ثورات على امتداد وطننا العربي جاءت بعد عقود من تسلط طغمة حاكمة تتحكم بمقدرات البلاد والعباد حتى اصبح المواطن العربي غريبا في وطنه تتناهشه السلطة من خلال قوت يومه , حتى أصبح الفساد سمة المؤسسات حتى الخدمية منها ووصل الامر بان المواطن عليه دفع الاموال مقابل تسيير اموره , لينتقل الفساد الى المناصب العليا والتعيين بالولاء وليس بالكفاءة ,والمحسوبية تتحكم بكل شيء ,ففي بلد مثل مصر أصبحت قضية الغاز الشغل الشاغل للمواطن المصري بعد ثورة 25 يناير .
وبلد مثل ليبيا بمقدراتها واحتياطاتها النفطية يعيش مواطنوها حالة أقل من عادية وكل هذا لأن فئة قليلة تتحكم بمقدرات البلاد وتصرف جل الاموال العربية على الامن ليس امن الوطن بقدر ما هو امن الحاكم وشراء الولاءات والذمم ,وأصبح الفساد خيارا سياسيا , وربط بعض المثقفين بين انتشار ظاهر الفساد وبين التنشئة الاجتماعية وغياب سياسات التوجيه والحماية للحكومات . عفيفي : الفساد المالي والإداري نتيجة منطقية للفساد السياسي
مصر .. الفساد يأكل الدولة و70% من المصريين ضحاياه
كثيرة هي التقارير التي تتحدث عن الفساد المالي والإداري في معظم الدول العربية، لدرجة اعتبرته بعض التقارير ممارسة يومية للمواطنين لتسيير أمور حياتهم، وفي مصر تؤكد تقارير حكومية صادرة قبل ثورة 25 يناير بأشهر قليلة أن 70% من المواطنين المصريين كانوا ضــحية بصفة يومية لوقائع فساد في أغلب قطاعات الحكومة، للدرجة التي دفعت د. عبدالشكور شعلان، ممثل مصر ومجموعة الدول العربية في صندوق النقد الدولي، إلى التعبير عن شعوره بالدهشة إزاء حجم الفساد الذي شهدته مصر في عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك، خاصة ما يتصل بجرائم الاستيلاء على المال العام وتفشي ظاهرة الرشوة والسمسرة بشكل غير قانوني.
وهو ما أكد عليه أيضا د. صديق عفيفي، الخبير الإداري، الذي يقول إن الفساد المالي والإداري في أي دولة يأتي كنتيجة منطقية للفساد السياسي واعتماد النظام الحاكم في أي دولة على أهل الثقة في الوظائف العامة عوضًا عن أهل الخبرة والكفاءة، وتكون أهم نتائج هذا الفساد تآكل الطبقة المتوسطة وانقسام المجتمع إلى طبقتين الأولى تصبح أكثر ثراءً والطبقة الثانية تصبح أكثر فقرًا وجهلاً ومرضًا.
وأضاف أن الفـــساد المالي والإداري له تأثير مباشر علــى الدخــل القومي ويعد البطل الحقيقي في تخـــريب اقتصاد أي دولة وهو منتــشر بشــــدة فـــي دول العالم الثالث، وفي الحالة المصرية فإن جهازين فقط من أجهزة الرقابة الرسمية في مصر هما الرقابة الإدارية والنيابة الإدارية قاما بضبط أكثر من 75 ألف قضية فساد في عام واحد بالجهاز الحكومي، موضحا أن هذا الفساد كان سببًا رئيسيًا في قيام ثورة 25 يناير.
وأشار عفيفي الى الفساد في القطاع الزراعي، حيث تضطر مصر إلى استيراد نصف ما تستهلكه من القمح على الرغم من وجود الدراسات والأبحاث التي تؤكد أن مصر تستطيع أن تنتج قمحًا بتكلفة زهيدة وبجودة عالية، وأيضا قطاع السياحة فمصر التي تملك 2/3 آثار العالم يمكنها أن تجذب 40 مليون سائح وبالرغم من ذلك لم يكن يزورها قبل 25 يناير إلا 12 مليون سائح فقط، نتيجة الفساد المالي والاداري في هذا القطاع على حد قوله.
