مع بداية ما صار يسمى الربيع العربي في يناير الماضي، نشبت مواجهات قوية بين عشرات الآلاف من الشباب الغاضب و قوى الامن في عدد كبير من مدن وبلدات الجزائر، سقط فيها ستة قتلى و مئات الجرحى من الجانبين و أكثر من الف معتقل بعضهم زج بهم في السجون. كانت الجزائر البلد الثاني بعد تونس الذي شهد انتفاضة دانت خمسة ايام رفعت شعارات ضد السلطة دون المطالبة باسقاطها كما حدث في جهات اخرى، وطالبت بتحسين الوضع الاجتماعي والغاء قرارات برفع اسعار المواد الاساسية.

لكن الحركة توقفت فجأة ولم تكمل مسارها كما حدث في تونس. فقد عاد المحتجون الى بيوتهم بطريقة لم تكن منتظرة. وخرجت فرق التنظيف مع مئات من المتطوعين لتطهير المدن من مخلفات صدامات الايام الخمسة وفي يوم واحد عادت الامور في كل الجزائر الى وضعها السابق. وسألت "البيان" عمر بلهوشات مدير يومية " الوطن " كبرى الصحف الصادرة بالفرنسية في البلاد عن سبب هذا التوقف فقال "سلوك الناس في الجزائر تطبعه تجارب خاصة في تقديري ان العامل الرئيس في حدوث ذلك التوقف المفاجئ هو دخول جبهة الانقاذ المحظورة على الخط بعمل منسق تجلى في بيان اصدره رئيسها السابق عباسي مدني من الدوحة حث فيه الجزائريين على العصيان مشفوعا بنزول نائبه السابق علي بلحاج الى شوارع حي باب الواد الشعبي لقيادة هذا العصيان.

خاصة وان تحرك مدني وبلحاج تزامن وتناغم مع بيان صدر عن القائد العام لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي ابو مصعب عبد الودود في اليوم نفسه وبالمسعى نفسه". وقال بلهوشات " تابعنا جيدا في الميدان اختفاء الاحتجاجات حين كانت في اوجها وكان الجميع ينتظر اشتعالها اكثر وتبين من خلال معايشة الميدان ان الناس لم يعودوا يقبلون ان يقطف آخرون ثمار غضبهم".

ويوافق هذا التحليل كثير من المحللين في الجزائر يرون أن تحرك التيار الاسلامي هذا ادى دورا عكسيا للمراد منه. وبالمقابل سارعت الحكومة الى اتخاذ اجراءات عاجلة واسعة لتفادي تجدد الحركة، فألغت كل القرارات الخاصة برفع الاسعار و وعدت بتخفيضها الى اقل مما كانت قبل الحركة بكثير ونفذت الوعد في غضون شهرين. وحررت القروض للشباب و وزعت عشرات الآلاف من المساكن الجديدة على المحتاجين و وفرت الآلاف من مناصب الشغل ورفعت الاجور بنسب كبيرة في جميع القطاعات. وقرر الرئيس بوتفليقة اطلاق اصلاحات سياسية بتعديل الدستور و ترميم قوانين سياسية مهمة تآكلت بفعل الزمن ومنها قانون الانتخاب والاعلام والاحزاب والادارة المحلية.

هذه الاجراءات حولت المطالبين بالتغيير وفق ما تم في بلاد عربية اخرى الى اقلية وفشلت محاولاتهم في حشد الدعم لمواقفهم. ويشارك اليوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي مئات الآلاف من الجزائريين في نقاش ساخن يخرج احيانا عن حدود اللياقة بخصوص ما يجب فعله. ثمة تيار واسع للتغيير لكنه مشتت بخصوص الطرق والادوات التي يجب استعمالها لتحقيق الغرض. الجزائريون في الغالب يريدون ان يغيروا حسب ما يبدو في حواراتهم على النت او في المقاهي والشوارع واماكن العمل والدراسة وغيرها، لكنهم خائفون ربما لما مر عليهم من متاعب خلال سنوات العنف المسلح... هو ذا الكابوس الذي في الاذهان.

