تشير أحدث الإحصائيات الصادرة إلى أن حجم إنفاق الدول العربية مجتمعة على البحث العلمي والتكنولوجيا لا يتعدى 1.5%. من الناتج القومي الإجمالي لها، في حين تصل نسبة الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل وحدها إلى 4.7% من إنتاجها القومي الإجمالي.
وقد اتفق خبراء في التربية والعلوم والتحصيل العلمي على أن تطوير منظومة البحوث العلمية أصبحت ضرورة حتمية في الوقت الراهن للقدرة على إنتاج المعرفة ونشرها، مؤكدين أن هناك فجوة كبيرة بين واقع البحث العلمي في العالم العربي وواقعه في بعض الدول المتقدمة علميًا وتكنولوجيًا، في ظل نقص الإمكانيات المادية العربية وتدني مستويات التمويل.
وطالبوا بضرورة تضافر جهود الحكومات مع القطاع الخاص في تمويل مشروعات البحث العلمي، وكذلك إتاحة مساحة أكبر من ميزانياتها لاحتضان براءات المخترعين وتفعيلها، كما حذروا من خطورة تجاهل تلك المجالات البحثية التي تفتح الباب للجوء للخارج.
يقول الدكتور صبري النجومي، أستاذ الهندسة الكيميائية والمتخصص في مجال العلوم والبحث العلمي بالمركز القومي للبحوث، أن الدول المتقدمة استطاعت أن توجد آليات عديدة وتعتمد على وسائل تمكنها من توفير الميزانيات اللازمة للإنفاق على البحث العلمي وتنويع مصادره، في الوقت الذي تواجه فيه البلدان العربية والمؤسسات البحثية والجامعية العديد من المعوقات والتحديات، ومن أهمها انخفاض مستويات التمويل، وتدني إسهام القطاع الخاص في شؤون التعليم العالي والبحث العلمي؛ مؤكدا أنه دائما ما تصطدم الطموحات في البلدان العربية للبحوث العلمية بالمشكلات والعوائق وقلة الإمكانيات.
أشار النجومي إلى أننا حين ننظر إلى التمويل العربي للبحث العلمي نجد أنه يختلف كثيرًا عن المعدل العالمي للإنفاق على البحث العلمي، لافتا إلى أنه حتى لو تقدم معدل الإنفاق العربي في الفترة من عام 1970م وحتى عام 2005م، فإن هذا التقدم حدث بشكل نسبي وضئيل جدًا مقارنة بالوضع العالمي المتسارع، ومن ثم فلا تأثير لهذا الارتفاع الضئيل على الفجوة الكبيرة بين الأقطار العربية والمجموعات الدولية في هذا المجال، مطالبا بضرورة منح البحث العلمي كل الأولويات وربط مخرجات التعليم به وزيادة فاعليته.
وأوضح أن الأقطار العربية تختلف فيما بينها من حيث حجم الإنفاق على البحث العلمي، مستدلا على ذلك بإحصائيات اليونسكو لعام 1999م، التي تشير إلى أن نسبة الإنفاق على البحث العلمي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي لم تتعد 0.5% في الأقطار العربية كافة، وهي نسبة ضئيلة عند مقارنتها بمثيلاتها في السويد وفرنسا، حيث بلغت 2.9% و2.7% على التوالي، فيما بلغت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في مصر، نحو0.4%، وفي الأردن 0.33%، وفي المغرب 0.2%، وفي كل من سوريا ولبنان وتونس والسعودية 0.1% من إجمالي الناتج القومي، في حين أوردت إحصائيات سنة 2004 أن الدول العربية مجتمعة خصصت للبحث العلمي ما يعادل 1.7 مليار دولار فقط، أي ما نسبته 0.3% من الناتج القومي الإجمالي.
مساندة القطاع الخاص
إلى هنا أرجع د.عيسى السحرتي، أستاذ التربية والعلوم بجامعة الإسكندرية، قصور التعاطي مع البحث العلمي في أغلب البلدان العربية، مقارنة بالدول المتقدمة، التي لها باع طويل في ذلك المجال، إلى عدم تخصيص ميزانية مستقلة ومشجعة للبحوث العلمية، لافتا في الوقت ذاته إلى أن معظم الجامعات في الدول النامية تركز على عملية التدريس أكثر من تركيزها على البحوث العلمية، بالإضافة إلى أن الدول المتقدمة ترصد الميزانيات الضخمة للبحوث العلمية لمعرفتها بالعوائد الضخمة التي تغطي أضعاف ما أنفقته، في حين يتراجع الإنفاق على البحوث العلمية في الدول العربية بسبب النقص في التمويل الذي تنفق نسبة كبيرة منه على الأجور والمرتبات.