وخلص الخبير الاداري أن الفساد يقوم على ركيزتين الأولى هي كبار الفاسدين، والثانية تتمثل في المستفيدين وهم أهل الثقة والحظوة الذين يستفيدون من تحكم رجال الصف الأول في مقدرات الدولة بالتحالف مع طبقة رجال الأعمال الفاسدين، مطالبا في هذا الصدد بضرورة وضع شرط الكفاءة وطهارة اليد لموظفي الدولة ومتابعتهم رقابيًا بشكل دوري وتشديد عقوبات الفساد المالي والإداري.
تعديل القوانين
أما د. سمير صبري الخبير القانوني، فيطالب بتشديد العقوبات في قضايا الفساد، ويشير إلى أن هناك ثغرات كثيرة سواء في قانون العقوبات أو قانون المال العام منها قانون المناقصات والمزايدات والتي تسمح بظهور الفساد بكل أشكاله وخاصة المادة التي تعطي الوزير المختص الحق في تخصيص أو إسناد الأعمال بالأمر المباشر، مشددا على ضرورة تشديد العقوبة في قضايا مكافحة الفساد والتربح والاستيلاء على المال وتربيح الغير واستغلال النفوذ.
كما يطالب أيضا بتعديل قانون الرشوة في قانون العقوبات وإلغاء البند الذي ينص على إعفاء الراشي في حالة الاعتراف وتجريمه بتهمة التحريض، مع ضرورة تحديد سلطات رئيس الجمهورية والوزراء وخاصة المالية ومحاسبتهم بأشد العقوبة في حالة استغلال نفوذهم.
سد الذرائع
الى هنا يصف د. عبد الله النجار ـ أستاذ القانون المدني ـ الفساد بأنه جريمة اجتماعية منظمة ضد مجتمع مستقر ويأتي هذا الفساد بأشكاله المتنوعة في غالب الأمر نتيجة لظلم الحكام وعدم توافر العدالة الاجتماعية، وأضاف أنه قبل محاسبة السارق بقطع يده يجب أن تسد ذريعة الجريمة وتوفر له الكفالة الاجتماعية.
انفجار الشعوب العربية جاء بعد نفاد صبرهم على الأنظمة
أكد عدد من الشباب الإعلاميين أن الفساد الإداري والمالي أصبح ظاهرة متفشية في العالم العربي وهو يعرقل مسيرة التنمية البشرية، واتفقوا على ضرورة أن تبادر الأنظمة بسن التشريعات والقوانين والمبادرات التي تكفل مكافحة جرائم إهدار المال العام والمحسوبيات والرشاوى.
وأشاروا إلى أن ما حدث من انفجار للعديد من الشعوب العربية جاء بعد نفاد صبرهم على هذه الأنظمة الجائرة التي سرقت ومازال بعضها يسرق حقوق هذه الشعوب، بحجة حفظ الأمن ومعرفتهم لمصلحة البلد اقتصاديا وتنمويا، وتمنوا من الأنظمة العربية أن تستبدل الفاسدين بمصلحين.
وأكد الإعلامي البحريني علي شاهين إن انتشار ظاهرة الفساد المالي والإداري لا يكون حصرا على جهة أو مكان دون آخر بل هي ظاهرة متفشية في العديد من الدول وإن تفاوتت النسب فيما بينها، وهذه الظاهرة تأتي بسبب إتباع المسؤول الفاسد - الذي هو مستأمن على العمل - هوى نفسه ومنح ضميره "إجازة طويلة" ، وهذا الأمر يترتب عليه استنزاف أموال الدولة ووضعها في غير أماكنها الصحيحة ، والتلاعب الإداري من خلال استغلال المسؤول الفاسد إداريا وماليا لصلاحياته بحسب رغباته وأهوائه التي لا تتوافق مع شرف وأمانة المهنة المؤتمن عليها ، وبالتالي يقع هذا المسؤول في جريمة خيانة أمانة ، أو خيانة ثقة الدولة.
