اعتدنا عليها قوية وصابرة ومحتملة، تقف شامخة في وقت انحنى فيه الكثير، يعلو صوتها في حين صمتت الأفواه، إنها المرأة الفلسطينية التي تخرج من بين الصعوبات والمعاناة، جنباً إلى جنب مع الرجل، تودع الشهداء، وتشفي الجروح، وتربي الأجيال، وتدير أسرة يقوم عليها المجتمع بأكمله.

فالمرأة في فلسطين استطاعت أن تثبت جدارتها، وتكون قادرة على تدبير أمور منزلها، وتسيير حياتها وأبنائها في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، فمنهم من تدير مشروعاً صغيراً يدر ربحاً، وأخريات خرجن للعمل ولو كان بسيطاً، لتصبح المرأة كما يقول الكثير "أفضل مديرة مشروع".

الكثيرات استطعن اقتحام عالم المال والأعمال وسجلن اسماءهن بماء من ذهب وتركن بصمات مميزة على الواقع الاقتصادي الفلسطيني وحتى العربي والعالمي وبتن يعرفن بسيدات الأعمال اللواتي من الممكن تعريفهن على أنهن كل امرأة تملك وتدير عملا منظما خاصا بها بكفاءة ونجاح.

وتشير منال زريق رئيسة منتدى سيدات الأعمال الفلسطينيات الى ان واقعهن لا يختلف عن الرجال نظرا للظروف الصعبة التي يمر بها الفلسطينيون عامة وتؤكد ان العادات والتقاليد والضغوط الاجتماعية ما زالت تلعب الدور الأكبر فى ضعف مشاركة المرأة فى العمل .

نبراس بسيسو مديرة المؤسسة المصرفية وصندوق التنمية بدت في قمة نشاطها وحيويتها وهي تقوم بعدة مهام، حيث ابتسمت بهدوء عندما بدأت في التحدث عن تجربتها العملية التي يبلغ عمرها 21 عاماً في مجال إدارة الأعمال، حيث قالت: "في بداية دخولي هذا المعترك عملت في برنامج الإقراض وتوليد الدخل، وهذا المجال كان جديداً إلى حد ما بالنسبة لمجتمعنا، حيث اعتادت مفاهيم الناس في المجتمع الفلسطيني على تلقي المنح فقط دون الالتزام بأي شيء مقابلها، ولكن بعد ذلك بدأت برامج القروض بالظهور التي يجب الالتزام بسدادها.

وتابعت رحلتها، أنها فيما بعد انتقلت في عملها من مؤسسة مصرفية لمؤسسة مصرفية أخرى، حيث وجدت أن العمل في المجال المصرفي بالنسبة للمرأة أمر صعب للغاية، لكن المرأة التي لديها إرادة وتحد من الممكن أن تواجه وتتحدى وتنجح في أي مجال تختاره حسب تعبيرها.

وأشارت أن أهم المواصفات التي يجب أن تتحلى بها سيدات الأعمال تتمثل في اختراق السوق المحلي والخارجي والقدرة على التعامل مع الجمهور، ونسج علاقات جيدة مع مستوردين محليين وخارجيين ، ولديها قدرة على اتخاذ قرارات صعبة في وقت قياسي،وأن تلّم بطبيعة العمل الذي تتولاه ولديها خلفية عنه حتى تستطيع أن تستمر.

وأكدت بسيسو أنها حصلت على تشجيع ودعم كبير من أسرتها وهذا كان سبباً رئيسياً في مضيها في هذا الطريق، مما ساعدها على مواجهة التحديات، خاصة أن تولي المرأة لمنصب قيادي كهذا في بداية الانتفاضة كان أمراً في غاية الصعوبة، معتبرة أن هناك العديد من السيدات أخذن حظهن في هذا الجانب، وفي المقابل هناك مناطق أخرى لم يتسن للمرأة أخذ فرصتها المناسبة.

العادات والتقاليد

وحول العقبات التي تواجه النساء في هذا الحقل قالت: "إنها تتمثل في القيود المجتمعية، مثل العادات والتقاليد السائدة التي ساهمت بشكل كبير في تحجيم قدرات النساء، إضافة إلى أن رزوح الشعب الفلسطيني تحت نير الاحتلال لفترات طويلة، وما صاحب ذلك من آثار سلبية، وانعدام الأمن والاستقرار حد من انطلاق المرأة في مجال التجارة، والأعمال الحرة".

