تتقلب أجيال البشرية بين العصور منذ أبونا آدم عليه الصلاة والسلام وحتى اليوم، وكأنها في سباق تتابع لانهائي، في تداول سلمي وغير سلمي للحياة والسلطة والأيام.
البعض يذهب إلى وصفه بالصراع، وآخرون يرون أنه تكامل، فيما هو في الحقيقة، الأمران معا، ولكنه الصراع الذي يقود إلى التكامل، حتى وإن بدت الصورة ان بين الأجيال فجوة عرضية وطولية يصعب ردمها.
يمتلك القائلون بإن خطوط تداول الأجيال المعاصرة للحياة هي الخطوط الأكثر وضوحا وقسوة بين نظيرتها الماضية، كما كبيرا من البراهين على قولهم هذا، وذلك لسرعة تقلّب أدوات المعيشة التي بين يدي الجيل المعاصر، وبالتالي انكشاف حقائق جديدة يعلم علماء الاجتماع والنفس والاقتصاد أنها ستقود بسرعة إلى متغيرات ضخمة في الأجيال القادمة.
إنها متغيرات تكنولوجية ضخمة لا بد وأن تقود إلى عوالم ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية لم تكن سابقا في الحسبان.
ولكن لدى أستاذ علم الاجتماع الدكتور موسى شتيوي مدير المركز الاردني للبحوث الاجتماعية ما يقوله في هذا الصدد: "هذه المتغيرات لن تكون الان وليس بعد عام أو عامين".
ويشير د. شتيوي إلى "الفجوة بين الأجيال على أنها من سمات البشرية على مر التاريخ وهي غير مخيفة ولا تدعو إلى القلق.
يقول: "الفجوة بين الأجيال موجودة بغض النظر عن المتغيرات التكنولوجية التي طرحت على البشرية اليوم أسلوب حياة ونمطا مختلفين". بالنسبة إلى شتيوي فإن "الفجوة تتضاءل كلما اقتربت الأعمار فيما بينها، ومن هنا يعمل هذا التدرج العمري على تبريد حدة التناقضات والتخفيف من الصراع بين الأجيال ليتحول في النهاية إلى عامل تكامل".
ولا تبرز هذه الفجوة بين الاجيال لدى المجتمعات العربية والاسلامية، فهي نواميس طبيعية انسانية عامة، ولكن المشكلة في منظقتنا تبرز أكثر مع ارتفاع نسبة غير المتعلمين حيث ستكون الفجوة أعظم وأخطر ولكن مع مرور الوقت ستأخذ منحاها الطبيعي.
وينوه إلى أن "حجم الفجوات بين الاجيال مختلف حسب الفارق المعرفي بينهما، وبهذا ستظهر اليوم وبشكل واضح بين جيل أميّ تكنولوجيا وآخر عاش على التكنولوجية".
أما الإقتصادي الأردني محمد البشير فان له كلمة أخرى يبتعد فيها عن المحور الرئيسي متعمدا ليقول: "بين سندان الفقر ومطرقة البطالة والفساد يبدو الحديث عن صراع او تكامل الاجيال مسألة ترفية".
ويضيف، في كثير من الاحيان نقوم بتوريث الفقر، والبطالة، كما نقوم بتوريث الفساد، وبهذا المعنى تندرج كل الاجيال في سلة واحدة فيها الفقر والبطالة والمعاناة من الفساد.
وبمعنى آخر أيضا يصبح هناك فريقان ولكن لا ينقسمان استنادا إلى العمر، بل إلى شرائح ولكن معرفية واقتصادية واجتماعية، فيعود حينها كل جيل إلى شريحته. فاذا كان الجد والاب يعانيان الفقر والجهل، فان الغالب الاعم ان يعاني جيلهما الصاعد الابن والحفيد من ذات الداء.
استاذة علم الحديث الدكتورة أمل صالح ترى أن تعزيز مصطلح صراع الاجيال انما هو تعزيز لفكرة انسلاخ المعاصر عن الماضي، وهو محال.
تقول: بينما تستفيد الامم من تداول الحياة بين الاجيال يراد لنا نحن العرب المضي الايمان بان صراعا في حدائقنا الخلفية يدور فيما بين الاجيال، رغم أن الربيع العربي اثبت ان الجيل المتقدم مستعد لتسليم زمام المباردة للجيل الشاب متى طلبها الاخير. فها هي الثورات يقودها الشباب ويحرس نظريتها الكهول في تناغم أثبت قدرته على المضي إلى الأمام حتى النهاية.
إلا أن د. صالح تستدرك بالقول: إذا كان المقصود عن ردود الفعل التي ستظهر في الجيل الجديد وسط كل هذه المعاناة وهل سيتبع ذات اسلوب الجيل الذي سبقه؟ فان الاجابة على هذا السؤال لا بد وأن تشمل جميع مناحي الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية التي وضع بها الجيل الجديد. وهي اوسع من ان تستحضر هنا.
وتختم صالح بمقارنة بين ثقافة التواصل في الغرب وثقافة نبذ الآخر في الشرق، وتقول انه سلوك صراعي تحول تدريجيا إلى مفهوم "صراع الأجيال" ليتم الانطلاق لاحقا إلى صراع فكري وديني، بهدف انسلاخ الأمة عن ما يجمعها من دين ولغة بل وحياة.