وأضاف شاهين: "اعتقد أن على أي دولة تتعرض لمثل هذه الانتهاكات والفساد المالي والإداري خاصة ما يتعلق بالرشى وتبادل المصالح بين المسؤولين الفاسدين على حساب أمانة المهنة وشرفها، أعتقد أن تكون الدولة حازمة في التعامل مع هذه الأمور، وتعمد إلى محاسبة المسؤول الفاسد بكل شفافية ، أمام الرأي العام إذا ما تمت إدانته بحكم قضائي ، حيث ان التستر على مثل هؤلاء المفسدين ليس صحيحا بل ان عدوة الفساد ستنتقل إلى مسؤولين ، وفضح المسؤول عن فساده بعد الكشف عنه وإدانته من المحكمة، اعتبره بمثابة القصاص العادل الذي سيكون رادعا ضد كل من تسول له نفسه من خيانة شرف المهنة والتقليل من مكانة العمل المؤتمن عليه".
من جهتها ترى الكاتبة البحرينية وجدان فهد أن الفساد الإداري والمالي يعد احد أهم العوامل التي قد تتسبب في انهيار الأنظمة الحاكمة وتعرقل مسيرة التنمية البشرية، ونهوض الدول المستشري فيها الفساد لمصاف الدول المتقدمة.
وأكدت على ضرورة أن تبادر الأنظمة بحماية أركانها من خلال سن التشريعات والقوانين وتنفيذ مبادرات رائدة تكفل مكافحة جرائم إهدار المال العام والمحسوبيات والرشاوى.
وضربت مثلا على المبادرات التي اتخذتها مملكة البحرين في هذا الشأن ومنها إنشاء ديوان الرقابة المالية والإدارية في سنة 2002 ، حيث يهدف إلى تعزيز الرقابة على السلطة التنفيذية . كما يقوم "مجلس المناقصات" منذ تأسيسه في عام 2003 بالإشراف على المناقصات والمشتريات الحكومية.
أما على صعيد إحكام الرقابة على سير الانتخابات التشريعية فقد نص قانون الانتخاب البحريني أنه يُحظَر على أي مرشح أن يقدم من خلال قيامه بالدعاية الانتخابية هدايا أو تبرعات أو مساعدات نقدية أو عينية أو غير ذلك من المنافع أو يعد بتقديمها لشخص طبيعي أو اعتباري، سواء كان بصورة مباشرة أو بواسطة الغير، كما يُحظَر على أي شخص أن يطلب مثل تلك الهدايا أو التبرعات أو المساعدات أو الوعد بها من أي مرشح. كما نصت المادة على أنه يُحظَر على المرشح تلقِّي أية أموال للدعاية الانتخابية من أية جهة كانت.
ويعاقب القانون بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تتجاوز خمسمئة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من خالف أي حكم من الأحكام المنصوص عليها في المادة (25) من هذا القانون. ومؤخرا أنشأت البحرين غرفة مستقلة لتسوية المنازعات الاقتصادية والمالية والاستثمارية سميت بغرفة البحرين لتسوية المنازعات، تختص بالفصل في المنازعات بين المؤسسات المالية المرخص لها بموجب أحكام قانون مصرف البحرين المركزي، أو بينها وبين غيرها من المؤسسات والشركات الأخرى والأفراد.
وكذلك الفصل في المنازعات التجارية الدولية. ورأت انه من الضروري وضع اشتراطات حاسمة في اختيار الأسماء المرشحة لمواقع صنع القرار في الدوائر الحكومية وقياس مؤشرات الولاء والمواطنة و النزاهة في الشخص المرشح بالرجوع إلى سجله الشخصي وسيرته المهنية والعلمية،حتى يتم التأكد من حسن سلوكه وأمانته .