ونفت أن تكون النساء أقل خبرة وكفاءة من الرجال في مجال الأعمال، وقالت: "إن سيدات الأعمال يتمايزن في عملهن ويبدعن إذا أتيحت الظروف المناسبة، وهيئت لهن الأجواء الملائمة، إضافة إلى درجة الالتزام العالية التي يتمتعن بها

الفلسطينية قادرة على الإنجاز

فيما أكدت سماح الصفدي المسؤول المالي والإداري في الشركة الفلسطينية للإقراض والتنمية "فاتن"، على أن المرأة الفلسطينية قادرة على الانجاز بشكل كبير في حال أعطيت لها الفرصة المناسبة.

وبينت الصفدي، أن المرأة ينشط عملها خاصةً في مجال المشاريع العائلية التي باتت تنتشر بشكل كبير كإنشاء مصنع للخياطة، أو محل بقاليات، موضحةً أن سبب الإقبال على مثل هذه المشاريع هو الظروف الاقتصادية التي يعاني منها شعبنا.

وتعتقد الصفدي، أن المرأة قادرة على إدارة المشاريع بسبب حرصها الشديد على عائلتها وقربها من ظروف منزلها، وتعي جيداً أن مبلغاً من المال يجب أن يكفيها لمدة محددة، مشيرةً في ذلك الصدد إلى تجربة المرأة خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة حيث كانت تتدبر أمورها رغم ما يحيطها من ظروف صعبة.

ونوهت الصفدي، إلى أن النساء اضطرت إلى التفكير في العمل وإدارة المشاريع وتدبير أمورها في بيتها للظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها شعبنا، فضلاً عن تغيير أنماط التفكير لدى المجتمع حول عمل المرأة وأهميته للأسرة

تحول نوعي

راوية الشوا عضو المجلس التشريعي, وسيدة أعمال تقول انها تلمس تحولًا نوعياً نحو المرأة في مجال الأعمال الحرة والتجارة, والتسليم بهذا الدور, لكن عبء العامل الاقتصادي الذي تتحمله المرأة في مجتمع يفتقد للاستقرار يخلق واقعاً من المصاعب أمام النساء بشكل عام ويعرقل تطور المشاريع التي بدأت تنفذها النساء على أرض الواقع, مشيرة إلى عدم إمكانية فصل الواقع السياسي المعاش عن الواقع الإجتماعي, باعتبار أن المجتمع الفلسطيني في حال تحرر وطني من الاحتلال, وما ترى الوضع الاقتصادي إلا نتيجة طبيعية للاحتلال.

وأشارت الشوا إلى تناقض على هذا الصعيد, فعندما تكون المرأة بحاجة إلى عمل فالمجتمع يبرر لها هذا العمل, لأنها سوف تشكل مصدراً ثابتاً لدخل الأسرة, وإن أرادت ممارسة عمل تجاري أو حر, فإنها لما تلق التشجيع من الأسرة لخوض غمار هذا العمل, لتظل الفرص المتاحة لها هو العمل الخدماتي كالعمل في المصانع أو القطاع الصحي أو التعليمي و ما شابه, منوهة إلى أن العمل التجاري أو الحر, ليس حكراً على الرجال دون النساء, ولكن في نفس الوقت يجب توفر مناخ ملائم لانطلاقة النساء في عالم الأعمال الحرة, إلا أن هناك عقبات كبيرة تحول دون ذلك, مثل الموروث الثقافي, وندرة رأس المال, وعدم توفر الدعم الكافي لقضية الخسارة مثل الربح, حيث ان قدرة المرأة على المجازفة في هذا المجال ضئيلة, وبالتالي لا يمكن تحديد مسألة إعطاء أو رفض المجتمع الفرصة المتكافئة للرجل أو المرأة, باعتبار أن المجتمع هو المستهلك, ولا يهمه البحث عن هوية أو جنس هذا التاجر أو تلك التاجرة.

