في الانتخابات الرئاسية لعام 2004 ترشحت زعيمة حزب العمال اليساري في الجزائر لويزة حنون لرئاسة البلاد وكان في مواجهتها خمسة رجال ولم تبلغ نسبة الأصوات التي كسبتها 1 بالمئة. وأعادت الكرة عام 2009 مقابل خمسة رجال أيضا فرفعت رصيدها لكن إلى حدود 2 بالمئة فقط، وشحذت تلك النتيجة المدوية أقلام كتاب الافتتاحيات والأعمدة والمقالات، وعلق أحدهم عليها بالقول لو استمر الحصاد على هذا النحو ستكون المرأة بحاجة إلى 48 دورة انتخابية أخرى للفوز بكرسي الرئاسة في الدور الأول، وإذا علمنا ان كل فترة انتخابية تدوم خمس سنوات فإن بلوغ المرأة الرئاسة يكون بعد مرور قرنين من الآن على الأقل، حين تكبر حفيدة من الجيل السادس بعد لويزة حنون .

هذا التقدير طبعا جاء مجردا ولم يأخذ بالحسبان خصوصية الانتخابات التي سيطر عليها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ونال فيها كل منافسيه نسبة ضعيفة جدا، كما لم يأخذ في الحسبان تراكمات التحول اللاحقة في المجتمع. وزعيمة حزب العمال فازت بمقعد في البرلمان أربع مرات متتالية منذ عام 1997، لكن في قائمة مختلطة ترأستها وتضم أيضا رجالا مثلها مثل باقي الفائزات بمقاعد في البرلمان لذا فهذا الفوز لا يشكل ـ بنظر الخبراء ـ قاعدة بيانات للحكم على مدى الإقبال على انتخاب المرأة.

ويكاد الإجماع أن يحصل حول طول الطريق التي على المرأة سلوكها لبلوغ منصب الرئاسة كون المنصب يتعلق بموقف الناخبين يعني إفرازا لتطور المجتمع بشكل من الأشكال. فيما يمكن للمرأة أن تحتل أي موقع آخر يكون نتيجة تعيين او نتيجة فوز على قوائم مشتركة مع الرجال. ولم يجرب حتى الآن تقديم قائمة انتخابية خاصة بالنساء.

 

عوائق مركبة

لعل تلك القراءة للواقع هي ذاتها التي دفعت المحامية الجزائرية فاطمة الزهراء بن ابراهيم إلى الاعتقاد بان المرأة في الجزائر ستصل لمركز القرار لكن ليس الآن وليس في الأمد القريب والمتوسط , فثمة عوائق مركبة تعترض سبيلها احدها ذهني والآخر عملي آلي. فمن جهة لا يزال الجهل والتمييز جاثما في المجتمع ويستفيق من حين لآخر في شكل تفسيرات متخلفة للدين بعدم جواز إمامة المرأة ما معناه عدم جوائز قيادتها للبلد. وأوساط الجهل والتجهيل تنشط لوقف مسار تطور المرأة في أمور حتى اقل من بلوغ مركز الرئاسة.

ويتمثل العائق العملي في تأخر دخول الجزائرية المعترك السياسي الذي كان لعقود بمثابة العمل الشاق الخاص بالرجال. وهو ما جعلها بعيدة عن الواجهة ولم يألف المجتمع بعد ظهورها على المسرح السياسي. فاطمة الزهراء وهي أشهر محاميات الجزائر حاليا تقول إن نسبة المسجلين على القوائم الانتخابية متساوية أو تكاد بين الذكور والإناث. لكن حتى المرأة وهي داخل حجرة التصويت السري وحدها ولا احد يضغط عليها تصوت للرجل، وهذا يؤكد لنا ان زمن رئاسة المرأة لا يزال بعيدا. فالأمر لا يتعلق فقط بعوائق من الرجل. ولكن أيضا بالاستعداد المجتمعي الذي يحتاج أن يتربى تدريجيا.

وعكس هذه النظرة تجسدها الوزيرة المنتدبة للأسرة وشؤون المرأة سعدية نوارة جعفر حيث قالت إن الأمر يتعلق بشجاعة سياسية أولا. فلو اتخذ قرار مثلا بتعيين امرأة في منصب وزير أول لسارت الأمور بشكل عادي ولمهد الطريق لمنصب اعلى. حين تتخذ القرارات الشجاعة يتراجع المتخلفون ويسايرون القرار. المرأة في الجزائر بلغت مستويات تعليمية ومهنية راقية والجرعة السياسية التي تكمل هذا التطور سيكون بالقرارات الشجاعة.

وقالت إن الاتجاه نحو سن قوانين تحتم على القيادات الحزبية تخصيص نسبة معينة من النساء على القوائم الانتخابية ولتكن 30 بالمئة مثلا يكرس التوجه نحو ترقية الدور السياسي للمرأة وبالتالي يصبح بلوغها منصب الرئاسة أمرا عاديا. والأمر هنا يتعلق فقط بتطبيق بنود الدستور التي تساوي تماما بين الجنسين في الحظوظ وفي الحقوق والواجبات والمكانة الاجتماعية فلينسحب هذا على السياسة لكن بمساعدة رسمية أولا.

 

صعوبات عديدة

ويرى عبد الناصر جابي الأستاذ الباحث في علم الاجتماع السياسي في جامعة الجزائر أن أمام المرأة العربية عموما مشوارا طويلا لبلوغ مستويات قيادية في الشأن السياسي، وقال المرأة العربية اعتقد أنها مازالت بعيدة عن الوصول إلى موقع القاضي الأول في كل البلاد العربية ,حتى وان حققت الكثير من النجاحات على مستوى التعليم والعمل والحضور في الفضاء العام بدرجات متفاوتة حسب تطور كل مجتمع عربي .لا يعني هذا ان المرأة لا يمكن أن تصل إلى مواقع سياسية مهمة أخرى مثل مواقع داخل البرلمان والحكومة والأحزاب وهو ما هو حاصل فعلا .

المرأة العربية والجزائرية بالطبع تتحدى الكثير من الصعوبات اليومية وتلك التي تضعها أمام الكثير من القوى الاجتماعية المتخلفة والمحافظة وتلك النظرة القاصرة الموجودة لدى بعض الفئات ومع ذلك حققت النساء الكثير على مستوى التعليم خاصة والعمل ثانية وبدرجة اقل على مستوى الحضور العام. وقد بلغت المرأة في الجزائر كل المناصب المهنية لكنها في المواقع السياسية لا تعين إلا فيما يتصل بجنسها وبالأسرة والشؤون الاجتماعية , وعلى ابعد تقدير التعليم والثقافة ولم يسبق أن احتلت منصب الوزير الأول ولا حقيبة الداخلية او الخارجية او العدل أو حتى المالية والدفاع ولا حتى السياحة و الزراعة والميا, فكم بقي لها لتبلغ موقع القاضي الأول في البلاد الذي يتمتع به رئيس الجمهورية؟ .