حذر الدكتور هاني جهشان، مستشار الطب الشرعي والخبير لدى الأمم المتحدة في مواجهة العنف من تفاقم حالات وفيات الاطفال في الاردن بسبب غياب نظام أو آلية وطنية للتحقق من وفيات الأطفال.

وقال إن حالات وفيات الاطفال تشكل إنذارا حقيقيا لمراقبي مؤشرات الصحة العامة وصحة الأطفال، معربا عن اسفه من اللامبالاة الرسمية في التعامل مع هذه القضية.

وحول ما يعرف بـ »متلازمة وفاة المهد« فقال انها شكلت جزءا مهما من وفيات الأطفال المفاجئة والغامضة، مشيرا الى ان هذه الحالة لا تزال مبهة الاسباب في الأدبيات الطبية حيث يتوفى الرضيع فجأة رغم غياب أي دليل لأسباب مرضية أو سمية أو إصابية واضحة.

وتاليا نص الحوار:

ما هي الأسباب التي تتصدر حالات وفيات الأطفال المفاجئة في المملكة؟ وماذا نعني بحالات وفيات الاطفال المفاجئة؟ وهل يدخل العنف ضد الاطفال اذا ادى الى الوفاة من انواع الوفاة المفاجئة للأطفال؟

الغموض في ظروف وفيات الأطفال المفاجئة واحتمالية أن سببها يتراوح ما بين سبب ذي منشأ طبيعي وسبب مرتبط بإصابة ناتجة عن عنف أو إهمال، يعكس آثارا سلبية على الأسرة. وقد يعرض افرادها لاتهامات غير حقيقية أو غير مناسبة، وعلى النقيض قد يؤدي هذا الغموض إلى الإخفاق في اكتشاف الوفيات الناتجة عن العنف والإهمال. هذا الوضع قد يتفاقم بسبب غياب نظام أو آلية وطنية للتحقق من وفيات الأطفال متعددة المهن القضائية والصحية والاجتماعية.

الأعم الأغلب من وفيات الأطفال الناتجة عن أمراض أو إصابات عرضية أو عنف أو إهمال هي ليست بعشوائية، بل يمكن الوقاية منها، وتَقَبُل المفهوم في الثقافة السائدة من أن وفيات الاطفال هي قضاء وقدر مكتوب، هو خطأ يتعارض مع الأدبيات الطبية والعلمية ويشكل انتهاكا واضحا لحقوق الطفل بالحياة وبالصحة وبالحماية، فوفيات الأطفال الإصابية الناتجة عن حوادث السير والحوادث المنزلية من مثل السقوط والتكهرب والحروق يمكن الوقاية منها بشكل شبه كامل، وكذلك إصابات الأطفال الناتجة عن العنف من الممكن منعها والحد من تفاقمها للوفاة، كما وأن وفيات الأطفال المرضية المفاجئة وما يعرف بوفاة المهد هي أيضا حالات أثبتت الأدبيات الطبيبة أنه يمكن خفض نسبة شيوعها إلى حد كبير.

 

الوفيات متفاوتة

هل ما زالت متلازمة وفاة المهد الاكثر انتشارا في المملكة؟ وماذا عن وفيات الرضع نياما؟

شكلت وفيات الأطفال (223 حالة) ما نسبته 14.1% من الوفيات التي كشف عليها في المركز الوطني للطب الشرعي في عمان العام الماضي، وتراوحت بين وفيات أطفال مفاجئة لم يسبقها أعراض مرضية واضحة (111 حالة 50%) بعضها كان بظروف غامضة، ووفيات أطفال ناتجة عن إصابات (96 حالة 43%).

وتتصف هذه الاصابات في أغلب الأحيان بظروف إهمال كحوادث السير أو الإصابات المنزلية أو بفعل مقصود كالإساءة والعنف أو القتل المباشر، كما وتم خلال نفس العام (2008) الكشف على (16 حالة) أي مانسبته 7% لوفيات اجنة داخل الرحم أو أثناء الولادة او جثت للقطاء عثر عليهم في أمكان عامة.