وزادت الاوضاع المتفاقمة في ليبيا وتدخل القوى الاجنبية بها من حذر الجزائريين تجاه اية مبادرات لمواجهة النظام القائم... الجميع يعرف ان الحركات الاجتماعية ككرة الثلج تبدأ صغيرة وفي متناول اليد ثم تتعاظم وتخرج عن السيطرة ويمكن ان تدمر ما في طريقها. واحب ان اعطي ثلاثة تدخلات لشباب يناقشون وضع بلدهم على الفيسبوك. وجاءت ملاحظات الاول كالتالي " هناك أربعة أسباب موضوعية تجعل مطلب إسقاط النظام في الجزائر فيه شيئ من المبالغة و السخرية حتى...؟

أولا- هناك شرعية ولو اْنها "نسبية" يحكم بها هذا النظام ..انتخابات ، أحزاب، برلمان، مؤسسات، صحافة مستقلة ..الخ ..؟

ثانيا -النظام الجزائري على عكس باقي النظم العربية ، هو نظام جد متماسك صنع نفسه بنفسه و اْوجد نفسه بنفسه ،بنى مؤسساته ومنظومته اْمنه .... ففي مصر، عبد الناصر ورث دولة حديثة عن الخديوي ..و في تونس كذلك ،بورقيبة ورث دولة كاملة التجهيز عن فرنسا..وفي سوريا اْيضا و ليبيا كذلك. بينما في الجزائر بدأ كل شيء من الصفر مع هذا النظام نفسه بعد حرب طاحنة.

ثالثاً-في مصر كان مشروع التوريث اْحد الاْسباب المباشرة التي اْشعلت فتيل الثورة ..في الجزائر لايوجد مشروع من هذا النوع فكما يعلم الجميع بوتفليقة ليس له اْولاد ..

رابعا -وهو الاْهم بالنسبة لي ..الطبقة الوسطى في الجزائر فقدت فاعليتها في الحياة السياسية وصار همها الوحيد هو اْن تعيش بسلام يعني ببساطة "مطالبها "إجتماعية -اقتصادية"صرفا." ورد عليه " العادي " وهو اسم مستعار لاحد رواد الفيسبوك بالقول" ربما كلامك فيه جانب من الصحة. النظام في الجزائر لديه طبيعة هلامية لا يمكن مسكه أو تفكيكه بسهولة و هذا كان منذ بداياته في حرب التحرير ضد فرنسا التي لم تستطع تكسيره بسبب تلك الطبيعة. بعبارة أخرى لا يوجد نظام في الجزائر و اتحدى من يقول عكس ذلك انه لو غابت الطبقة الحاكمة لمدة سنة مثلا لما تأثرت البلاد بشكل أساسي و لما أحس المواطن و عدد كبير من المسؤولين الصغار بذلك." وجاء في تعليق ثالث" إذا قمتم بإسقط أو اغتيال شرعية الدولة ....

فسوف تحل محلها شرعية الشارع ...... وإذا سادت شرعية الشارع سوف تسود شريعة الغاب وإذا سادت شريعة الغاب سادت الفوضى الهدامة .... ثم تسقط الدولة .... وهذا ما يخطط له لنا من لهم مصلحة في هدمنا". بينما يرسل كريم مولاي وهو ضابط سابق من المخابرات انشق قبل عشر سنوات ويقيم بلندن عشرات الرسائل يوميا يدعو فيها للثورة ويؤكد في كل مرة ان العمل السلمي لا يفيد مع النظام المتجبر. وعلى غير العادة خرج بعض اكثر المتحمسين للتغيير هذه الايام للدعوة الى الحذر من السقوط في الفوضى واصدر الثلاثاء الماضي الناشط السياسي المشاكس الدكتور صلاح الدين سيدهم وهو من اشد المعارضين ويقود جبهة التغيير الوطني بيانا للراي العام حذّر فيه من "نداءات مجهولة الهوٌية، تحرٌض أبناء الجزائر من خلال قنوات انترنيت عدٌة، غامضة المصدر، على القيام بانتفاضة مبهمة ما…" في اشارة الى سيل من النداءات للعصيان اليوم 17 سبتمبر.

وفي ذات اليوم اصدر الدكتور جمال الدين حبيبي رئيس الجبهة الوطنية للتصحيح والتغيير وهو من المقربين من الرئيس الاسبق احمد بن بللا و ينحدر من منطقة الرئيس بوتفليقة، بيانا نشرته جريدة " الجزائر تايمز الالكترونية المعارضة نبه فيه الى ان جهات مستفيدة من الفوضى تبث معلومات غير دقيقية عن الوضع في البلاد وتدعو للثورة على غرار ما وقع في بلاد عربية اخرى. وتبرأ الدكتور حبيبي من هذه الدعوة ودعا لتجاهلها لانها " في كل الاحوال لا تخدم البلد" ربما تؤسس لفوضى تخدم اطرافا اخرى. وكل من جمال الدين وسيدهم دعيا الى مواصلة العمل النظامي والتعبئة من اجل التغيير السلمي لان البلاد لم تعدد تحتمل نظاما يقصي الشعب. بعد مجاراة التحركات العربية، وانكش الشارع الجزائري وابتعد عن المطالب السياسية ليلهب الجبهة الاجتماعية باضرابات واحتجاجات واجهتها السلطة على الدوام بأداتين : العصا والجزرة.