«أبغض الحلال عند الله الطلاق، احتمل هذه الحياة حتى لا يضيع الأبناء، ضل راجل ولا ضل حيطة، المجتمع العربي لا يرحم المطلقة».. هذه بعض المبررات التقليدية التي يسوقها كثير من الأزواج والزوجات للاستمرار في حياة زوجية باردة خالية من دفء العواطف، لكن يبدو أن هذه المبررات زائفة، خاصة مع تحذيرات استشاريين وتربويين من آثار الطلاق العاطفي بين الزوجين على أبنائهما.

"أعرف أنه لا يحبني عاطفياً، وأنه يتمنى الزواج من أخرى يحبها، لكنه في الوقت ذاته يتفانى في إسعادي وإسعاد أبنائنا، ومن أجل ذلك مازال زواجنا قائمًا منذ عشرة أعوام برغم خلوه من المشاعر التي تتمناها أي زوجة».. هكذا قالت «نهاد»، معترفة أنها تحب زوجها بقوة، على الرغم من أنه ارتبط بها بطريقة تقليدية لا تتفق مع طبيعته الرومانسية.

بدورها، تؤكد «رندة» ـ زوجة وربة منزل ـ أنها تعيش في عزلة عاطفية طيلة سنوات زواجها الثماني، موضحة: نحن زوجان على الورق وأمام الناس فقط، بينما الواقع يقول إننا غريبان تحت سقف واحد، وبرغم أننا لم ننجب طيلة هذه السنوات، إلا أن ما منعني من إنهاء هذه العلاقة هو الخوف من أن أحمل لقب «مطلقة» في مجتمع لا يرحم كل من تحمل هذا اللقب، ويعتبرها خائنة».

في المقابل، اعتبر راشد عبداللطيف أن الطبيعة المادية لزوجته هي السبب الرئيسي في حدوث الطلاق العاطفي بينهما، والتمسك ظاهريا بعقد القران أمام الناس حرصًا على مستقبل أبنائهما الأربعة، موضحا: «انطفأت كل مشاعر الحب التي حملتها لزوجتي في بداية حياتنا الزوجية، والتي أخذت منحىً بعيدًا عما تصورته وعشت أحلم به، وبدأت تسير في اتجاه واحد متوازٍ كقضيبي السكة الحديدية، مترافقين على الدرب يصعب أن يتلاقيا، وكل ذلك بسبب ما اكتشفته فيها من شره نحو التملك والمقارنة بالآخرين».

سبب آخر تقع فيه كثير من الزوجات دون قصد يقود إلى الانفصال العاطفي يوضحه «أدهم القاضي» مدرس، قائلا: «كثير من الزوجات يبدأن حياتهن الزوجية متوهجات، يتوهجن عاطفة، لكن بعد قدوم الأولاد ينشغلن تماما بهم، وينسين تماما أيضا أزواجهن، وكأن العواطف ماتت بقدوم الأبناء».

 

قنبلة موقوتة

وحول آثار الانفصال العاطفي للأزواج خاصة على الأبناء، يوضح دكتور محمد المهدي، أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، قائلاً: الطلاق العاطفي أو الانفصال النفسي والفكري تعود أسبابه إلى أن الزوجين لم يواجها مشاكلهما بصراحة ووضوح أولاً بأول، ولم يسعيا إلى التجاوب مع الفروق الفردية بين شخصيتيهما، وعندها تتراكم المشكلات تحت وطأة الصمت وتتجمد الحياة رغم استمرار العلاقة، ويصبح الصمت سيد الموقف».

وفي هذا المناخ الخالي من العاطفة كما يقول تحدث انعكاسات كثيرة، لعل أخطرها أن الأبناء الذين يتحجج بهم الزوجان لاستمرار الحياة الباردة ينظرون إلى هذه العلاقة وكأنها مسلسل كئيب، له بداية لكن ليس له نهاية، وأحداثه رتيبة ومملة، تلقي بظلالها المدمرة على هؤلاء الأبناء».

بدورها، أكدت د. سامية الساعاتي، أستاذ علم الاجتماع، أن الانفصال العاطفي هو طلاق مع وقف التنفيذ، بحيث يكون طرفا العلاقة متزوجين أمام الناس والمجتمع، بينما هم في الواقع منفصلان عاطفياً وربما جسدياً.

أضافت: «في المجتمعات العربية غالباً المرأة هي التي تتحمل كل التبعات، ويكون عليها أن ترضى بالمقسوم، خاصة أن هذه المجتمعات لا ترحم المرأة المطلقة، وعلى جانب آخر هناك مشكلة الأبناء، فتعيش الأسرة كما لو كانت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة، والأفضل في مثل هذه الأحوال أن ينفصل الطرفان بأقل قدر من الخسائر، لاسيما أن الأطفال سريعو التكيف وتقبل التغيرات».