قد تكون قصة «الراعي الرقمي» الذي ينشغل بالحاسوب المحمول ومن ورائه أغنامه، مفتعلة، رغم أن المصور على أي حال التقطها، لكن ما هو حقيقي، سخرية راعٍ آخر مني كلما رأى هاتفي المحمول، وهو يشير إلى هاتفه الـ«آي فون». سأل أب أربعيني أحد أقاربه عن أقرب طبيب جراح لمنطقته، أسرع بالاتصال بنقابة الأطباء التي وفرت له اسم طبيب ورقم هاتفه. لكن ما لم يعرفه الأب أن ابنه الذي يبلغ من العمر 14 عاماً الجالس بقربه، حصل على المعلومات المطلوبة قبل أن يسجلها الأب على الورقة التي أمامه.

بهدوء وصمت.. بدأ المراهق باللعب في كبسات الهاتف من دون أن يتحدث بكلمة واحدة. وبأقل من دقيقة كانت جميع المعلومات المطلوبة بين يديه، من دون ورقة وقلم. حينها تمتم الأب: «العالم لم يعد لمثلي بعد اليوم؟». هل سيكون بإمكان هذا الأب الذي يحمل شهادة عليا في إحدى العلوم أن يقول لابنه «إنه يعرف أكثر منه، وأن عليه أن يتخذ كل القرارات عنه، وأنه.. وأنه؟». يقول أستاذ علم الاجتماع الدكتور سري ناصر مستأنساً بذلك فيقول: يعلم الأب ويعلم معه الابن أن معرفة أدوات الاتصال والتفاعل الاجتماعي ليست وحدها كافية، ليقال إن أحدهما يعرف أكثر، ولكن ما يدركه الأب أنه لن يبقى ممسكاً بدفّة ابنه طويلاً.

الطرفان «الأب وابنه» يعرفان إن قدرة الأب على استخدام الإنترنت المحول وغير المحمول لا تقل عن الابن. ولكن فيما يعتبر الأب هذه التقنيات وسيلة طارئة لتسهيل الحياة، والاستمتاع بها، يتعامل معها الابن على أنها «منه وله وإليه»، وأنه لا يمكن مواصلة الحياة من دونها. ويضيف الدكتور ناصر «تماماً كالفرق بين من يرى مشهداً بالألوان وآخر يراه بالأبيض والأسود... هما شكلان سيفيضان اختلافاً خلال التواصل التكنولوجي».

الأب يدرك أو عليه أن يدرك ذلك سريعاً، وإلا تحول إلى ما يشبه العقليات التي تحكم الإعلام العربي الرسمي المرتبط بالحكومات الأبوية. إنه إعلام عربي رسمي لا زال يتعامل مع هذه الأحداث بعقليات عفا عليها الزمان، ولم تعد مجدية ولا يمكن تمريرها في القرن الحادي والعشرين والمسؤولون بالإعلام لا زالوا يستخفون بعقليات شعوبهم عن طريق معالجتهم للقضايا والأحداث.

 

تغيير شامل

وعلى حد تعبير الأب: «إذا استمر التطور التكنولوجي بهذه السرعة، ستفتقد الأجيال لغة التواصل فيما بينها». ويعبّر المواطن خالد أبو السمن عن ذلك بالقول: «إن شباب اليوم يتناولون الإنترنت بدلاً من الطعام». ويتساءل: «لا أدري إلى أين سيوصلهم ذلك؟». هو لا يملك إجابة وقد لا يمتلك غيره سوى التكهنات، ولكن الجميع ينتظر ما ستؤول إليه الأمور على الأرض.

في الأردن، كما معظم بلدان العالم، يبدو أن كل شيء مجهز الآن من حيث البنى التحتية والأدوات للانطلاق إلى العالم الافتراضي، بعيداً عن كل أدوات العالم التقليدي، بلغته، وأنماط حياته. يعلق د. ناصر: «مرحباً بك في عالم الإنترنت المحمول». ويقول: قبل عقود كان الجميع يتحدث عن الهواتف المحمولة وكأنها نقلة نوعية في التطور العلمي وصلت حد السقف.

فيما يقول محمد عرسان، مدير تحرير موقع عمان نت الإخباري، وهو أول موقع أردني إخباري على الإنترنت: «لا يبدو أن للتطور التكنولوجي سقف». ويضيف، «علينا أن نتقبل هذا الواقع قبل أن يسبقنا، ومن يرفض الاندماج في هذا النمط، سيتحول إلى أصم وأبكم رغم أن حواسه البشرية العضوية تعمل بكفاءة، بل وإذا استمر في العناد سيضاف إلى ما يعانيه من صمم وبكم، عمى لن يرى بعده ما يراه الجميع».

من حيث البنى التحتية أظهرت إحصائية محلية أنّ عدد مشتركي الخدمة الخلوية (المحمول) في الأردن تجاوز الـ 6 ملايين مشترك هذا العام لتسجّل تفوقاً على كل خدمات الاتصالات بتجاوزها عدد سكان الأردن. أما خدمات الإنترنت، فإن الشركات المقدمة للخدمة في الأردن في اتساع وانتشار وتطور. وهي الشركات التي تمكنت من ربط نحو تقترب هذه الأيام إلى بشكل حثيث إلى نصف أفراد المجتمع بها بشكل أو بآخر سواء في المنزل أو في العمل.

ولكن يبدو أن أنماط (المنزل العمل) هذه ستبدو هي الأخرى تقليدية أمام ما بدأت هذه الشركات تقديمه من إنترنت محمول.. محمول كالمحفظة في الجيب، حيث يوضع الهاتف. في بلد النسبة الغالبة في الأردن هم دون سن العشرين عاماً (63% من الأردنيين في سن الشباب) علينا أن نتوقع انتشاراً ساحقاً لهذه النمط من الإنترنت خلال السنوات القليلة المقبلة.

 

صناديق مدهشة

ويصف أستاذ علم الاجتماع الدكتور، حسين الخزاعي، على وصف الجهاز المحمول هاتفاً كان أم حاسوباً «بالصناديق المدهشة». ويقول كثير من الشباب يستخدمونه في غير محله، ولكن كثير منهم أيضاً يستخدمونه في محله، وفيما يثير الأول الرعب يشعرك الآخر بالفخر. ولا يجد عالم الاجتماع بذلك أمراً غريباً. يقول: منذ زمن استخدمت النار للطبخ ولجعل طعام الناس ألذ كما استخدمها آخرون لحرق بعضهم بعضاً.

ويعلم د. الخزاعي أن الإنترنت والمحمول باتا جزءاً أصيلاً من الحياة العصرية. ولكن كما جرى ترتيب أمور كل ما اكتشفه واخترعه الإنسان منذ فجر التاريخ علينا رعاية الاهتمام وخاصة في البدايات لتأصيل استخدامات حميدة للإنترنت من أجل تحصين من يريد تحصين نفسه. وتظهر إحصاءات عالمية، ترصد حركة انتشار الإنترنت حول العالم، أن عدد مستخدمي الشبكة العنكبوتية في المملكة تضاعف بنسبة كبيرة تصل إلى 1268% (نحو 13 ضعفاً) منذ العام 2000. وفيما كان عدد مستخدمي الإنترنت في الأردن نحو الـ 100 ألف مستخدم نهاية العام 2000 يتجاوزون اليوم المليوني مستخدم.