نظرة استخفاف

وحول نظرة المجتمع لسيدات الأعمال أوضحت الشوا أن المجتمع ينظر بشكل عام للمرأة باستخفاف, فعلى سبيل المثال المرأة التي تقود سيارة و تقع في حادث طريق, فإن جميع الأعين تنظر لهذا الحادث وكأنه تحصيل حاصل لعدم كفاءة المرأة في السياقة, وهذا ما ينطبق على سيدات الأعمال, فالنظرة إليهن تتسم بالتشكيك بقدراتهن وعدم كفاءتهن لممارسة العمل التجاري أو الحر, لكن يمكن القول أن هناك كفاءات متدنية لدى النساء, بسبب عدم تلق التعليم الكافي, أو الجهل, وعدم الانخراط في الأعمال العامة, مما يفقر المرأة أو يقلل من فرص المرأة على التدرب و اكتساب الخبرات من خلال الممارسة العملية على أرض الواقع.

وأكدت الشوا على الدور الحيوي والمؤثر الذي تلعبه النساء الفلسطينيات في عملية التنمية, فهناك القطاع الزراعي, وحجم المشاركة النسائية قد يتساوى مع الرجل, كذلك سيدات الأعمال يقمن بدور كبير على صعيد تدعيم الاقتصاد الوطني وتطوره. وعلى مستوى القوانين الموجودة ومدى إنصافها للمرأة أفادت الشوا أن القوانين والتشريعات الفلسطينية لم تفرق بين الرجل والمرأة, أو تضع عوائق أمامها, لكن الأسباب التي تعيق تطبيق القوانين على المرأة العاملة بشكل عام تعود للموروث الثقافي و نظرة المجتمع الدونية للمرأة التي ستظل عائقاَ ضمنياَ في دعم تطورها في هذا المجال.

المحل يصبح سوقاً

مروة غنام من نماذج سيدات الأعمال اللاتي بدأن في المجالات الصغيرة وكبرت استثماراتهن مع الوقت. وتتحدث عن تجربتها قائلة: "بدأت بخطوة صغيرة حصلت على قرض بقيمة 3000 دولار من إحدى الجمعيات النسوية، وقمت بفتح محل صغير أبيع فيه مواد تموينية.. وعام يتبعه عام تمكنت من توسيع المحل ليصبح سوقا متطورة أبيع فيها جميع الحاجات".

وتشير مروة إلى أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة اضطرتها لدخول عالم التجارة واعترفت أن صعوبات جمة اعترضت طريقها، منها عدم موافقة والدها وزوجها، وبعد إقناعهما اصطدمت بالسوق وكيفية التعامل مع التجار.

وتضيف: "التحقت بدورات اقتصادية مكثفة لأكون على اطلاع بمستلزمات السوق وعالم الأعمال". ولم تقتصر نشاطات مروة عند هذا الحد، بل قامت بشراء قطعة أرض وبنيت مزرعة للدواجن إلى جانب استثمار ما تبقى من الأرض زراعيا. وتضيف: "كونت أنا ومجموعة من النساء العاملات رابطة لمناقشة أمور التجارة والسوق ونسعى إلى تطويرها لتصبح جمعية لصاحبات الأعمال وتفتخر مروة بأنها قادرة على إدارة أعمالها بنجاح، وتستدرك: "المرأة الفلسطينية باستطاعتها أن تعمل وتنتج وتساهم جنبا إلى جنب مع الرجل، كما أنه لا يتوجب عليها التوسل للجمعيات والوزارات لإعالتها وإعالة أسرتها فلتفكر في مشروع ولو بدأ صغيرا، وبإرادة وتصميم وتعقل ستنجح وتتفوق".

تغيير في المفاهيم

بدوره يقول رجل الأعمال فخري الضباع : إن المرأة الفلسطينية خلال الأعوام القليلة الماضية تمكنت من أن تعزز دورها في الحياة الاقتصادية، ولكن في الأعمال الصغرى وليس الكبرى. وقال: إن الانتفاضة الحالية أحدثت نوعا من التغيير في المفاهيم المجتمعية المتعلقة بعمل المرأة؛ فهو يرى أن الحاجة الاقتصادية وأوضاع الفقر التي أصابت الشعب الفلسطيني جراء الحصار والاحتلال الإسرائيلي واستشهاد عدد كبير من أرباب الأسر دفعت المرأة نحو العمل وتفوقت فى ذلك .