وشكل الأطفال الذين أعمارهم أقل من سنة واحدة 69% (76حالة) من وفيات الأطفال المفاجئة والغامضة (111حالة) التي كشف عليها بالمركز.

وهذا الرقم يشكل إنذارا حقيقيا لمراقبي مؤشرات الصحة العامة وصحة الأطفال، فللأسف يتم التعامل مع مثل هذه الوفيات بلامبالاة من قبل الجهات الرسمية كما وتعتبر أنها قدرا مكتوبا من قبل والدي الطفل، ولقد أظهرت النتائج التشريحية لأغلب هذه الحالات وجود مؤشرات لالتهاب رئوي، وتأسيسا على هذه النتائج فإنه لمن غير المقبول أن نكون في نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ولا يزال لدينا أطفال يموتون فجأة من الالتهاب الرئوي بتوفر خدمات صحية وقائية وعلاجية يفترض أنها سهلة النفاذ لكل الأطفال.

 أما ما يعرف بمتلازمة وفاة المهد فشكلت جزءا هاما من وفيات الأطفال المفاجئة والغامضة، وهذه الحالة لا تزال مبهة الاسباب في الأدبيات الطبية حيث يتوفى الرضيع فجأة على الرغم من غياب أي دليل لأسباب مرضية أو سمية أو إصابية واضحة. لقد أثبتت الأدبيات الطبية أنه يمكن خفض نسبة الوفيات من متلازمة وفاة المهد بشكل كبير باتباع رعاية للأطفال تتصف بتوفير بيئة نوم آمنة لهم من مثل وضع الطفل على ظهره أثناء نومه، وتجنب نومه في فراش والديه.

 

مسؤولية وطنية

ماذا عن الوقاية من هذين النوعين من وفيات الأطفال المفاجئة (الالتهاب الرئوي ووفاة المهد)؟

الوقاية مسؤولية وطنية تتطلب التوعية والتثقيف الصحي وتوفير الرعاية الطبية سهلة النفاذ لكافة الأطفال في حال ظهور أية أعرض تبدو بسيطة عليهم، فقد نصت المادة 24 من اتفاقية حقوق الطفل على أنه »تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في التمتع بأعلى مستوى صحي يمكن بلوغه وبحقه في مرافق علاج الأمراض وإعادة التأهيل الصحي. وتبذل الدول الأطراف قصارى جهدها لتضمن ألا يحرم أي طفل من حقه في الحصول على خدمات الرعاية الصحية هذه».

اما نسبة الأطفال الذين يعانون من إعاقات حركية وشلل دماغي وماتوا فجأة فكانت 25% (28 حالة) من مجمل وفيات الأطفال المفاجئة والغامضة (111حالة) أغلبهم تجاوزوا السنة الاولى من العمر.

ومثل هذا الوفيات المفاجئة لأطفال يعانون من إعاقات هي مستغربة بطبيعة الحال لأنه من المتوقع أن يكونوا تحت الرعاية الطبية المستمرة، كلٌ حسب حالته، وهي مؤشرٌ جلي على إخفاق المؤسسات المعنية برعاية المعاقين بتقديم الرعاية الخاصة التي يستحقها كل طفل معاق وبالتالي انتهاكا يتجاوز انتهاك حقوق الطفل بالحياة والصحة والحماية إلى انتهاك حق الطفل المعاق بهذه الرعاية الخاصة التي نصت عليها المادة 23 من اتفاقية حقوق الطفل؛ »تعترف الدول الأطراف بوجوب تمتع الطفل المعوق عقليا أو جسديا بحياة كاملة وكريمة، وبحقه في التمتع برعاية خاصة»، كما ونصت اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في المادة 25، والتي تم المصادقة عليها من الأردن أيضا، على أنه »تعترف الدول الأطراف بأن للأشخاص ذوي الإعاقة الحق في التمتع بأعلى مستويات الصحة دون تمييز على أساس الإعاقة«.

