«اعطني مكانا أقف عليه، وأنا كفيل بان أحرك الأرض».. وتكمل طيبة جليل الطالبة بكلية الإعلام في جامعة بغداد قائلة: أحببت الصحافة منذ صغري، واخترت فرع الإعلام بملء إرادتي، وليس حسب المعدل، وشاركت في مختلف الأنشطة التي نظمتها الكلية، ومنها إصدار صحيفة طلابية، لكني اشعر الآن بإحباط كبير، حين أتخيل نفسي عاطلة عن العمل، فالرغبة في العمل ليست كافية، والموهبة أيضاً لا تنفعني ما لم أجد أحدا يسندني في المطبوعات المحلية، كما أنني سأعمل وفق مبدأ المكافأة المقطوعة، لو وجدت مكاناً، وهذا لا يتناسب حتما مع الجهد المادي والمعنوي الذي سأبذله، وبالتالي فلن أجد مكانا أقف عليه لأحرك الأرض!!.
طيبة واحدة من مئات الطالبات العراقيات اللاتي يعانين من عدم وجود الوظيفة المناسبة عقب التخرج ونيل الشهادة الجامعية والتي لا تكفي للحصول على عمل. ومشكلة الخريجات لا تقتصر على عدم حصولهن على وظيفة مباشرة، بل لشح فرص الزواج أيضا، فقد يكون الزواج الناجح أحيانا بديلا عن العمل، لكن ضياع الفرصتين معا أمر شديد القسوة.
الطالبة مروة علي مثال آخر للخريجات حيث لا تتجاوز حدود أحلامها في الوقت الحالي، سوى اقتناء ملابس جديدة لحضور حفل التخرج الذي ستقيمه الكلية، والاستمتاع بكل لحظة فيه، فمثل هذا اليوم لن يتكرر أبدا، كما أنها سعيدة الحظ بانتمائها لدورة هذا العام، إذ لم تحتفل الكلية في الأعوام الماضية بالخريجين كما يليق بهم، لسوء الظرف الأمني.
وتقول لن ازعج نفسي بالتفكير في مرحلة ما بعد التخرج، فقد أتمت دراستي في كلية التربية، ورغبتي العمل في التدريس فهو المهنة الأكثر ضمانا بالنسبة للفتاة، كما أن تعيين خريجي كلية التربية مضمون هو الآخر.
ولا تحبذ سلوى العمل بعد التخرج، فهي مخطوبة حاليا لشاب يعمل في مجال التجارة، ولا تجد ضرورة لتعريض نفسها لـ«البهدلة»، كما تقول، فالوظيفة بالنسبة لها ترهق المرأة وتقضي على أنوثتها وشبابها، خاصة في العراق، لأنها ستضطر لقضاء النهار كله خارج المنزل، والتعرض لظروف الشارع غير الطبيعية يوميا، ثم تعود مرهقة لتمنح بقية يومها لعائلتها ـ إن كانت متزوجة، وهكذا تتحول تدريجيا إلى آلة بشرية، وتنسحب منها أنوثتها تدريجيا.
وإذ تدرك سلوى جيدا أنها غير مضطرة للعمل بزواجها من شاب ثري، فهي على العكس من «الهام صالح"، التي تنتظر تخرجها من الكلية بفراغ الصبر، لتمطر الوزارات والدوائر بطلبات التعيين.. تقول الهام:
أعيش ضمن عائلة مكونة من تسعة أفراد ويعيلنا والدي من راتبه التقاعدي، إضافة إلى عمله في تصليح أنابيب وحنفيات الماء، ورغم انه تمكن بهذا العمل من إيصالي إلى الجامعة وإعالة بقية الأسرة، إلا أنني أتألم يوميا لرؤيته وهو يدور بدراجته النارية على المنازل، خاصة وان صحته لم تعد تساعده، ويضطر غالبا لمغادرة المنزل في أي وقت لتلبية طلبات الزبائن، فلا يعرف للراحة طريقا، لهذا أتمنى الحصول على وظيفة لأساعده رغم إدراكي لشح الوظائف بالنسبة لخريجي الإدارة والاقتصاد.
وتضيف: لست اطمع في العمل ضمن اختصاصي، ولا يهمني سوى الحصول على أجر شهري ثابت، لأني أخشى أن تكون وظيفتي «ربة بيت»، بعد كل الجهد الذي بذلته وبذله والدي.
ولا تزال «هبة إبراهيم» ربة بيت منذ تخرجها عام 2004 من قسم علوم الحاسبات تبحث عن العمل، وتقول: تصورت أن التغيير الذي طرأ على البلد سيرفع كفة بعض المهن المطلوبة في عالمنا الجديد كالعمل على الحاسبات الإلكترونية، لذا اخترت قسم علوم الحاسبات، لأتحول بتخرجي منه إلى ربة بيت، فلا مجال للتعيين في الوزارات والدوائر، والفرصة الوحيدة التي حصلت عليها كانت ضمن مكاتب خاصة للحاسبات والانترنت، وهي لا تلبي طموحي ولا تضمن مستقبلي.