من ناحيته قال عضو جمعية منتدى الجامعيين سلمان علي أن الفساد موجود بلا شك مادام الإنسان على وجه الأرض باختلاف الزمان والمكان وهو أمر موجود في كل العصور، ولكن المشكلة الحقيقية هي أن يصبح الفساد ظاهرة ومنهج حياة، ويصبح مُحارب ورافض هذا الفساد هو النشاز وهو الغريب في المجتمع.
وأضاف علي "هذا ما وصلت إليه معظم الدول والأنظمة العربية مع الأسف الشديد، فالقضية انتقلت من فردية الفاسد إلى تعميم الفساد في كل مفاصل الأنظمة وإلى كل وزير ومدير وموظف وعامل، والخطورة في عدم إحساس العديد من هؤلاء بفداحة هذا الخطأ وتأثيره على المجتمع، فعندما يشعر الفرد بأنه خلق ليعيش ويهنأ بأي وسيلة كانت وأيا كانت مخالفتها للقيم والمبادئ الإنسانية والإسلامية، حينها لا يمكن كبح جماح الجشع عند الناس، وهكذا نجد المجتمعات الطبقية، فئات من المجتمع لا تعرف معنى الحاجة من جوع وعطش ومسكن وغيرها من الأمور في حين تعيش فئات كثيرة تحت خط الفقر فلا تجد أبسط حاجياتها".
وأشار سلمان إلى أن ما حدث من انفجار للعديد من الشعوب العربية بعد نفاد صبرهم على هذه الأنظمة الجائرة التي سرقت ومازال بعضها يسرق حقوق هذه الشعوب، بحجة حفظ الأمن ومعرفتهم لمصلحة البلد اقتصاديا وتنمويا، وعلى مر أكثر من خمسة عقود لم يشعر المواطن العربي في أغلب هذه الدول حتى بنية هؤلاء للتنمية أو التغيير. وكما يقال دوام الحال من المحال فدارت الدائرة على المفسدين ولكن ما نتمناه أن يستبدلوا بمصلحين لا مفسدين جدد كما تنبأ الكثير من المحللين.
الفساد في اليمن خيار سياسي سببه ترابط مراكز الفساد
إن أسباب الفساد أعمق بكثير مما هو مدرك وظاهر للعيان ، منها ما هو راسخ في عقلية الناس وما يظهر في سلوكياتهم مثل استعدادهم النفسي لابتزاز المسؤولين عند إنجاز المعاملات الإدارية ورضوخهم لأصناف الإيذاء من أجل الحصول على الوثائق الإدارية دون أن يحتجوا ضد ذلك ، وتسابقهم على الحصول على ما هو حق لهم بأسهل الطرق وأقصرها ، ولكي تكون جهود مكافحة الفساد فعالة ومثمرة لابد أن تتجه إلى تلك الأسباب العميقة التي منشأها التربية والتعليم عند الصغار التي تجذرت في نفوسهم من سن مبكرة تلك التصورات والقيم ، والعمل على تعزيز قيم المواطنة لديهم مثل قيم المساءلة ، والأمانة والنزاهة وتبيان الآثار السلبية المدرة لانتشار ظواهر الفساد بكل أشكالها الخفية والظاهرة كالرشوة ، والمحسوبية ، والوساطة ، المحاباة .
فقد درج الكثيرون على اختزال الفساد في الرشوة فقط وإغفال أو التغاضي عن الوساطة والمحسوبية والمحاباة مع أنها لا تقل خطراً عن الرشوة ، وهذا الإغفال لتلك الممارسات أدى إلى غياب التعامل معها قانونيا وإداريا على أنها من ممارسات الفساد على الرغم من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تتركها.
