والعام 2010 يلفظ أنفاسه هبت رياح عاصفة من تونس لتقتلع النظام فتهاوى وسقط مع إطلالة عام 2011.وما هي أيام حتى انطلقت شرارة الثورة في مصر لتهز كيان النظام الحاكم هناك ورغم الاستماتة ومحاولات الترقيع والسعي لقمع الثورة في مهدها حيث الآلاف يتحفزون في ميدان التحرير لم يجد الرئيس سوى الانصياع لقرار الجماهير فتنحى ورحل. ولا يزال هناك نظامان يتمترسان في موقعيهما رغم سخط الشعب ومطالبته بالرحيل فان الزعيم الليبي والرئيس اليمني يتمسكان بالكرسي بحثا عن طوق نجاة. وفي سوريا لا يزال الحراك مستمرا بين كر وفر. انه ربيع الثورات العربية الذي هبت نسائمه مطلع العام الحالي والذي أصبح خريفا للأنظمة والحكومات. آراء عديدة من الشارع العربي لتقييم ما حدث، وتصوراته لما هو متوقع أن يحدث.

 

الكويت.. المطالبة برئيس وزراء شعبي امتداد طبيعي لنبض الشباب

 

 

 

 

 

لم تكن الكويت طوال تاريخها خالية من التنظيمات الشبابية الشعبية أومن اعتصام وتظاهرات تطالب بمزيد من الحريات، وتوسيع المشاركة، رغم ما تتمتع به من ديمقراطية ومشاركة شعبية في اتخاذ القرار من خلال مجلس الأمة «البرلمان»، إلا أن وسائل الاتصال الجماهيري، والإعلام الإلكتروني، ومواقع التواصل الاجتماعي، أسهمت في تشجيع أولئك الشباب، وعززت طرق التواصل بينهم، لاسيما بعد النجاح الذي حققته تلك الوسائل في الثورات الشبابية الشعبية التي عمت وتعم أرجاء الوطن العربي، فأسقطت من أسقطت من نظم، وهزت عروش نظم أخرى.

فالحراك السياسي والاجتماعي الذي فجرته التجمعات الشبابية الكويتية ومطالبها المستمرة بإصلاح النظام والتي وصلت إلى حد المطالبة برئيس وزراء شعبي منتخب، يعتبر امتدادا لحراك الشباب التواق للحرية، وما أطلق عليها من «جمعة الدستور، وجمعة الرحيل، وجمعة الغضب» التي كانت ساحتي الصفاة والإرادة» مسرحا لها، ما هي إلا حلقة من حلقات المطالبات الشبابية التي تجدد حيوية المجتمع ومسلمات الحياة، ولا تقف عند حد الجمود والتحجر، فالأمر في محصلته النهائية، يعتبر انبعاثا جديدا لرؤية مغايرة للحياة ولفكر الإنسان، وإثبات على قوة الشباب وقدرته على التغيير.

عضو مجلس الأمة السابق، وأحد قادة الثورات الشبابية خلال فترة الثمانيات دكتور أحمد الخطيب يقول إن الحركة الشبابية في الوطن العربي أصبحت منظمة، وتعي الوضع الذي يدور حولها، لذا فان عملية إجهاض الثورات مستمرة، وتخريبها من قبل الجهات المضادة، بات أمرا واضحاً، عبر خلق مشاكل أمنية واقتصادية، ويضيف إن الحركة الشبابية العربية هي من تقود الحركة الشبابية العالمية، وذلك لقوتها وتجربتها في فرض إرادتها.

ويبين الخطيب إن القضاء على الفساد مسؤولية الجميع، لاسيما الشباب الذين يمثلون ضمير الأمة الحي، ويشير إلى أن هناك من يتعمد تخريب مجلس الأمة الذي كان الصوت الحقيقي ليس للشعب الكويتي فقط، بل لكل الشعوب العربية، ويقول ان طبيعة الشباب في العالم، لا تعترف بالطائفية والمذهبية بل تؤمن بقوتها الحقيقية المؤثرة، ويلفت إلى أن التكنولوجيا الحديثة من خلال برامج التواصل الاجتماعي، ساهمت في تعزيز قوة الشباب عبر توحيد صفوفهم.

