قال السياسي اللبناني كمال شاتيلا، إنه توقع حدوث الثورة المصرية التي كان انتصارها واضحاً بعد وقوف الجيش إلى جانب الشعب باعتباره شريكاً أصيلاً فيها. وعبر عن خوفه من الوثائق والتصرفات الأميركية التي قد تؤدي إلى تقسيمات في الدول العربية لخدمة المصالح الأجنبية والصهيونية. وأضاف يمكن لمصر استعادة دورها العربي واللإقليمي، إذا حافظت على وحدتها الوطنية، وأعادت النظر في اتفاقية كامب ديفيد.

وأكد أن إسرائيل تلعب دوراً لا يخفى على أحد، وذلك عبر تأجيجها المشكلات بين أبناء الوطن الواحد وزرع بذور الطائفية في الدول العربية، وخاصة في مصر، لكي لا تعود قوية كما كانت في السابق.

وعن لبنان قال إنها بعد الحرب الأهلية تواجه مطالب شعبية لتطبيق الدستور الذي لم يطبق بشكل كامل. جاء ذلك في حوار أجرته معه «البيان» خلال وجوده في العاصمة المصرية القاهرة ليطلع على ثورتها عن قرب، وهنا تفاصيل ما جرى من حديث..

هل توقعت سقوط النظام المصري السابق سريعاً وخلال 18 يوماً فقط؟

أمام إرادة شعب انتفض كله ضد الاستبداد بعد أن عانى 30 عاماً من الظلم السياسي والاجتماعي، ليس غريباً على شعب له ماض بثوراته عبر التاريخ أن يحدث ذلك، وقد كنت أتوقع تلك الثورة التي حدثت، ولكن حقيقة الأمر كنت أخشى من الفوضى الشاملة التي لا تبقي ولا تذر، ويستغلها الأجنبي الذي خطط للتقسيم في مصر، ولكن نحمد الله ألف مرة على أن الثورة الشعبية التي التحم معها الجيش وكان شريكاً أصيلاً فيها، حتى انتصرت في نهاية المطاف.

ما انعكاسات الوضع الحالي في مصر على الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام؟

منذ اليوم الأول للثورة ولكوني شبه متخصص في مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أطلقته الولايات المتحدة الأميركية سنة 2001 في بداية عهد جورج بوش الابن والقاضي بتقسيم سبع دول عربية من بينها مصر وإزالة الهوية العربية للمنطقة لتتحول إسرائيل من صغرى إلى كبرى. ولكوني متخصصاً في هذه الوثائق والتصرفات التي تقوم بها الولايات المتحدة البعض يخشى بطبيعة الحال حدوث وقيعة بين الشعب والجيش، ومن ظهور فوضى بصورة من الصور، في مصر لتشكل من جانب المستعمرين والصهاينة اختراقاً من أجل احتواء الثورة أو دفعها في اتجاهات تخدم مصالح الأجانب وليس المصريين والعرب. كما يخشى البعض أيضاً على الثورة من محاولات التقسيم كما حدث في السودان والعراق عبر تفجير مشكلات طائفية وعرقية في مصر. وخير دليل على ذلك ما حدث قبل فترة بكنيسة العذراء في إمبابة، وكلها أمور مازلنا نخشى منها حتى الآن، وعلى الرغم من ذلك نحن نشعر بأن مصر سوف تستعيد بسرعة دورها العربي، الذي كان مفقوداً، وذلك عبر نشاط جيد للدبلوماسية المصرية الجديدة.

هل معنى ذلك أن مصر تستطيع استعادة دورها العربي والإقليمي بالرغم من الظروف التي تمر بها حالياً؟

نعم تستطيع أن تستعيد دورها بشرط استمرار حفاظها على وحدتها الوطنية، فتعزيز هذه الوحدة يؤدي بطبيعة الحال إلى تنشيط الدور الخارجي لمصر عموماً والعربي خصوصاً، ونرى كيف قامت بسرعة بزيارة لرئيس الوزراء المصري للسودان لإحياء عملية التكامل بين البلدين، وهي مسألة استراتيجية في غاية الأهمية، فهناك تحرك مصري آني من أجل إجهاض المؤامرات لتخفيض حصة مصر من مياه النيل، وهناك شبه إنذار من وزير الخارجية المصري بشأن الاعتداءات على غزة، وقوله إن استقلال وعروبة الخليج خط أحمر بالنسبة للأمن القومي لمصر.. كل هذه التصريحات توضح تماماً أن مصر على طريق استعادة دورها العربي، ولا يستطيع أحد تحجيم هذا الدور أو الحد من آثاره.