ويرى محمد صادق العديني الرئيس التنفيذي لمركز التأهيل وحماية الحريات الصحافية أن تعيين الأقارب والشللية في الوظيفة العامة لا يقل أثراً عن انتشار الرشوة لأنه يقدم أهل الثقة على أهل الكفاءة ، وأهل الثقة على حد تعبيره : عادة يتضامنون فيما بينهم ويعملون على إنعاش بيئة الفساد ، ما يشكل فضاء طارداً لأصحاب الكفاءة لأن هؤلاء كما يقول : هم أصحاب منهاج علمي وقدرات مهنية عالية تصطدم بالممارسات غير العلمية ، ولا يرون أن أعمالهم أو جهودهم ستثمر في تحسين الأداء الوظيفي للمؤسسات في مثل هذه الأجواء ، وبالتالي فإما يغادرون للهجرة أو ينخرطون في ممارسات الفساد .
ويعتبر العديني أن الفساد في اليمن عبارة عن خيار سياسي واع الغاية منه ترابط وتحالف مراكز الفساد فيما بينها مشيراً في هذا السياق إلى بعض الحالات التي تعزز ما يذهب إليه ، وعلى سبيل المثال يقول العديني : " نسمع في بعض الأحيان عن قضية فساد من العيار الثقيل يرتكبها أحد المسؤولين النافذين ، ما يحملنا على الاعتقاد أنه سيقدم للمحاكمة لكن الذي يحصل العكس نتفاجأ بتعيينه في وظيفة أهم من التي كان يشغلها .. وهذا بدوره يولد الإحباط واليأس من الجد من هذه الظاهرة ".
المحامي رافع الشبوطي من جهته يرجع انتشار الفساد في الإدارة والوظيفة العمومية والصفقات والمناقصات العامة إلى قصور الإجراءات التأديبية في إطار الإدارة لأنها تربط التحقيق مع المخالفين بأطراف لها مصلحة وبالتالي لا تحرك الإجراءات التأديبية على النحو الذي يخدم المصلحة العامة مما يفتح الباب للانحراف بالسلطة على النحو الذي يخدم مصالح من يفترض فيه أن يوقع العقوبة في مرتكب جريمة الفساد ، خاصة إذا كانت هناك منافع متبادلة بين الطرفين .
وهذا أدى بدوره إلى زعزعة الثقة بوجود سلطة زجر على مستوى الإدارة فيلجأ الكثير من الناس إلى تقديم الرشاوى نتيجة لعدم ثقتهم بوجود جهة تنصفهم كلما تعرضوا للابتزاز ، أما على مستوى التشريعات والقوانين يقول الشبوطي هناك قصور في التشريعات والقوانين من جهة وعدم احترام النافذة منها مايؤدي إلى إفلات المفسدين من العقاب ،وعلى الرغم من مضي أكثر من أربع سنوات على تأسيسه لهيئة مكافحة الفساد تماشياً مع الاتفاقية الأممية لمحاربة الفساد اقتصر عملها حتى الآن على إعداد الخطط ومراجعة التشريعات المتعارضة والمتضاربة وتأثيرها محدود فاليمن حسب الشفافية الدولية مازال منذ ذلك الحين وحتى العام الماضي يراوح مابين الرتبة 154 و 148 في مؤشرات الفساد من اصل 178 ، علاوة على أن الهيئة لم تحرك ملفات الفساد الهامة لأن وجهاء ونافذون في البلد يقفون خلف قضايا الفساد فيها .
نبيل اللوزي الباحث الاجتماعي في مركز سبا للدراسات الإستراتيجية يربط بين انتشار ظاهر الفساد وبين التنشئة الاجتماعية وغياب سياسات التوجيه والحماية للحكومات الاجتماعية مشيرا الى أن وسائل التربية والتغيير لا تؤدي دورها على الوجه الأكمل فالأسرة على حد تعبيره عندما تقلل من احترام الفرد يذهب إلى التقليل من شأن الآخرين ، ويمارس ضدهم ممارسات سلبية ، كذلك المدرسة والمسجد لايوليان مسألة تقويم السلوك الفردي أهمية كبيرة خاصة لجهة تجريم الفساد ، والسلطة ليس لديها بوصلة لتوجيه الاتجاهات الاجتماعية .