 

مستقبل أفضل

وبنظرة المتفائل يؤكد النائب علي الدقباسي إن المستقبل العربي سيكون أفضل مما كان عليه، لأنه سوف يبني بالحوار والتفاهم للوصول للأهداف المشتركة التي ترتقي بالآمال والطموحات. ويشير إلى أن التحولات السياسية التي يشهدها الشارع العربي أكبر دليل على أن الشعوب تطمح إلى الحريات، ويقول آن أسلوب الإقناع الذي انتهجته التجمعات الشبابية الشعبية كان كافيا لمواجهة أسلحة الأنظمة الدكتاتورية، بل ومواجهة الموت.

ويشدد الدقباسي على ضرورة الالتفات لمطالبات الشعوب العربية الطامحة إلى الحقوق والحريات والكرامة، ويلفت إلى أن الحراك السياسي العربي الحالي عبر الثورات الشبابية ينصب في مجمله لمصلحة الوطن العربي، لأنه يترجم واقعا يتلخص في أن الأشخاص زائلون والأوطان باقية. ويقول إن بقاء الأوطان رهن بأسس إنسانية مستحقة كالعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد والتفرد بالسلطة، ويشير إلى انه في ظل النهضة التكنولوجية وسهولة استخدامها فإن التغيير قادم والتحول جار لا محالة.

مواقع التواصل الاجتماعي التي كانت المحرك الرئيسي للثورات العربية والانقلاب على أنظمة دكتاتورية تفردت بالسلطة لعشرات السنين، وعززت ما يسمى بـ «صحافة المواطن» من خلال الصوت والصورة للأحداث ستبقى بلا شك مصدرا أساسيا للإعلام ومتابعا ومراقبا لنتائج الثورات، ومصدرا مرعبا في الوقت ذاته لكل من يحاول التفرد بالقرار أو سلب مكتسبات الشعوب، لذا لابد من معرفة آراء العاملين فيها والمتعاملين معها.

استقلال العازمي رئيسة تحرير وكالة انفراد الإخبارية تقول إن من أبرز سمات الثورات التي شهدها ويشهدها الوطن العربي هي «صحافة المواطن» حيث باتت المادة الأساسية والمصدر الأكثر ثقة التي يتم الاعتماد عليها في نقل معظم مجريات الثورات، خاصة في ظل المركزية والتعتيم التي تنتهجها الأنظمة إزاء تلك الثورات، وتشير إلى أن الشباب قالوا كلمتهم دون خوف من السلطة بعدما توحدوا بمساعدة مواقع التواصل الاجتماعي التي عملت على ترسيخ مفهوم جديد للثورات الشبابية.

 

صحافة المواطن

وتوضح إن صحافة المواطن سوف تستمر في أداء دورها بل وتتطور خاصة في مراقبة النظام السائد في الدولة من قبل فئة الشباب التواق إلى كل جديد في عالم التكنولوجيا، وتضيف أن التسابق الذي أبداه رجال السياسية تجاه مواقع التواصل الاجتماعي للتواصل مع الشباب، أعطى دعما آخر وثقة أكبر للشباب في قدرتهم لتغيير مجريات الأحداث، وتشير إلى أن المستقبل سيكون إلى الأفضل لأنه يحمل روح الشباب الساعية إلى الحرية بعيدا عن التنظيمات السياسية ذات الأهداف المحددة مسبقا وفق أجندات خاصة تراعي مصالح خاصة.

أما أستاذ علم النفس الدكتور عويد المشعان فقال إن الدول العربية ستشهد مشاركة جماعية في صنع القرار، خاصة بعد الثورات الشعبية التي كانت محركها الرئيسي فئة الشباب، ويشير إلى أن التكنولوجيا الحديثة وما دفعت به نحو صحافة المواطن خلّص الشعوب من عقدة الخوف.

ويضيف إن الوطن العربي كان الاستثناء الوحيد في العالم بعد سقوط دكتاتوريات تاريخية مثل الاتحاد السوفييتي، حيث لم يشهد أي ثورات شعبية. ثم جاء التغيير العربي وكان جذريا من الداخل بل ومدعوما بالروح الشبابية التي تريد الأمور على عجل، ويقول إن التغيير فرض واقعاً جديداً، حيث لن تعود الحكومات إلى الانفراد بالسلطة بل سوف تسعى إلى الحوار المعلن والشفاف وبما يصب في صالح الشعوب ويزيل عنها القمع وانتهاك الحريات.

 

مصر.. تفاؤل باستمرار التغيير تحت ضغط الجماهير

 

 

 

«الثورات العربية.. ربيع لا ينتهي.. وسوف يستمر وتهب رياحه على مختلف الأقطار العربية» هذا ما أكده عدد من الخبراء والسياسيين في مصر، والذين شددوا على أن جميع الإجراءات التي تتخذها النخب الحاكمة لن تفلح في إنهاء ربيع تلك الثورات، لأن خريف الأنظمة والحكومات سوف ينتهي مهما طال أمد المقاومة فرياح العاصفة هبت بقوة والتغيير آت ولو بعد حين.