هل تتوقع أن تعيد مصر النظر في اتفاقية كامب ديفيد مثلاً؟

في ما يتعلق باتفاقية كامب ديفيد فإن الشعب المصري يستطيع أن يستخلص الدروس منذ عام 1976 إلى يومنا هذا.. ماذا حققت الاتفاقية؟ يعني مثلاً هل سيناء بالكامل مصرية وتحت قيادة القوات المسلحة؟ شرم الشيخ لا يوجد فيها قوات مسلحة، وهل كامب ديفيد ساهمت في تحقيق تكامل اقتصادي عربي انتفعت به مصر والأمة، هل حققت لمصر قفزات ديمقراطية حقيقية؛ يعني لابد من دراسة هذه الاتفاقية وأثرها على مصر ودورها ومصالحها مباشرة، هل كامب ديفيد ردعت إسرائيل عن الاستيطان بالمنطقة، هل ردعتها عن اعتبار مصر عدوها الأول حتى الآن؟

أنا لست من دعاة الحرب الفورية إنما أقول لا حرب وصراع بيننا وبين إسرائيل إلا على أساس قومي. ما أقوله صراع عربي إسرائيلي وليس مصرياً إسرائيلياً ولا هو صراع فلسطيني إسرائيلي، حينما أقول «عربي» أريد تكاملاً اقتصادياً عربياً ومعاهدة دفاع عربي مشترك، كل بلد له دور في هذا الصراع سلماً أو حرباً؛ بمعنى قومية الصراع. أنا لا أطالب بأن تتورط مصر وحدها والعرب يراقبون ويتفرجون، هذا انتحار.

 

تهديدات للثورة

هذا يدفعنا لأن نسألكم عن رؤيتكم للأخطار التي تتعرض لها مصر وثورتها الآن؟

لا شك أن عناصر التطرف في مصر تتربص بالثورة؛ لأنها تحلم عن طريق العنف بإكراه الناس على مقولاتها وتفسيراتها وأجنداتها، وهذا أعتبره خطراً على الوحدة الوطنية وعلى النظام العام، وما حدث كنت أنبه إليه دائماً، خاصة محاولات الوقيعة بين الشعب والجيش، لكن هناك حقائق لا ينبغي أن تفوت على أي ثائر أو محب لبلده، وهي أن الجيش منذ أيام الفراعنة هو الذي شكل الدولة وكان الأساس في النهضة المصرية الاقتصادية والحربية والاجتماعية والعلمية الشاملة التي حدثت في مصر أيام محمد علي الكبير.

وهو الذي قاد كل عمليات التحرر في مواجهة أعداء مصر والأمة العربية مثل موقعة عين جالوت الشهيرة، والجيش في العصر الحديث هو الذي صحح مسار الحكم في مصر عام 1952 من خلال القيام بثورة يوليو، وهو الذي تصدى ببطولة أسطورية للعدوان الثلاثي الإسرائيلي البريطاني الفرنسي على مصر، ونجح رغم ضآلة إمكاناته وقتها، وهو الذي حقق انتصارات حرب أكتوبر رغم التفاوت والخلل الفادح في التسليح بيننا وبين العدو الصهيوني، فالشعب والجيش كانا دائماً معاً في كل المراحل بما فيها ثورة 1919، ومن الجيش خرجت قوى فدائية تقاتل القواعد البريطانية في مصر قبل ثورة يوليو؛ إذاً نحن أمام حقيقة بارزة في مصر، هي أن الجيش له دور أساسي في الدفاع عن الأمن الوطني المصري، والوحدة الوطنية وفي توفير وحماية حرية الوطن والمواطن في أرض الكنانة.

هل معنى ذلك أن الجيش كان شريكاً في الثورة ولم يكن حامياً لها فقط؟

ما حدث يوم 25 يناير وما بعده يوضح تماماً أن الجيش كان شريكاً في الثورة، ومتبنياً لأهدافها في التغيير والحرية والديمقراطية وتصحيح الأوضاع في مصر لتعود قوية، ولا ننسى أن الشعب هو الذي طالب بإنزال الجيش ليتحرك لإقصاء الرئيس مبارك، وهو الذي رحب في كل الميادين بنزوله، وهو الذي رفع راية «الشعب والجيش إيد واحدة». هذا الانصهار الوطني العام بينهما شكل القوى الأساسية لانتصار الثورة، ومن ثم حماية الثورة من أعدائها؛ لذلك لا أرى مبررًا لأي صراع بين مجموعات من الثورة والجيش على الإطلاق، فهناك حرية مفتوحة لكل الناس أن تقول ما تشاء وتطالب المجلس الأعلى بما تريد حتى المتطرفين صاروا أحرارًا، فلا مبرر لاستخدام أساليب من شأنها تعطيل الإنتاج أو حياة الناس لتوضيح المطالب، فنحن لسنا في حاجة لكل هذه الوسائل.