فضلاً عن أنها تفتقر لسياسات تلبية الاحتياجات الأساسية للشباب وللموظف العام ، وتوفير الاحتياجات الأساسية حسب اللوزي تولد الشعور بالأمان وتعظم تقدير الذات ما يدفع إلى التصرف بمسؤولية تجاه المجتمع ، لكن في كثير من البلدان العربية تلبية الحاجات الأساسية متدنية والشعور بالأمن متدن ما يدفع الفرد إلى البحث عن حماية نفسه بحجة تأمين مستقبله ومستقبل أطفاله على حساب الآخرين ، والأحزاب السياسية تنتقد ممارسات الفساد لكنها لا تولي أهمية كبيرة لتنشئة الشباب ضد هذا السلوك الضار بالمجتمع .
أيضاً الوجاهة الاجتماعية تلعب دوراً في انتشار ظاهرة الفساد والوجهاء الاجتماعيون كما يحددهم اللوزي (مجموعة من الأفراد, لديهم القدرة والنفوذ الاجتماعي في تحريك سلوك الجماعة من حولهم, وهم مسؤولون أخلاقياً بالدرجة الأولى عن الحراك الاجتماعي بين أفراد الجماعة الذين منحوهم الثقة, بأمل تحقيق مصالحهم ومطالبهم الاجتماعية السوية) .لكن الحاصل أن دور جماعة الوجهاء بمختلف انتماءاتهم يميلون إلى الفوضى وبالتالي العنف يصبح بالنسبة لهم جزءا من الوجاهة فيمارسون السلطة والنفوذ عبر العلاقات الزبونية والفساد ، ويخلص اللوزي إلى أن الحل للخروج من هذا الإشكال يكمن في إعادة البناء المعرفي والقيمي والأخلاقي داخل المجتمع وبما يعزز احترام الذات وتقدير المجتمع ومصالحه ،وأيضاً إعمال ثقافة المسألة والشفافية عبر أجندة اجتماعية وثقافية وطنية.
الفساد ماء يغلي على مرجل الحراك الشعبي
بالنسبة إلى بعضهم، فإنه لا يوجد حل بشري لتفشي ظاهرة الرشى والسمسرة والـ«بيزنس» في أموال الدولة العربية، ولكن بتدخل رباني.
هذا ما قاله رئيس الدائرة السياسية في حزب جبهة العمل الإسلامي، زكي بني ارشيد، حينما أشار إلى الثورات العربية والأهداف التي قامت لها. يقول: "الثورات العربية التي قامت احتجاجاً على تسلط السلطة السياسية في مقدرات الأمة السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، ليست صناعة بشرية».
وهو الرأي الذي يشرحه الناشط السياسي، بادي الرفايعة، بالقول: إن النهج المنظم للفساد في المنطقة، ترسّخ إلى حد لم يعد في الإمكان إزاحته، ولكن على الشعوب أن تثبت أنها قادرة على تحمل أمانة نفسها، فأن تهب مالك مثلاً لمسرف، أمر ليس في محله، ولهذا على الشعوب العربية، أن تظهر أنها تستحق منحة الحرية ومكافحة الفساد التي تحتاجها.
فيما يتصدى السياسي اليساري، الدكتور سعيد ذياب، الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطية، للتفسير، حين يقول: حينما خرج الاستعمار من بلادنا في النصف الأول من القرن الماضي، كرس قبل خروجه اقتصاداً تابعاً غير منتج، وأوجد طبقة اقتصادية تمكنه من استمرار نهب الثروات.
وهو ما يعني تجذر الفساد في البلاد كقيمة، ثم ممارستها بقوة، وهذا تماماً ما قامت الحركة الشعبية العربية لتحتج عليه. بالنسبة إلى د. سعيد، فإن الحركة الشعبية العربية، انطلقت من قمقمها.
