بعيدا عن رأي نشطاء العمل السياسي من مختلف التيارات، يجد المواطن الاردني غير المسيس نفسه في دوامة من التناقضات فيما يتعلق بالربيع العربي، فهو يؤيده بالكلية في كل ساحات الربيع، الا انه يجد ان امكانية تطبيقه هنا في الساحة الاردنية غير ممكنة نظرا لعدة ظروف على رأسها عدم وضوح هوية المطالب الاصلاحية في الاردن.
يصل هذه الرؤية مستوى قال معها احد المواطنين مازحا: لعلنا نستورد ثمار الربيع من دون أن تمطر سماؤنا نحن"
على حد تعبير معلم المدرسة ناصر محمود: "ما زالت دعوات المطالبين بالاصلاح في الاردن غير ناضجة، ولم تنتقل من ساحة الشعارات الى ساحة الفعل سواء الخاص بالمعارضة أو بالشق الرسمي".
يعترف ناصر محمود ان الحكومات المتعاقبة تمكنت عبر اساليب مختلفة من المحافظة على شق المجتمع الى اجزاء متعددة لا تسمح الى التوحد على كلمة واحدة.
ويقول: في الاردن تسمع في الاعلام عن مطالب الاصلاح ونشاطاته، ولكنه ضجيج من دون طحن، يمكن ان يستمر الى الأبد من دون نتيجة، لعدم ثقة دعاة الاصلاح في بعضهم البعض.
عندما استفسرنا من ناصر حول مقصده بما قال اجاب: مسألة الاصول والمنابت في الاردن، كلمة سر فعّالة وذات جدوى مهم لكل الحكومات التي تريد الاطاحة بالحراك الاصلاحي المعارض. فمن يسمع بالحديث عن الاصلاح في الاردن يطرح سؤالا مبدئيا حول هوية الداعية هذا؟ وماذا يريد من ذلك. في الاردن لا يفهم الدعوى الى الاصلاح الا ان احد المنابت تريد القفز على المنبت الأخر لتحقيق سطوة سياسية عليه. هو فهم يكفي وحده لتنفيس كل حراك حتى وإن كان جادا.
من هنا يقول أبو وسيم وهو رجل ستيني موظف حكومي متقاعد: تشبه جمعنا بالشكل كل الجمع في الربيع العربي، حتى ان المطالبين بالاصلاح يضعون لها اسماء. ولكن في الحقيقة كل ببساطة شكل من دون مضمون، وهو ما تدركه الحكومة.
كان بداية الحراك الحقيقي في الاردن للمطالبة بالاصلاح يوم قرر شباب من خلفهم الاسلاميون الاعتصام في دوار الداخلية "ميدان جمال عبدالناصر" في 24 مارس من هذا العام.
الحكومة عرفت تماما كيف تذيب ما بدى انه حراك سينتج شيئا جادا. لم يكن عودة الاسلاميين عن تنبيههم لهذا الحراك لان احد المعتصمين قتل او لان رجال الامن تعاملوا مع المعتصمين بقسوة. في الحقيقة عاد الاسلاميون عن تبنيهم للاعتصام لسبب واحد هو: تمكن الالة الاعلامية الرسمية من اقناع الاردنيين ان منبت من المنبتين اللذين يشكلان الشعب الاردني يريد خطف السلطة من المنبت الاخر.
على حد تعبير أحد القيادات الاسلامية: خشينا ان يتحول الاعتصام الى بؤرة للفتنة وهو ما لا نريد، مستنكرا على الحكومة عدم وجود خطوط حمراء لديها في تعاملها مع المخالفين لها بالرأي.
ويجمع كل الاردنيين ومن بينهم المسؤولون الذين على رأس عملهم على مطلب محاربة الفساد، ويطالبون جميعا ايضا بالاصلاح، ولا توجد لافتة رفعت في المظاهرات لم يتحدث عنها مسؤول. ولكن ليست المشكلة في الاردن تنبع من عدم الاعتراف بالمشكلة ولكن بكيفية حلها. وعلى حد قول الموظف في احدى شركات القطاع الخاص سميح الحلو: "بنية المجتمع لا تسمح بالتأثر في الربيع العربي هذا العام". يبتسم ثم يقول: "لعلنا نستورد ثمار الربيع من دون أن تمطر سماؤنا نحن". فاضل الحساسنة فانه لم يخف امله ان يكون ما يمر به العالم العربي ربيعا لا خريفا تتساقط فيه اوراق الزعماء والمسؤولين كما اوراق الشجر من دون خضرة تزهر املا ومستقبلا لهذه الامة التي طالما ظلمت قرونا على ايدي الديكتاتوريات العربية. ولكن مع هذه الخشية ورغم ان الحساسنة احد المواطنين الكثر الذين سهروا الليالي متابعين على فضائية الجزيرة ما يجري للثورة التونسية ثم المصرية الا ان ينفي في المقابل وجود أية انعكاسات جادة لأي من التحولات التي يقودها الربيع العربي على الشارع الاردني سواء كان هذا الانعكاس سلبيا ام ايجابيا، اللهم الضجيج الذي لا اتجاه له، والذي لا يوصل الى شيء حقيقي او مطلوب.