لم تحظ منطقة جغرافية في الأردن باهتمام إعلامي كما حظيت غابة برقش، فهي اليوم محط اهتمام مئات من الأردنيين على مواقع الفيسبوك إضافة إلى آلاف المجاورين لها ومحبيها.

ويـأتي هذا الاهتمام احتجاجا على قرار إقامة مشروع كلية عسكرية على أراضي الغابة مما يعني قطع مئات الأشجار فيها، بالرغم من وجود قرار ملكي بإقامة محمية في المنطقة للسياحة البيئية جعلها الملك عبدالله تابعة للديوان الملكي في منطقة رأس برقش، وتم جلب مجموعة من الغزلان الحوامل من ألمانيا واستراليا إضافة إلى الايل الأسمر من تركيا لإعادة توطينها في المنطقة بعد انقراضها هناك.

وتقع الغابات في الجزء الجنوبي الشرقي من لواء الكورة شمال المملكة وإلى الجنوب من محمية برقش للأحياء البرية، بمحاذاة وادي نهر الأردن من الجهة الشرقية، ولها مزايا بيئية تتمثل في وجود قمة لهذه الغابة تعرف برأس برقش الذي يرتفع حوالي 875 متراً فوق مستوى سطح البحر.

ومن مميزاتها الجغرافية أنها تشرف على معظم مناطق شمال الأردن وسهول حوران وجبل الشيخ. وتضم هذه الغابات أشجارا حرجية حوالي مليوني شجرة قديمة من السنديان والبلوط والبطم والزعرور. وكانت الجمعية الملكية لحماية الطبيعة وجمعية البيئة الاردنية والاتحاد الدولي لحماية الطبيعة ومنظمات بيئية عديدة قد أعلنوا معارضتهم للقرار مؤكدين أنه يخالف القوانين الأردنية السارية.

وسبق ونظم ناشطون على «الفيسبوك» حملة وطنية لإنقاذ غابات برقش مما وصفوه بالإعدام، ومع ذلك لم تستجب السلطات الحكومية لهم، ومضت في مشروع قتل الغابة الواسعة المساحة، فيما أقام نشطاء البيئة وأبناء المنطقة اعتصاما في «برقش» لتأكيد رفضهم لسياسة تقطيع الأشجار. وكانت لجنة نيابية وافقت على تمرير قرار إنشاء الكلية العسكرية في الغابة إلا أن نشطاء بيئيين قالوا إن مبررات اللجنة غير مقنعة. وقال حماة الطبيعة الأردنيون أن النواب تعرضوا لضغوط رسمية لتوفير الغطاء لما يصفها نشطاء البيئة بالجريمة.

وأعرب نشطاء بيئيون عن أسفهم من أن قرار الاعتداء على أشجار «برقش» يتزامن مع إعلان الأمم المتحدة العام الحالي عاما للغابات.

ويقضي قرار الموافقة النيابية بقطع 300 شجرة لإنشاء مباني المعسكرات. وفي رأي المهتمين بالشأن البيئي فإن هذا القرار يعد سابقة خطيرة ستستخدم من قبل جهات أخرى في المستقبل للاعتداء على الثروة الحرجية الشحيحة أصلا. والأخطر من ذلك أنه مخالف لقانوني الزراعة والبيئة، إذ يحظر قانون الزراعة قطع أي من الأشجار الحرجية المعمرة أو النادرة والنباتات البرية.

وبالنسبة لبلد مثل الاردن لا تزيد نسبة الغابات على 1 بالمئة من مساحته لذا فان القرار يرتقي، بالفعل، إلى حد الجريمة، على حد وصف الكاتب والصحافي فهد الخيطان.

ويعرف الأردنيون أن محاولات الاعتداء والسطو على الغابات في الأردن لم تتوقف خاصة في عجلون التي تعد كنزا حرجيا وفيرا. وكانت شركة استثمارية قد نوت إقامة مشروع سياحي فيها، لكن وزير الزراعة سمير الحباشنة اتخذ مؤخرا موقفا صارما عندما رفض مشروعا للحكومة بإقامة «الفلل» على حساب غابات عجلون.

وقال الخيطان «ما من دولة متحضرة في العالم تمارس هذا السلوك العدواني بحق ثرواتها، وفي بلد كالأردن، يواجه تحديات مناخية وزحف الصحراء وشح الأمطار، الأجدر به أن يتخذ كل الاجراءات الممكنة للمحافظة على كل نبتة خضراء لا قطع 300 شجرة مرة واحدة، ووضع الخطط التنفيذية اللازمة للتوسع في زراعة الغابات وزيادة المساحات الخضراء لمواجهة خطر التصحر».

مغارة ضاربة في الحضارة

من أبرز معالم الغابة مغارة برقش ذات التكوين الجيولوجي الطبيعي، وتعود للعصر الاكرياتيسي (35-40 مليون سنة)، لهذا فإن العمر المقدر لها هو 40 مليون سنة وتتكون من عدة مغارات ودهاليز متصلة ببعضها البعض وتقدر مساحتها بـ4-5 دونمات.

وتقع المغارة دون مستوى سطح الأرض ما بين 20 إلى 30 مترا ضمن تكوين صخري سماكته 50 - 60 مترا وتبعد عن الشارع العام حوالي 150 مترا.

واكتشفت المغارة في العام 1995 من قبل الباحث البيئي احمد الشريدة وكان الدخول إليها يقتضي الزحف لمسافة 3 أمتار عبر «عنق» صخري لا يتجاوز قطره نصف متر قبل أن يتم في العام 2003 توسعته وتكسيره بحيث أصبح بالإمكان الدخول إليها وقوفا بقامة منتصبة وكان هذا العنق يشكل حائلا طبيعيا وقف دون دخول الناس إليها مما ساهم في الحفاظ عليها وحال دون سكنى البشر فيها قديما حيث لم يعثر بداخل المغارة ما يشير إلى سكنى احد بها.

ويسود الظلام الدامس أجواء المغارة فيما تتواجد بقع صغيرة من الماء هنا وهناك إحداها تعود أصلا لما كان عين ماء صغيرة.

وتتصف المغارة بالبرودة صيفا والدفء شتاء، بحرارة معدلها 18 درجة مئوية فيما تفيد أجواؤها المنعشة المصابين بالأزمة التنفسية. ويتراوح ارتفاع المغارة من المتر إلى الـ 20 مترا، وتتميز المغارة بتشكيلاتها الصخرية والتي تكونت عبر ملايين السنين بألوان متعددة أضفتها المعادن الذائبة في المياه التي تسربت عبر الشقوق مسببة تآكل وذوبان الصخور الجيرية ومن ثم تبخرها مكونة الصواعد والهوابط والتي يحتاج كل سم منها إلى ما يتراوح ما بين 200 إلى 300 سنة ليتكون قطرة قطرة.