من يزور الكويت، وتحمله الأقدار إلى منطقة الصباح الصحية، لا بدّ أن ينتبه إلى ظاهرة، لا أحسبها موجودة إلاّ في ذاك البلد الخليجي، وهي المستشفيات الخاصة العامة.. في الوقت الذي تتكاثر فيه في عموم الدنيا، ومنها الكويت أيضاً، المستشفيات التجارية التي لا تبحث سوى عن الربح.
عندما يمر المرء في تلك المنطقة يلاحظ مستشفى البحر للعيون، ومسشفى المرزوق للطب الإسلامي ومستشفى حسين مكي الجمعة للأورام (السرطان سابقاً)، وقد يظن أن هذه مستشفيات خاصة، من تلك النوعية التي تقدم الرفاهية أولاً والراحة ثانياً والصحة والعلاج ثالثاً، والتي باتت موضة في أكثر من بلد، للأسف.
صحيح أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص مطلوبة في كل القطاعات، بما فيها البنية التحتية، وهو اسلوب أخذت به بعض الدول حتى في مجالات حيوية مثل الطرق والماء والكهرباء، وفتح المجال واسعاً له في قطاع الصحة، ولكن الممارسات التي انتهجت مع تحوّل هذا النوع من العمل الذي يفترض أن يكون عطاءً وخدمة جليلة إلى تجارة باتت تجعل من العلاج، وهو من أول حقوق أي انسان وربما يسبق في الأهمية الغذاء، نوعاً من الترف بات يقترب من أن يكون حكراً على من يملك المال.. فالخدمات التي باتت تقدمها المستشفيات الخاصة أصبحت تنافس ما يقدّم في الفنادق والمنتجعات، وبأسعار تنافسها في كثير من الأحايين.
كما أن وسائل الإعلام باتت تتحفنا بأخبار ترد من أكثر من بلد عن مقدار جسامة الأخطاء الطبية، فضلاً عن ممارسات غير مشروعة باتت المستشفيات الخاصة، وبعضها خارج رقابة الدولة في بعض الدول للأسف، تقع فيها قصداً او عن غير قصد.. وتجارة الأعضاء المنتشرة في بعض الدول العربية خير مثال.
نعود لذلك المثال الكويتي عن المستشفيات «الهجين» التي تبنى بأموال خاصة و«تملكها» الحكومة، فهذه المستشفيات يبنيها الميسورون بهدف التقرّب إلى الله ووقفاً له وبعد تشييدها وتجهيزها بكل المستلزمات، تحت إشراف الجهة المعنية وهي وزارة الصحة، تؤول إلى الدولة.. بل إن البعض يستمر في دعم هذا المستشفى، لجهة تغطية فواتير بعض المشتريات الطبية من أجهزة حديثة أو دفع رواتب جراحين مشهورين واطباء اكفاء أو شراء سيارات إسعاف إلى سنين لاحقة، او في إطار صندوق وقفي.
عندما تتحدث الدول عن الشراكة بين القطاعين الخاص والعام يكون الهدف مثل هذا، أي أن يتحمل القطاع الخاص الذي تتوفّر لديه السيولة المادية والخبرات جزءاً من المسؤولية حتى تتفرّغ جهود الدولة إلى مسألة خدمية تراها أكثر إلحاحاً لمواطنيها. وآملاً في تجويد وتنافس على تقديم الخدمة كما هو معمول فيه في الدول الغربية أو شرق هذا العالم: في اليابان وكوريا الجنوبية.
ولكن، وللأسف، فإن تجارب إشراك القطاع الخاص في توفير الخدمات في بعض الهيكلية والمهمة وفي معظم الدول العربية، تحوّلت إلى لهاث وراء الربح، ويكفي النظر إلى قطاع التربية والتعليم، من مراحله الأساسية وحتى التعليم العالي.. فالرسوم (وهكذا يفترض أن تكون) أصبحت تنوء على حملها الجِمال، وترهق كاهل المواطن الذي يعتمد على الراتب الذي يتقاضاه كل آخر شهر. وإذا عدنا إلى بناء المستشفيات لصالح الدولة، فهذا عملٌ محمودٌ، ومن التوجّهات التي يجب أن يفكّر فيها الميسورون لانفاق أموالهم في مصارف جديدة.. وبما يدعم التوجه العام للدولة المعنية، من الجيد لأصحاب الأيدي البيضاء أن يتبرعوا لحفر بئر في إفريقيا أو آسيا، أو مدرسة، ولكن من الجيد أن توجّه التبرعات نحو شراء سيارة إسعاف، وشراء شحنة أدوية لمرضى السكّر، أو التوحد، أو الصرع.. أو حتى بناء مستشفى في تخصص تكثر فيه أعداد المصابين.
