يتحول عدد كبير من طلاب الجامعات و الثانويات وحتى المدارس الإعدادية والابتدائية في الجزائر خلال أشهر الصيف الى أجراء موسميين يتوزعون على مختلف قطاعات النشاط. ويصادف موسم العطل المدرسية فترة الإجازات الصيفية للموظفين والعمال التي تبقى فيها الكثير من المناصب شاغرة يشغلها المؤقتون. وتستقطب قطاعات الزراعة والحماية المدنية (الدفاع المدني) والإدارة والخدمات العامة مئات الآلاف من شباب المدارس والجامعات ذكورا وإناثا وتشغيلهم بعقود مؤقتة تمتد من شهر لثلاثة أشهر تتوزع بكامل أنحاء البلاد وتخدم في الغالب الجانبين. وقدرت هيئة شبه حكومية القطاعات التي ينتشر فيها الموسميون من الطلاب بما يزيد عن مئة مجال من القطاعين الحكومي والخاص.
صيف قصير مدخول اقل
على شاطئ بلدة "زرالدة" الساحلية التي تبعد 30 كلم الى الغرب من العاصمة، يعمل تسعة أعوان للدفاع المدني من طلاب الجامعات والأقسام النهائية في الثانويات كمنقذين يسهرون على سلامة المصطافين. مصطفى هو اكثرهم حركة وحيوية واندفاعا للحديث. قال انه الموسم الثالث على التوالي الذي يعمل به بهذا الشاطئ ويتقاضى اجرا يرضيه ويسمح له بتجهيز نفسه للدخول الجامعي الجديد بل ومساعدة اسرته بشيء من المال. وقال ان ضيق موسم الاصطياف هذا العام بفعل الشهر الكريم الذي يغطي كل أغسطس يقلص من مدخوله ويعمل فقط شهري يونيو ويوليو. وقال مصطفى ان عدد من يعملون كحراس شواطئ من الطلاب بالمئات معظمهم يتكفل برعاية اطفال المخيمات الصيفية الذين يأتون من ولايات الداخل البعيدة عن السواحل وهم في الغالب لا يحسنون السباحة ويندفعون في البحر بلا حساب. ويستعد معظم هؤلاء الشباب لشغل مخالف تماما خلال شهر رمضان، فمنهم من يفتح محلات لبيع الحلويات والزلابية وهو شغل مربح ايضا يعوضون به ما يخسرونه بفعل توقف نشاط الشواطئ. و رفع شباب يؤجرون المشمسات والكراسي والطاولات على الشواطئ الاسعار وبرروا ذلك بضيق فصل الاصطياف.
ويجوب الشواطئ أيضا آلاف من الأطفال والمراهقين بين الثانية عشرة والثامنة عشرة معظمهم تلاميذ مدارس يبيعون المشروبات الباردة و القهوة والشاي وأنواعا من الأكل الخفيف. ومثل مصطفى وزملاؤه فان مريم وهي طالبة بجامعة العلوم والتكنولوجيا في باب الزوار بالعاصمة تقلص اجرها أيضا الى النصف تقريبا لان موسم الأعراس صار أضيق مما كان. فقد اعتادت منذ كانت في ثانوية حي العناصر التقنية العمل صيفا نادلة في قاعات الأفراح وتحصل على اجر مهم. وقالت ان عددا كبيرا من العاملات في مثل هذه القاعات خلال الأعراس طالبات يوجهن المدعوين و يوزعن الحلويات والمشروبات ويعتنين بالأطفال المرافقين للعائلات المدعوة. والناس صاروا يفضلون المتعلمات في مثل هذه المهمات. ومن الطالبات الماهرات في الطبخ من يشاركن في إعداد الحلويات ومختلف الأطباق التي تقدم للمدعوين.
اجور مضاعفة لقطف الخضار والفواكه
وبعيدا عن العاصمة في أقصى شرق البلاد تمتد حقول الطماطم الصناعية وبساتين الفاكهة على آلاف الهكتارات ويحتاج قطفها لآلاف من العمال الموسميين ، ويعرض هذا القطاع اكبر عدد من المناصب كل صيف لان الخضار والفاكهة تنضج بدفعات كل يوم واي تاخر في قطفها ينجم عنه خسائر كبيرة. وبعد ان كان الطلاب هم من يبحثون عن الشغل صار الشغل يبحث عنهم وبحوافز كبيرة نتيجة اتساع رقعة المساحات المخصصة لزراعة الخضار وأشجار الفاكهة. وقال احد المستثمرين يملك مطاحن ومصانع للدقيق والتصبير " لقد صرنا نحتاج ليد عاملة من خارج البلد بعدما قل من يشتغل من الجزائريين... هؤلاء الطلاب يقبلون بالمئات لكن العدد غير كاف. نحن نشجعهم بزيادة الاجر... فهم يقبضون هذا العام ضعف ما كانوا يقبضون العام 2008". ويجمع راسم و عبد اللطيف و جعفر والثلاثة من جامعة باتنة التفاح و المشمش والخوخ والايجاص والعنب والتين من البساتين الشاسعة في ولايتهم وأكدوا أنهم يكسبون أكثر مما يكسب رفاقهم ممن يعملون موسميين في قطاعات الخدمات الأخرى في الإدارة و محطات توزيع الوقود وغيرها. ويشتغل الطلاب في ولايات الجنوب عموما مثل ورقلة والواد و غرداية وغيرها في بساتين النخيل يجمعون ويرتبون ويعلبون ويعبؤون في الشاحنات لان عملية القطف من فوق الأشجار تحتاج الى مجربين مهرة. وموسم القطف يمتد حتى في شهر رمضان مثله مثل فرص عمل أخرى يحصل عليها الطلاب والتلاميذ. فمن البيع في الأسواق الى تقديم الدروس الخصوصية للتلاميذ المتأخرين او الذين يريدون استباق السنة الجديدة مرورا بالعمل في وسائل النقل والبناء وجز الخراف وجني الثمار والإنقاذ في الشواطي وصالات الأعراس وتنظيم المعارض وغيرها، الجميع يجري وراء راتب يمكنه من تحضير الموسم الدراسي الجديد وتخفيف الأعباء على العائلة. الظاهرة اتسعت لتشمل ابناء عائلات لم تكن تتصور قبل عشرين عاما من الآن أن أبناءها سيحرمون من العطل لجمع المال... عائلات كانت تنتمي للطبقة الوسطى فعصفت بها الأزمات الى قاع المجتمع وصارت تستعين بدنانير الصبية.
