أكد المفكر والناشط السياسي المصري الدكتور سعد الدين إبراهيم رئيس مركز بن خلدون للدراسات الإنمائية في حوار مع «البيان» رفضه التام لمبدأ الإقصاء السياسي لأعضاء الحزب الوطني المنحل، وكذلك رفضه للعمل الانتقامي في البناء السياسي الجديد لمصر.

وأوضح أن التواجد الحزبي في الشارع المصري بعد ثورة 25 يناير رغم رفع جميع القيود لا يزال اقل مما ينبغي باستثناء الإخوان المسلمين، وأن الأحزاب السياسية المصرية سواء الجديدة أو القديمة بما في ذلك التاريخية دون اللياقة البدنية التي تتطلبها المرحلة، مشيرا إلى أن من حق الإخوان المسلمين الوصول للسلطة بعد 80 عاما من الإقصاء والإبعاد، والملاحقة، وأن الممارسة ستكون الفيصل في الحكم عليهم، وأن من يرفعهم للسلطة قادر على أن يزيحهم عنها إن أراد.

بداية أود معرفة تقييمك للأوضاع التي تشهدها مصر حاليا؟

الأوضاع التي تشهدها مصر هي جزء من الأوضاع التي يشهدها العالم العربي كله، ومنطقتنا العربية بما فيها مصر تمر بتحول ديمقراطي، اي الموجه الثالثة للديمقراطية، والتي بدأت في البرتغال عام 1974، ثم انتقلت إلى اسبانيا، ثم من اسبانيا إلى اليونان، وهي كانت آخر ثلاث دول في جنوب وغرب اوروبا تتحول إلى الديمقراطية، ثم انتقلت إلى أميركا الجنوبية ثم إلى شرق آسيا، ثم انتقلت إلى أفريقيا جنوب الصحراء، وظل العالم العربي بلا تحول ديمقراطي ولذلك بعض علماء السياسة كانوا يرددون أن هناك استثنائية سياسية في العالم الإسلامي بمعنى أن الإسلام والديمقراطية لا يتوافقان، وعندما جاءت ثورة إندونيسيا ضد سوهارتو، وجاءت من بعدها ماليزيا ونيجيريا ثم تركيا، فأصبحت المشكلة ليست في الإسلام، فقالوا إذا لم تكن المشكلة في العرب والعروبة، وعندما جاءت الثورات العربية الأخيرة لتؤكد أن ربيع الثورات العربية هب علينا، وشخص المشكلة وهي ليست في الإسلام، أو حتى العروبة، وإنما كانت في الأنظمة الاستبدادية الدكتاتورية الحاكمة.

هل أنت قلق على الثورة في مصر؟ وما هي المخاوف التي تساورك الآن عليها؟

نعم هناك قلق، ومخاوف على الثورة من محاولات اختطافها ووأد الديمقراطية، ومصدر هذا التخوف يتمثل في وجود فلول النظام القديم، أي ما يعرف بالثورة المضادة، أو الإسلاميين لاختطاف الثورة وهناك سوابق لاختطاف الثورات، وحدث ذلك في الثورة البلشفية في روسيا القيصرية والتي اختطفها الشيوعيون، وحدث ايضا في الثورة الإيرانية التي اختطفها الإسلاميون.

وهناك احتمالات كبيرة جدا أن يحصل الإخوان المسلمون في الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر على الأكثرية، وليس الأغلبية، بمعنى أن يكون لديهم أكبر قدر في البرلمان وهذا من شأنه أن يساعدهم عند صياغة الدستور الجديد أن يستقطبوا البعض إلى فكرهم وتوجهاتهم الأيدلوجية، كل تلك مخاوف تساورنا، وعلينا أن نسعى للتخلص منها دون أن نحرم أحدا أو ننكر على اي طرف حقه في المشاركة.

ما رأيك في الدعوات التي تتحدث عن الإقصاء السياسي لأعضاء الحزب الوطني المنحل لمدد مختلفة تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات؟

أنا ضد الإقصاء، وضد منع أي شخص من المشاركة، وأي مواطن مصري طالما أنه يحمل الجنسية المصرية فله حق المشاركة السياسية، وإلا سنكرر نفس الأخطاء، في أن كل نظام يتولى الحكم يقصي النظام السابق له وأتباعه وأبناءه، ونكون كأننا ندور في دائرة انتقامية مفرغة، وأنا ضد الأعمال الانتقامية في البناء السياسي، نحن نبني مجتمعا جديدا لثورة عظيمة بكل المعايير التاريخية والمعاصرة، ولا ينبغي أن تشوه تلك الثورة بالتورط في عمليات انتقامية، ويجب أن نترك للشعب أن يختار.

البعض يرى أن أعضاء الحزب الوطني المنحل أو كما يطلق عليها فلول النظام السابق، لديهم من الإمكانيات والقدرات ما يمكنهم من الانقلاب على الثورة مرة أخرى، ما رأيك في ذلك؟

الانقلاب يعني الاستيلاء على السلطة بوسائل غير شرعية، إنما محاولة الوصول إلى السلطة أو المشاركة في السلطة على مرأى من الجميع وفي إطار لعبة قانونية فلا يعد ذلك انقلابا.