ولأن القوى المعادية تعلم ذلك، فهي، اليوم ـ والقول للدكتور ذياب ـ تحاول التدخل من اجل ألا تأخذ الثورات مداها وتؤسس لاستقلال حقيقي واقتصاد منتج.
ويشرح السياسي اليساري، الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطية، بهذا الفهم، الأهداف الحقيقية لتدخل «ناتو» في ليبيا.
يقول: إنه يريد ـ كما قال ـ ضمان عدم استقلال ليبيا بالكامل، فإذا لم يكن في إمكان الدول الغربية التصدي للثورات العربية، فإنها تحاول ـ اليوم ـ إدارة أزمتها معها، عسى أن تجد مساحة من القدرة على الحد من تطور الأمر إلى دول عربية ديمقراطية بالكامل.
ولهذا، فإنه يرى أن الثورة يجب ألا تقف حدودها عند إسقاط الدكتاتوريين، وإنما يجب الاستمرار حتى نؤسس لبناء اقتصادي مستقل يحمي ثروات المنطقة من النهب.
وأما السياسي الإسلامي، بني ارشيد، فيؤكد أن الاستبشار من طوق النجاة، الذي تصنعه الشعوب لنفسها من فساد الأنظمة العربية، التي نهبت خيرات البلاد وتركتها في فقر وصل ـ اليوم ـ إلى حد الجوع، أمر يجب أن يكون راسخاً، ولكنه في المقابل يؤكد: نحن لا نملك العصا السحرية، على الرغم أن ما قامت به بعض الشعوب العربية حتى الآن السحر بحد ذاته.
ويعلق السياسي، محمد الزغول، على ذلك بالقول: المسألة ليست بحاجة إلى كثير تقييم، الدولة إقليم يعيش فوقه شعب وعليه سلطة، فإذا ما أخلت السلطة بصلاحياتها على الشعب محاسبتها، فلا سلطة من دون محاسبة، ومن هنا ولد الفساد، لغياب السؤال، الذي تعمل اليوم بعض الشعوب العربية على صناعته.
ومن هنا، تأتي دعوة الدكتور صلاح الخالدي، ليقول: بعدما قامت الشعوب، لم يبقَ للعلماء عذر، فهم أولى بمحاربة الفساد والإصلاح عامة، فهم قادة الأمة الحقيقيون، وهم وجهها المشرق. يقول: العلماء نوعان، نوع يعيشون لأنفسهم، ويفكرون في مشروعاتهم الخاصة الشخصية، سواء كانت علمية أو مادية، والقسم الثاني علماء يعيشون لأمتهم.
ودعا د. الخالدي، العلماء، إلى العمل من أجل الإصلاح، وفي الحقيقة هو بارك خطوة الحراك الذي قام به بعض علماء الشريعة في الأردن، بالإعلان عن تيار أسموه علماء من اجل الإصلاح، واصفاً إياه بالتحرك المبارك، ذلك أنهم ـ كما قال ـ يحققون ويطبقون مبدأ إسلامياً رائداً بالإصلاح.
إقصاء الكفاءات جزائرياً ساهم بنشر الفساد
في السنوات العشر الاخيرة فصلت المحاكم الجزائرية في آلاف من قضايا الفساد البيّن، لكوادر في الادارة والجمارك والقطاع الاقتصادي والمالي، فيما تنتظر آلاف من القضايا الأخرى ومثلها او اكثر من حالات الفساد الخفي المتواصل. ويوجد حاليا محمد مزيان مدير عام شركة سونطراك النفطية في السجن في قضايا اختلاس وتحويل المال العام و الكسب غير الشرعي والرشوة وفي سياق ذات القضايا ابعد وزير الطاقة والمناجم المقرب جدا من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من منصبه قبل عام.