وشدد السحرتي على ضرورة مساندة القطاع الحكومي الممول الرئيسي لنظم البحث العلمي في الدول العربية، حيث يبلغ حوالي 80% من مجموع التمويل المخصص للبحوث والتطوير، مقارنة بـ3% للقطاع الخاص، و7% من مصادر مختلفة، عكس الدول المتقدمة وإسرائيل، حيث تتراوح حصة القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي ما بين 70% في اليابان و52% في إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وأوضح أن هذا الإسهام الضعيف من قبل القطاع الخاص للمؤسسات البحثية يرجع إلى عدم تقدير القطاع الخاص لقيمة البحث العلمي وجدواه، إضافة إلى عدم كفاية الميزانيات التي ترصدها المراكز والجامعات ومؤسسات المجتمع للبحث العلمي وإلى الفساد المالي والإداري الملحوظ في الجامعات ومراكز البحوث العربية.
واستشهد أستاذ التربية والعلوم بالنماذج العربية في دعم البحث العلمي، كدولة الكويت التي فرضت نسبة معينة من أرباح الشركات لدعم «مؤسسة الكويت للأبحاث العلمية».تقدم كمعونة من القطاع الخاص، وكمورد إضافي لحركة البحث العلمي في جامعاتها ومراكزها البحثية، بالإضافة إلى التأكيد على أن القطاع الخاص عند دعمه للبحث العلمي سيكون هو أول المستفيدين من نتائجه على المدى الطويل، وأمثلة ذلك كثيرة في العالم، فهناك العديد من الشركات الكبرى التي تبنت ودعمت بحثًا ما في إحدى الجامعات وعند الوصول إلى النتائج كانت هي أول المستفيدين من هذا البحث، ومن ثم يعود عليها عائد مادي كبير لامتلاكها حق الاكتشاف والتبني، ونجد في أغلب جامعات العالم أن هناك مراكز بحثية يقوم على تمويلها ودعمها الشركات الكبرى أو القطاع الخاص عامة.
المخترعون يتحدثون
يقول إسماعيل هنداوي، أحد الشباب المخترعين، أن الكثير من الشباب العربي ليس لديهم الأموال، وبالتالي فإن الأمر يتطلب مجهوداً مزدوجًا لدعمهم من الدولة ورجال الأعمال والصناعة للقيام بالأمر، ويوضح أن المستثمرين لا يقومون بدورهم في دعم البحث العلمي والابتكار بالشكل المطلوب وعادة ما يلجأون إلى الخارج للحصول على التطوير أو حل مشكلاتهم الصناعية والإنتاجية، مشيراً إلى أن هذا الموقف يأتي في إطار نظرة مجتمعية واسعة لدور العلم ومكانته والاهتمام به.
أضاف هنداوي: العالم العربي لن ينمو إلا بالعلم التطبيقي الذي يؤمن به المجتمع بكل أطرافه، موضحا أن إغلاق الباب في وجه المخترعين في أغلب البلدان العربية يعبر عن عدم وعي أو تعنت أو ما شابه، مما جعل الكثير منهم يلجأون لإحراز أهدافهم في الخارج، ولكن الأمور تغيرت نسبيا بعد حالة التطور السياسي في المنطقة، من حيث السعي لتوفير الإمكانات المادية وتوافر وسائل المتابعة والتقييم وفق خطة محددة المعالم يشارك فيها القطاع الخاص وجمعيات رجال الأعمال ليكون جزءًا من دورهم المساهمة في التمويل. وأشار إلى أن تبني الموهوبين والمخترعين سياسة تتبعها الدول المتقدمة صناعيا مثل ألمانيا، حيث رعاية الباحثين دون التعقيد بنتيجة أبحاثهم سواء إيجابية أو سلبية، لتشجيعهم ومواصلة انطلاقهم.