كيف ترى وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة؟

هذا حقهم وهم حرموا ومنعوا من العمل السياسي على مدار 80 عاما، فأنا مع حقهم في المشاركة، وكان جزء من خلافي مع الرئيس السابق حسني مبارك أنني طالبت بحزب سياسي للإخوان المسلمين عام 1984، ومبارك اعتبر ذلك شيء فظيع لم يستطع أحد التعرض له من قبل.

 

فزاعة سياسية

استخدام الإسلاميين كفزاعة سياسية وفي المقابل استخدام العلمانيين كفزاعة دينية، هل استخدام الفزاعات أصبح جزءا من الثقافة المصرية؟

ذلك جزء من ثقافة التخوين والتخويف والتكفير، كجزء من بقايا ممارسات الستين عاما الأخيرة، وبالطبع جزء منها مفهوم أنه في الممارسة السياسية، تحاول كل قوة سياسية أن تسيء لصورة الآخر المتنافس معها في محاولة لإضعافها، وأنا كأستاذ في علم الاجتماع السياسي وناشط، أرى أنه قد يكون مقبولا أن أركز على سلبيات الآخر للتخويف منه، ولكني ضد الاستبعاد وضد سياسة التشويه، حيث يجب أن تكون المنافسة في إطار قواعد اللعبة، وأن ننتهز الفرصة المتاحة لنا جميعا لممارسة الديمقراطية بشكل نظيف.

هل ترى أن المجتمع المصري وهو يخوض هذه التجربة الديمقراطية التي قد تكون الأولى في تاريخه، يحتاج إلى إعادة تأهيل سياسي وثقافي واجتماعي؟

كلنا في حاجة إلى إعادة التأهيل وطوال الوقت، ولكن إعادة التأهيل لا تعني تأخير أي شيء، لأن هذا يكون بداية الوصاية، لأننا لن نتعلم إلا بالممارسة، ودعنا نرتكب أخطاء، لأن الخطأ حق إنساني وهو حق من حقوق الإنسان للتعلم.

مضى حوالي أربعة أشهر على رحيل الرئيس السابق حسني مبارك، كيف تقيم الحياة الحزبية والأحزاب السياسية في مصر خلال هذه الفترة؟

إلى الآن أرى أن الممارسات الحزبية لا بأس بها، هناك مؤتمرات وندوات وصحف وإذاعات وقنوات تليفزيونية حزبية، وأصبح الاحتكاك بالشارع أكبر، وكل هذا جزء من الحيوية السياسية التي أدت بها ثورة 25 يناير، صحيح أن البعض أفضل في ذلك من البعض الآخر، ومنهم الإخوان المسلمين الذين كانوا ومازالوا الأكثر تنظيما، والأكثر خبرة في العمل السياسي وفي الشارع، والأكثر موارد مالية، وبالتالي هم مهيئين لجني ثمار هذه الميزات، ولكن حتى لو استفادوا منها هذه المرة فإن هذا لا يمنع أن تستفيد أحزاب أخرى في المرات المقبلة، خاصة وأن الحد الأقصى أربع سنوات.

هل أنت راض عن التواجد الحزبي في الشارع الآن؟

التواجد الحزبي بالشارع باستثناء الإخوان المسلمين اقل مما ينبغي، وأنا كنت أتصور أن حزبا مثل حزب الوفد سيكون أكثر انتشارا وتواجدا في الشارع لما يتمتع به من تراث تاريخي كبير وقواعد شعبية كثيرة خاصة في المناطق الشعبية والأقاليم، ولكن يبدو أن قيادات الحزب لا تزال دون اللياقة البدنية لهذه المرحلة.

 

الانفلات الأمني

من هو أقرب حزب على الساحة السياسية حاليا إليك؟

اقرب حزب لقناعاتي هو حزب «المصريين الأحرار» خاصة وأنني أشجع مشاركة اكبر نسبة ممكنة من الأقباط في العمل السياسي والحياة المصرية العامة، كما كان في الحقب الليبرالية المصرية التي شهدت تواجدا سياسيا للأقباط.

باعتبارك أستاذ للاجتماع السياسي، ما هو تأثير الانفلات الأمني وانتشار أعمال البلطجة على الممارسة السياسية في الفترة الحالية؟

تأثيرها بطبيعة الحال سلبي، وهي تشيع أمرين الأول شيء من الخوف، والثاني أن الناس تتحسر على النظام السابق وأن يكون لديها حنين للأمن حتى مع غياب الحرية، وهذا خطر، ولذلك ينبغي أن ندعم جهاز الشرطة والمؤسسة الأمنية ونوفر لها وسائل الدعم اللازمة، لأن الأمن يصبح بعد الخبز الأولوية الأولى.