بالرغم من تلك النظرة المجتمعية الضيقة للمرأة المطلقة التي غالباً ما تحمِّلها كامل المسؤولية عن طلاقها وتنظر لها على أنها "كائن مهمل"، نجد كثيراً من هؤلاء استطعن أن يخرجن من ذلك النفق المظلم إلى النور؛ ليقمن بدورهن في الحياة وتربية الأبناء والقيام بواجباتهن تجاه أسرهن ومجتمعهن..
علم اجتماع
ووفقا لما يؤكده العديد من علماء الاجتماع، ومن بينهم د. نسرين البغدادي أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، فإن المرأة المطلقة إذا أرادت الخروج من عنق الزجاجة لترى الحياة بعين فاحصة فلا بد لها من الحذر من عدم الوقوع في فخ لوم النفس وتوبيخها، خاصة أن الطلاق دائما يكون بأمر الله ولا يمكن تجاوز محنة الطلاق إلا بالتماسك والإيمان القوي بقضاء الله وقدره، وأن تؤمن بأن أبناءها هم فلذات كبدها وليس من صلب أبيهم وحده، وهي مسؤولة عنهم وإذا شاركها طليقها في تحمُّل مسؤوليتهم فهذا "خير وبركة" وإن لم يقم بواجبه تجاههم عليها أن تدرك أنها مسؤوليتها.
وعلى الأم المطلقة أيضا أن تنمِّي في الأبناء روح التماسك واحترام الكبير، وأن تتحدث عن والدهم أمامهم بشكل طيب حتى توفر لهم المناخ النفسي الملائم لإنشاء أسرة كريمة.
وتشير البغدادي أن هناك مطلقات كثيرات رفضن أن يكون أبناؤهن محل شفقة أو إحسان من آخرين حتى ولو كانوا أشقاءها، وهذا الفهم جعلهن راضيات ومقتنعات بأن يكن خادمات لأطفالهن دون النظر إلى أنهم أطفال زوجها السابق وترعاهم بضمير ومسؤولية مهما كان الجرح كبيراً من ذلك الزوج الذي هرب من مسؤولياته.
أمل بالأبناء
وأخيرا تدعو أستاذ علم الاجتماع كل مطلقة لأن تنظر للحياة على أنها مستمرة وجميلة وتكون لديها قوة إيمان تجعلها متماسكة نفسيا وتدرك أن أبناءها الصغار هم أغلى ما لديها وأنهم مصدر للبهجة والمستقبل وتستطيع أن تحافظ على لياقتها وشبابها حتى تؤدي رسالتها في الأمومة وهي صامدة وواثقة حتى يكبر الأبناء.
وتستشهد البغدادي بقصة تلك المرأة الخمسينية التي تدعى "هاجر" فقد طلقها زوجها ولها 4 أطفال كان أكبرهم في العاشرة من عمره، وقتها نذرت نفسها لتربيتهم، غرست فيهم القيم النبيلة بعد تخلي زوجها عن أبنائه، وحاليا أبناؤها الأربعة كلهم حاصلون على درجات علمية رفيعة.. فتلك المرأة تماسكت ولم ترَ أمامها إلا هؤلاء الأبناء حتى لا يكونوا ضحايا، ومن هنا وصلت إلى نقطة النهاية بمكاسب كبيرة.
جروح الماضي
أيضا تقول سيدة مطلقة أخرى تدعى " م.ع" إنها بعد طلاقها بعام كامل دون أن يسأل زوجها السابق عن أبنائه أخذتهم وهم في أفضل حال وقدمتهم له لمشاهدتهم للتقرب إليه، رغم أنه لم يكن راغباً ولكن كانت غريزة الأبوة تغلبت عليه، فبدأ يسأل عنهم دون أن يقدم لهم شيئا للمساهمة في تربيتهم، فرأت في ذلك أكبر مكسب وهي قادرة على المسائل المادية التي مهما عظمت فهي لا تساوي شيئا أمام تلك المشاعر الأبوية تجاه الأبناء. إلى هنا يتفق علماء النفس أن المطلقة المثالية هي التي تستطيع أن تكسب احترام الآخرين من خلال أداء رسالتها وتتجاوز كل جروح الماضي وترسم البسمة على وجهها أمام الأبناء.. وهذا ما تؤكده سميحة التي تقول: رغم طلاقي منذ 11 عامًا لم التفت إلى الماضي، وظل أولادي من نجاح إلى نجاح، نسيت كل معاناة سببها لي والدهم وغفرتها له من أجل أن يكون قريبًا منهم متى احتاجوا إليه، وقد حدث عندما جاء بعدها إلى منزلنا واحتفل معي وأسرتي بتخرج أحد أبنائنا بتفوق، وكان وجوده نجاحًا جديدًا لي ولأبنائه معنويًا واجتماعيًا.
