل والمصاعب التي تشهدها البلاد .

وقال المحلل والخبير العسكري عبدالحكيم القحفة لـ " البيان " لعب النظام على الوقت والتطويل والتسويف الذي اتبعه صالح ورافقه نهج العقاب الجماعي ضد الشعب في محاولة منه لدفع الناس إلى التذمر من الثورة وما جلبته لهم من معاناة ،بيد أن الذي حصل حسب القحفة أن اليمنيين تحملوا كل مشقات العقاب الجماعي رغم رفع أسعار الوقود بنسبة 130 في المئة والمياه والنقل ناهيك عن تجميد الأعمال والأنشطة الاقتصادية المختلفة وما ترتب عليها من تسريح للعمال وفقدان الكثير من الوظائف وتآكل رأس المال بسبب الركود الذي هيمن على الاقتصاد وقطاع الأعمال ، لكن كل ذلك لم يزد الناس إلا إصراراً ومثابرة من أجل التغيير لأنهم يدركون جيداً أن العقبة الأساسية أمام التحول الخلاق هو النظام ذاته .

ويرى القحفة أن الأضرار التي لحقت في اليمنيين كثيرة ومتنوعة مبدياً استغرابه من صمت المجتمع الدولي تجاه كل أشكال الانتهاكات التي تعرض لها المواطن اليمني في حقوقه الأصلية والمدنية والاقتصادية بشكل غير مسبوق ، وفي السياق ذاته يشير القحفة إلى أنه على الرغم من كل وسائل الإيذاء والإكراه والإرغام على اليمنيين ، إلا أنهم أظهروا تحليا بفضيلة الخيار السلمي على الرغم من امتلاكهم السلاح فلم ينزلقوا إلى العنف أو إلى أي أعمال للسطو والشغب التي ربما كانت السلطة تسعى إليها ويخلص المحلل القحفة إلى التقليل من الأثر على البلاد خاصة لجهة البنى التحتية ، لأنها على حد تعبيره تفتقر أصلاً لبنية تحتية بسبب فساد النظام وعدم اهتمامه بهذا الجانب .

وتشير التقديرات إلى ان عدد القتلى والضحايا الذين سقطوا من بين اليمنيين منذ بداية الاحتجاجات الشعبية تجاوز 600 ضحية وأزيد من 7 آلاف جريح بعضهم يعاني من إعاقة دائمة ، وأكثر من 7 آلاف معتقل ، وفي دلالة على حجم الآثار التي يعاني منها اليمنيون على خلفيات الأوضاع التي تمر بها البلاد. رصد الملتقى الوطني لحقوق الإنسان العديد ضمن برنامج الرصد الذي ينفذه بالشراكة مع الصندوق الوطني للديمقراطية NED عديد من حالات انتهاك حقوق الإنسان في اليمن خلال أغسطس الماضي في كافة محافظات الجمهورية باستثناء محافظتي مأرب والجوف التي تعثر فيها الرصد خلال الشهر المنصرم فيها نظرا لما تشهده البلاد من اختلالات أمنية.