بالآلاف كلفتها، وبعضهم يهمس بأن هناك شركات لبنانية تخصّص للعروض النارية ما لا يقلّ عن ثمانين ألف دولار، وكل تلك النفقات لقاء دقائق معدودات تهتز خلالها الأرجاء. أما الحافز، فطريقة عيش اللبناني مهما كانت ظروفه أو مسؤولياته أو ميزانيته، محاولاً ولو حتى بهذه الوسيلة إرضاء نفسه وحبّه للترف. علماً أن العروض النارية ليست بالظاهرة الجديدة، إنما المتكاثرة والمتراكمة، وهي وصلت حدّ الضرورة للبعض في مناسباته وحدّ الاستغراب والاستهجان والانزعاج للبعض الآخر.
من الأسهم النارية الخفيفة والطلقات وصولاً إلى أصابع الديناميت و«الراجمات الثقيلة»، تتعدّد أسماء المفرقعات وأشكالها التي تستحدث كل عام وتتجدّد مع كل حدث بغية جذب المستهلكين لشرائها.. ولمزيد من التشويق تتغيّر الأشكال والأسماء، فهناك مثلا مدفع «بارود» أو «راجمة». أما من حيث الشكل، فالخيال واسع، إذ لجأت الشركات المنتجة إلى إضافة الرسومات وصور المشاهير إليها لتحقيق أكبر قدر من المبيع.
هي الألعاب النارية، أو المفرقعات، باتت ظاهرة تؤرق اللبنانيين، وتحلّ عليهم ضيفاً ثقيلاً، في بلدهم الذي لا ينقصه إلا «شرارة» حتى «يفرقع».. وتبدو سوق المفرقعات مفتوحة على استيراد كل الأصناف وبيعها بالجملة والمفرّق، من دون حسيب أو رقيب، قبل أن ترتع حرّة طليقة في سماء المدن والقرى على حدّ سواء، فيما يبقى لقوى الأمن التدخل بناءً على شكوى تتلقّاها من المنزعِج أو المتضرِّر. وذلك، بمعزل عن القانون الذي أدرج المفرقعات ضمن قانون الأسلحة والبارود، وإن شكّل هذا القانون نفسه هامشاً واسعاً لتداولها، خصوصاً أنه لم يصنِّف الأنواع المسموح منها تداولها في السوق، ولم يميِّز ما بينها وبين الألعاب النارية التي فُرِض استحواذ ترخيص على بائعها ومن يستعملها.
في المقابل، تكاد مسؤولية قمع هذه الظاهرة لا تنحصر في جهة واحدة معيّنة، فإلى وزارة الداخلية هناك دور للبلديّات وللمستوردين الكثر.. وما بين المسلكَين وفي معمعة المسؤوليات المتقاذَفة، باتت المناسبات أشبه بمسلسل رعب متنقِّل ما بين الأحياء والزواريب، قوامه ألعاب نارية وأضواء تبهِر العيون وتزكم بدخانها الأنوف وفرقعات تطبل الآذان وتؤذي بنيرانها الأجسام. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة الى أن القانون اللبناني أدرج المفرقعات ضمن قانون الأسلحة والبارود، وهذا وحده يعتبر كافياً للدلالة على مدى خطورة هذه المواد المكوّنة من البارود ومواد أخرى ممكن أن تتسبّب في انفجارات خطيرة اذا ما أسيء استعمالها.. وعلى الرغم من ذلك، فإن التعاطي معها يتمّ باستخفاف كلّي.
غليان المياه
وتشير المعلومات الى أن تلك المواد تزيد نسبة سخونتها نحو20 مرة عن درجة غليان المياه، وحتى الشرارات المتناثرة منها، والتي يعتقد البعض انها آمنة كونها لا تنفجر، فقد تصل سخونة رؤوسها الى ألفَي درجة فهرنهايت، وفقاً للجنة سلامة المنتجات الاستهلاكية. وقد أثبتت الدراسات والبحوث العلمية أن ما يسمى بــ «الصواريخ»، على اختلاف أشكالها وأحجامها، تعتبر أخطر أنواع تلك الألعاب، ويتمحور 70 في المائة من خطورتها حول إصابات العين التي منها 50 في المائة للمحيطين بموقع اللعب.
وفي حين لا تخلو مناسبة في لبنان من أنباء عن وقوع إصابات بين المواطنين، لتتعدّاهم في الفترة الأخيرة الى إصابات وأضرار مادية طالت الطبيعة وسبّبت الحرائق نتيجة الاستخدام العشوائي، فإن التحرّك لمناهضة هذه الظاهرة التي تجتاح البلد يبدو غائباً، وحتى الهيئات المدنية تكاد تكون غائبة على هذا الصعيد، باستثناء جمعيات قليلة، ومنها «الجمعية الوطنية للوقاية من الحرائق» التي تعمل وبشكل دوري على إصدار توصيات متعاقبة لمكافحة استعمال الألعاب النارية وتوعية الأهالي الى خطورتها وتوجيه الإرشادات بشأنها.
ومن الناحية القانونية، هناك وضوح وتشدّد في ما يتعلّق بحظر استعمال المفرقعات وشروط استعمالها. فقانون البلديات ينصّ على «الاهتمام باستدراك أو منع ما من شأنه أن يمسّ الراحة والسلامة والصحة العامة»، في حين أقرّ قانون الأسلحة والذخائر «التشدّد في منع صناعة واستيراد وبيع الألعاب النارية المعروفة بالمفرقعات، واستعمال أجهزة متطوّرة لكشف المفرقعات المهرَّبة ضمن المستوعبات المستوردة، ووجوب اتخاذ إجراءات بحقّ المخالفين من مستورد وبائع».
ومن إحدى أوجه الاهتمام هذا، تعمد وزارة الداخلية في كل مناسبة الى إصدار تعميمات لوجوب التقيّد بالقوانين لتأمين السلامة العامة، إلاّ أن تلك التعميمات تبقى محصورة بمعظمها في الجانب النظري دون التطبيقي. فعلى الرغم من تحديد القانون أماكن بيع تلك المواد في الشركات المرخّص لها، إلاّ أن هذه السوق تبقى غير مضبوطة في محال متفرّقة ودكاكين، وحتى «بسطات» تنتشر هنا وهناك وتبيع شتى الأصناف، فيما لا تتعدّى العقوبات للمخالفين الحبس لمدة الشهر مع غرامة مالية لا تُذكر.
