دائمًا ما تأتي تصريحاته نارية ولا تخلو من الجدل والإثارة، ورغم ذلك فكلماته عادة ما تقاس بالميزان ولكنها لا تخرج عن الصميم بحكم كونه أحد القضاة الذين عرفوا بالاستقلالية والنزاهة، فالمستشار محمود الخضيري، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق في مصر اشتهر بآرائه اللاذعة لنظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك.
رصدت "البيان "في الحوار معه العديد من التفاصيل الدقيقة التي تتصل بالأوضاع السياسية الراهنة في مصر ومستقبل الحوار السياسي والأزمات الخارجية التي تمر بها البلاد والعلاقات مع إسرائيل، لاسيما بعد أحداث سيناء والسفارة الإسرائيلية من خلال هذا الحوار:
ما هى رؤيتكم للوضع في مصر الآن خاصة مع الانقسام الحالي الذي يطغى على المشهد السياسي ؟
الوضع السياسي في مصر الآن مليء بالانقسامات والاختلافات بين القوى والتيارات السياسية، لاسيما مع ظهور قوى سياسية جديدة ليس لها خبرات سابقة بالحياة السياسية أو تجاربها مثل الجماعات السلفية والصوفية التي خرجت للعمل السياسي لأول مرة وبعضها قضى في سجون مبارك عقودًا من السنين، فهذه الجماعات لا تمتلك الأفكار الكافية لإثراء الحياة السياسية، وغير قادرة على تحقيق إضافة للزخم السياسي أو المساهمة بشكل فعال في صناعة واقع سياسي جديد في مصر، ولذلك فالقوى السياسية الواعية تسعى في الوقت الراهن لاحتواء هذه الجماعات واستقطابها ومحاولة توعيتها بكيفية المشاركة السياسية بحيث تكون مطالب هذه القوى مقبولة في الشارع المصري.
دولة مدنية
لكن الخلاف بين القوى الدينية وباقي القوى السياسية هي أن القوى الأخيرة تسعى إلى إقامة دولة مدنية في مصر، بينما التيارات الدينية تصمم على إنشاء دولة دينية.. فما هو الحل لهذا التناقض؟
الدولة المدنية التي تتفق عليها القوى السياسية المصرية ونسعى إليها جميعا ترتكز على مبادئ الدين والشرائع السماوية ولا تخالفها ,وتحترم الأديان الأخرى والقوانين، فنحن لن نسمح بوجود دولة لا تحترم القيم والتعاليم الدينية أو تخالف شرائعها، ويجب على كل القوى السياسية أن تعلم أن مصر تمر بفترة دقيقة ينبغي فيها تكاتف القوى والتيارات كافة والتعبير بصوت واحد وعقل واحد للمرور من تلك الأحداث والأزمات والخروج من ذلك المنحنى.
محكمة عادلة
هل ترى أن محاكمة الرئيس المصري السابق تتم بشكل صحيح، خاصة بعد قرار رئيس المحكمة وقف البث التليفزيوني لها؟
محاكمة الرئيس المخلوع ونجليه تسير بشكل عادل ووفق النسق المحدد لها وفي إطار واضح للعدالة ومسار مستقيم لا ينحرف عن الأسس القانونية ولا يخرج عن الهدف المنوط لها وهو إظهار الحقيقة، إلا أنني أعترض على قرار منع البث التليفزيوني لمحاكمة مبارك ونجليه والمتورطين معهم في قضايا قتل المتظاهرين وقضايا الفساد المالي، فالبث التليفزيوني للمحاكمات كانت له آثار إيجابية في إظهار الشفافية والنزاهة طوال فترة المحاكمات في الآونة الماضية، كما أن وقف البث يفتح الباب نحو الشائعات والشبهات.
لكن هناك من يتوقع أن تستمر محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك لفترة طويلة؟ هل لديكم مخاوف من هذا الأمر؟
من حيث المبدأ فإن محاكمة الرئيس السابق أمام قضاء مدني وقاضٍ طبيعي أمر إيجابي ولكنه قد يأخذ وقتًا طويلاً حتى يتم إصدار حكم نهائي؛ نتيجة تعدد الشهود الذين يطلبهم دفاع المتهم وكثرة الجلسات ومماطلة المحامين عن المتهمين.
ما هي المدة التي تتوقعها لمحاكمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك؟
أتوقع أن تستغرق المحاكمة نحو 7 أشهر حتى يتم الفصل فيها سواء بالإدانة أو بغيرها من الأحكام، لكن ما أتخوف منه هو انتهاء المدة القانونية لخدمة رئيس المحكمة المستشار أحمد رفعت وهو القاضي الذي يحاكم مبارك وخروجه على المعاش في يونيه المقبل.