 

حوادث الإصابات

ماذا عن نسب وفيات الأطفال الاصابية الناتجة عن حوادث السير والحوادث المنزلية من مثل السقوط والتكهرب والحروق؟

وفيات الأطفال الناتجة عن إصابات وحوادث عرضية (85 حالة) والتي تم الكشف عنها في المركز العام الماضي وتراوحت بين وفيات أطفال ببيئة خطرة داخل المنزل (33 حالة ـ 39%) وهي في الأعم الأغلب من الأحيان تتصف بالإهمال كسقوط من علو والحروق النارية والحروق السلقية والاختناق بأول أكسيد الكربون، والغصص بأجسام غريبة والصدمة الكهربائية والتسمم، وبين وفيات أطفال ببيئة خطرة خارج المنزل (52 حالة ــ 61%) وهي أيضا تتصف بالإهمال بتعريضهم لمخاطر يمكن الوقاية منها، وأهمها حوادث السير بدهس الاطفال أثناء لعبهم أو تواجدهم على الطرقات (37 حالة ــ 43%) والغرق في برك وتجمعات المياه أثناء التنزه (13 حالة ــ 15%).

لقد تم تصنيف إهمال الأطفال كشكل جلي من أشكال العنف ضدهم في دراسة الأمين العام للأمم المتحدة المتعلقة بالعنف ضد الأطفال (عام 2006)، وهذا كان قائما على مرجعية الدليل العلمي أنه يمكن الوقاية من الإصابات والوفيات الناتجة عن الإهمال، وبالتالي يكون الاخفاق بتوفير الاحتياجات الأساسية للطفل بما فيها البيئة الآمنة هي فعل عنف مقصود، ومن غير المنطقي قبول حدوث هذه الوفيات بلا مبالاة على أساس أنها قضاء وقدر أو أنها ناتجة عن الجهل أو الفقر والحرمان، فإن كانت تبدو أن المسؤولية المباشرة عن توفير البيئة الآمنة للطفل هي مسؤولية الوالدين أو راعي الطفل، إلا أن إتفاقية حقوق الطفل بالمادة 19 نصت بشكل واضح، لا يتضمن أي غموض، أنها مسؤولية الدولة.. »تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية والإهمال أو المعاملة المنضوية على إهمال».

10 حالات موت العنف

 

وفيات الأطفال الناتجة عن تعرضهم لعنف (10 حالات) شكلت ما نسبته 4.5% من مجمل وفيات الأطفال التي تم الكشف عليها و10.4% من وفيات الأطفال الناتجة عن إصابات، وتراوحت هذه الوفيات ما بين كونها ناتجة عن تعرض الطفل لإساءة جسدية أو جنسية وبين كونها جنائية كالطعن والخنق وإطلاق المقذوفات النارية، وفي أغلب هذه الحالات كان الجاني معروفا لدى الطفل أو قريبا له. إن تفاقم حالة تعرض الطفل للإساءة والعنف لمرحلة تؤدي إلى وفاته هي مؤشر على الإخفاق في نظم التعرف المبكر على هذه الحالات من قبل المهنيين في القطاعات المختلفة.

وكذلك مؤشر على عدم كفاية التدابير الوقائية الفاعلة لمواجهة العنف ضد الأطفال، فقد نصت الفقرة 2 من المادة 19 من اتفاقية حقوق الطفل على أنه ينبغي أن تشمل التدابير الوقائية إجراءات فعالة لوضع برامج اجتماعية لتوفير الدعم اللازم للطفل؛ لتحديد حالات إساءة معاملة الطفل والإبلاغ عنها والإحالة بشأنها والتحقيق فيها ومعالجتها ومتابعتها وكذلك لتدخل القضاء حسب الاقتضاء. على الرغم من أنه لا يمكن تحديد خط فاصل واضح المعالم ما بين ظروف الوفاة الناتجة عن العنف والوفاة الناتجة عن الإهمال، باعتبار أن إهمال الطفل هو فعل مقصود، إلا أنه يتوقع أن تكون الوقاية من حدوث الوفاة المرتبطة بالعنف أسهل نسبيا في حال اكتشافه مبكرا.