وأنبه لما قاله رئيس المخابرات الإسرائيلية السابق، الذي سلم مسؤوليته للرئيس الجديد للمخابرات منذ 3 أشهر فقط، «من الإنجازات أننا زرعنا العناصر الكافية التي نستطيع أن نحركها متى نريد في مصر»، وهذا معناه أن هناك شبكات صهيونية نائمة في مصر ستكون مهمتها بالطبع إحداث وقيعة بين الشعب والجيش لإضعاف الجيش، فإسرائيل لا تريد مصر قوية ولا أن تستعيد دورها العربي أبداً؛ لذلك ستحدث في الشأن الداخلي المصري مشاكل طائفية وعرقية لتقسيمها وإضعاف الاقتصاد المصري وإحداث فوضى.

هل لديك دليل على أن إسرائيل سوف تقوم بهذا الدور؟

أكبر دليل على ما أقوله هو اعترافات رئيس المخابرات الإسرائيلي السابق، الذي قال إن إسرائيل تحاول زرع الفتن في الجسد العربي وفي الجسد المصري بوجه خاص، من خلال إثارة المشكلات الطائفية والإرهاب، وحينما نسمع كل ذلك؛ إذاً علينا أن نحصّن أنفسنا ونكون مناعة وطنية شاملة حتى لا ينزلق أحد في فخاخ أو يذهب إلى أماكن يستدرجه فيها العدو.

 

موقف لبنان

هل لبنان بعيد عما حدث من اندلاع لثورات شعبية بعدد من الدول العربية؟

لبنان على إثر حرب أهلية دامت 16 عاماً، انتهى الأمر بعقد اتفاق الطائف اللبناني العربي بإشراف المملكة العربية السعودية عام 1989، وأنتج اللبنانيون دستوراً متوازناً في لبنان، ويعتبر خطوة متقدمة جداً عما كان عليه عام 1920 أيام الانتداب الفرنسي، ومن المؤسف أنه بدءاً من نهاية الحرب 1992 استولت بشكل أو بآخر وحتى بدعم خارجي طبقة سياسية إقطاعية لم تطبق بشكل أمين دستور الطائف، وسوء وعشوائية التطبيق وممارسات هذه الطبقة أدت إلى أوضاع اقتصادية واجتماعية معقدة في لبنان، والآن الشعب يطالب في لبنان بتطبيق الدستور؛ بمعنى نحن لم نطبق الدستور حتى نجد أننا بحاجة لتغيير نصوصه، فقد طُبِّق قسم منه وليس بشكل كلي، فالشرعية الفعلية هي بتطبيق الدستور، وما يعطل تطبيقه هو تواجد طبقة سياسية منتفعة من الطائفية مستمرة في احتكار السلطة وموارد الدولة، وهذه مشكلة كبيرة، وهناك مشكلة أخرى وهي أننا لدينا أرض محتلة من جانب العدو الصهيوني، فنحن عندنا مشكلة تحرر الأرض وهي مزارع شبعا، وعندنا حرية المواطن وتطبيق الدستور في حياة ديمقراطية سليمة، هذا هو الوضع ولدينا مداخلات إقليمية عدة.

بصفة عامة هل الثورات التي تندلع الآن في الوطن العربي في صالح أميركا أم ضدها؟

النتائج حتى اليوم ليست محسومة، الوطن العربي كله يمر بمرحلة تحول، هناك انفجار لكن علام يستقر البركان وكيف، فهناك تحول وتفاعل عميق وهناك تيارات سياسية وحالات وطنية ومداخلات أجنبية ليست صافية يتوقف التعامل معها على درجة وعي القوى الوطنية المحلية في قيادة المرحلة، وهي حتى الآن غير محسومة، لكن أشعر في داخلي بأنه حينما يمتلك الشعب مصيره وحريته، فإنه يثق في قدرته على التحول والتغيير، فالإرادة الشعبية العربية لن تكون إلا قوة قاهرة.

في سطور

كمال شاتيلا سياسي لبناني بارز، ولد في مدينة بيروت عام 1944، درس العلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية، وساهم في تأسيس المؤتمر الوطني لطلبة لبنان، وأسس سنة 1965 حزب «اتحاد قوى الشعب العامل» ذي التوجه الناصري، بعدها انضم الحزب إلى الحركة الوطنية اللبنانية، لكن ما لبث أن دخل شاتيلا في خلاف مع كمال جنبلاط، زعيم الحركة الوطنية، أدى إلى انسحابه من الحركة الوطنية وانضوائه تحت الجبهة القومية والوطنية اللبنانية التي ساهم في تأسيسها وترأسها من عام 1976 حتى عام 1980، ثم ساهم سنة 1980 في تأسيس المؤتمر الشعبي اللبناني الذي يرأسه الآن، عاش في المنفى بين عامي 1984 و2000، لكنه عاد إلى لبنان لينغمس في قضاياه.