العزل السياسي
صدر أخيرا قانون لانتخابات مجلسي الشعب والشورى وهو قانون أثار خلافًا حوله في الشارع وبين القوى السياسية ، فما هي رؤيتكم لهذا القانون؟
هناك انتقادات لاذعة لقانون انتخاب مجلس الشعب والشورى من التيارات والقوى السياسية المصرية كافة، فهناك مخاوف من أن تستغل عناصر من نظام مبارك وجود نسبة مخصصة للانتخابات الفردية لتعود مرة أخرى إلى مجلس الشعب، وإذا أصرّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تطبيق النظام الذي يجمع بين النظام الفردي ونظام الانتخابات بالقائمة ففي هذه الحالة يتوجب تفعيل قانون العزل السياسي وإقصاء من مارسوا الحياة السياسية في عهد نظام الرئيس السابق حسني مبارك، فإذا لم يصدر قانون العزل سنجد رموز النظام السابق يخوضون الانتخابات البرلمانية المقبلة، من خلال النظام الفردي.
تطالبون بإصدار قانون للعزل السياسي.. هل معنى ذلك أنكم تطالبون أيضا بتفعيل ما يسمى بقانون الغدر؟
لا داعي لتطبيق قانون الغدر في الوقت الحالي، فتطبيقه سيؤجل محاكمة رموز النظام السابق، وهذا ليس طعنا في القانون، لكن تطبيق قانون الغدر سيؤدي إلى مزيد من تباطؤ التقاضي، وسيضاف هذا إلى التراخي الموجود بالأساس، بينما الشارع المصري يغلي بسبب بطء التقاضي ويرفض هذا التراخي وهو ما ينذر بثورة جديدة.
انقسام الشارع
الشارع المصري الآن منقسم حول ما يعرف باسم المبادئ فوق الدستورية.. هل لديكم رؤية لمواجهة مثل هذا الانقسام؟
هناك اتفاق بين بعض القوى السياسية والتيارات على صياغة مجموعة من المبادئ والنصوص التي تتفق مع حقوق الإنسان والشريعة الإسلامية، وسيتم الإعلان عن هذه المبادئ قريبا، بحيث تكون استرشادية، وتكون بمثابة وثيقة ودستور دائم حتى بعد الانتخابات القادمة، وهذه الوثيقة، تؤكد على مبادئ رئيسية لا يمكن لاثنين أن يختلفا حولها، كما أنها تضع المصريين جميعا على حد سواء دون التفرقة بين الجنس والدين واللغة إنما مبادئ شاملة تقوم على حقوق الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان.
الاخوان يعبرون عن انفسهم
الصعود القوي لجماعة الإخوان المسلمين على الساحة يثير مخاوف باقي القوى السياسية.. ما تعليقكم على هذا؟
جماعه الإخوان المسلمين لها دورها الذي لا ينكره أحد على الساحة السياسية، فلا أحد ينكر أن جماعة الإخوان فصيل قوي في المجتمع وله ثقله في الحياة السياسية وسط الفصائل الأخرى وهو فصيل قادر على أن يعبر عن نفسه بقوة.
تخبط المجلس العسكري
وما رأيك في أداء المجلس العسكري؟
أنا لا أسيء الظن به ولكني أرى تخبطًا واضحًا في بعض قراراته، وقد يكون ذلك نتيجة عدم وعيه بالأحداث السياسية، فضلا عن دخوله مخاضًا جديدًا لم يكن يقوم بدور اللاعب فيه من قبل، فالسياسة هي مجال جديد على المجلس الأعلى للقوات المسلحة؛ لذلك يجب على كل القوى السياسية والتيارات التعامل مع المجلس بنوع من التكاتف والوقوف بجانبه، مع ضرورة إجراء الانتخابات في أسرع وقت ودون أي تعطيل.
مبدأ القوة
قطاع كبير من الشارع المصري يطالب بإلغاء معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل بعد قتل الجنود المصريين في سيناء.. فكيف ترون مستقبل العلاقات بين مصر وإسرائيل؟
ما حدث من اعتداءات على الحدود في سيناء من عدوان إسرائيلي غاشم راح ضحيته عدد من الجنود المصريين يؤكد أن إسرائيل لا تعتمد ولا تفهم إلا لغة القوة، يعد نتاج طبيعي وإفراز واضح؛ لذلك يجب التعامل مع إسرائيل في المستقبل بذلك المبدأ واستخدام جميع آليات الردع والقمع لإيقاف إسرائيل عند حدها، وحتى لا تتكرر تلك الأحداث ثانية.