وحوكمت كوادر من وزارة الأشغال العمومية بينها وكيل الوزارة وسجنوا بتهمة الغش وتعاطي الرشوة في مشروع الطريق السريع الذي يربط حدود الجزائر مع المغرب بحدودها مع تونس على مسافة الف و 200 كلم. وتنظر المحاكم هذه الايام في ملفات كثيرة وما خفى اعظم بكثير. وقبل سنوات قليلة كان العالم تابع ما سمي "قضية القرن " في الجزائر وتخص الافلاس المبرمج والارادي لاكبر بنوك القطاع الخاص في البلاد (بنك آل خليفة) فتمت تصفيته مع المؤسسات الصناعية التي تتبع للمجمع العملاق ويوجد صاحبه عبد المؤمن خليفة في لندن هاربا من العدالة.
ويعتقد محمد الصغير باباس رئيس المجلس الاقتصادي ـ الاجتماعي في الجزائر أن الفساد واحد من أكبر معوقات التنمية ويساهم بقسط كبير في تقليص حظوظ تسجيل نتائج اقتصادية مقنعة، ويتعين الحد منه كشرط لبلوغ الاهداف المسطرة. وقال الباحث الاجتماعي فضيل بومالة " الفساد منتشر في احشاء كل مؤسسات الدولة بلا استثناء، وتغلغل في جسم المجتمع حتى صارت الرشوة فعلا عاديا والمحسوبية القاعدة المعمول بها في التعيين والتوظيف وحتى في ابسط الامور... في كل يوم يخرج الآلاف في مظاهرات لان توزيع السكن الاجتماعي الذي توفره الدولة لا يوزع بمقاييس نزيهة... الفساد افسد الطباع كلها. فكل الحقوق صارت تباع وصاحبها يقبل شراءها لان ذلك صار القاعدة".
وعاد مقران آيت العربي العضو السابق في مجلس الامة (الغرفة العليا في البرلمان) بالذاكرة الى بداية الثمانينات من القرن الماضي حين تخلت السلطات عن الكفاءة كمعيار تقييم واعتمدت بدلها" الضمانة السياسية" وأكد ان الفساد انتشر بذلك القرار. وقال ايت العربي وهو من اكبر المحامين في الجزائر واشهرهم " في بداية عهد الرئيس الشاذلي بن جديد قررت السلطة عدم تعيين اي شخص في موقع مسؤولية بأي من القطاعات ما لم يكن منخرطا في جبهة التحرير الوطني ـ الحزب الواحد وقتهاـ
وتم الاستغناء على آلاف من الكوادر ذات الكفاءة التي رفضت الرضوخ لشرط الانتساب لهذا الحزب لسبب او لآخر، واستبدلت بأخرى بلا كفاءة ... هذا الوضع فتح المجال لكل انواع الفساد فالذين عينوا بموجب تفضيل سياسي يدركون انهم مهنيا ليسوا اهلا للمنصب وقد وضعوا به بإرادة من وضعهم وهم بالتالي يسعون لخدمة من عينهم عوض خدمة الصالح العام" واعتبر ما جرى في ذلك الوقت " استثمارا رسميا في الفساد". وكان المؤتمر العام لجبهة التحرير الوطني ضمن قانون الحزب الداخلي مادة برقم 120 ـ كلما ذكرها الجزائريون على مدى 30 عاما ذيلوا كلامهم بعبارة سيئة الصيت ـ تحرم اي جزائري من منصب مسؤولية في اي مستوى وفي اي قطاع ان لم يكن من الحزب، فحدث نزيف حاد لان معظم الكفاءات ترفض الانضواء تحت حزب يسيطر على قيادته اشخاص عديمو او قليلو الثقافة.
وقال علي عمار وهو مسؤول سابق في جبهة التحرير " ان الحزب كان يرمي الى جلب الطاقات من المثقفين والعلماء والمفكرين الى صفوفه بذلك القرار لكن الذي حدث ان الدولة دفعت ثمنا باهضا". وحتى ايامنا هذه لا يزال اكبر تحد لنجاح اية حكومة في الجزائر هو تسجيل خطوات في محاربة الفساد.