فقد أكد الدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس وعضو مجلس الشعب السابق، أن جميع الثورات التي تفجرت حتى الآن ابتداء بتونس ومصر، والتي حققتا نجاحاً كبيراً في التخلص من نظم الحكم الاستبدادية فيها، ومروراً باليمن وليبيا وسوريا، وتلك التي ظهرت فيها إرهاصات الثورة مثل البحرين والأردن والمغرب والجزائر، كان المطلب الرئيسي والأساسي لهذه الثورات هي الحرية، وإقامة حياة ديمقراطية، والقضاء على النظم الحاكمة الاستبدالية، وهو ما نجح بالفعل في مصر وتونس.

وأوضح أن الحرية هي المطلب الأساسي للثورات العربية وذلك لتأسيس نظام ديمقراطي باعتباره المفتاح السحري لنهضة المجتمع وتقدمه، مشيرا إلى أنه لا يوجد مجتمع غير ديمقراطي متقدم، وأن الحالة الشاذة في ذلك والتي تمتلك نظام مركزي قوي للحكم هي الصين غير أنها تمتلك حراكاً ديمقراطياً ونظاماً ديموقراطياً لضمان تغيير النخبة من قمة السلطة وحتى القاع وباستثناء الصين فجميع الدول ذات النظم الاستبدادية تعتبر من الدول الرجعية المتخلفة الفقيرة.

وحول ما إذا كانت بعض القوى الأجنبية تقف وراء الثورات العربية وتدعمها، قال زهران السياسة الخارجية للدول تتحدد وفقاً لمصالحها، فإذا ما وجدت أن مصالحها مع الثورات فإنها تدعمها، ولكنها لا تصنعها، فالثورات نتيجة لإرادة الشعوب، أما الثورات التي تصنعها الجهات الأجنبية فهي محكوم عليها بالفشل وهذا ثابت علمياً، مشدداً على أن الثورات لا تنجح إلا بالإرادة الشعبية التي تأتي من الداخل استجابة لمطالب محددة لمواجهة ظلم أو استبداد أو طغيان، وبعدها قد تدعمها قوى خارجية، وقد يستثمر الشعب العوامل الخارجية للضغط على النظام الحاكم، أو تدعيم وإنجاح ثورته.

 

الفساد يعم البلاد

ويرى أمين عام الحزب الناصري، أحمد حسن، أن من أهم الأسباب التي أثارت ربيع الثورات العربية، ذلك الفساد الذي أصاب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية، واستئثار النخبة الحاكمة ومجموعات المنتفعين بهم بخيرات وثروات البلاد، وتفشي الرشوة والمحسوبية، على حساب الغالبية العظمى من الشعوب العربية، أضف إلى ذلك انعدام الأمل في الإصلاح في ظل بقاء مثل هذه التخم والأنظمة الاستبدادية الحاكمة، وهو ما كان يستلزم ويستوجب القيام بمثل هذه الثورات لتحقيق تغيير فعلي وجذري بحقق أحلام وطموحات الشعوب العربية.

وأكد أن نجاح ثورتي تونس ومصر، كان لهما فعل السحر في مسار الثورات العربية وفي تشجيع وتأجيج المشاعر العربية، ودفعها نحو الاستمرار في الثورة، والإصرار على مواصلة الكفاح ضد الأنظمة الحاكمة الاستبدادية، والتي عملت على تقطيع أوصال العالم العربي وإضعافه وبالتالي إضعاف شعوبه، والقضاء على الحلم العربي والمشروع القومي العربي لضمان السيطرة على الشعوب في شكل قطري، وهذا ما حطمه وأفشله «ربيع الثورات العربية».

وشدد على أن ربيع الثورات العربية سيتمر وستهب رياح التغيير على الكثير من الأنظمة العربية، وأن الأمر لن يتوقف عند مصر وتونس، متوقعاً أن تشهد بلدان أخرى سقوط أنظمتها الحاكمة، مؤكداً أن رياح التغيير لن تقتصر على البلدان التي تشهد زخماً سياسياً وحراكاً ثورياً حالياً مثل ليبيا واليمن وسوريا فحسب، وإنما ستمتد رياح التغيير إلى دول أخرى عدة، وأنه ربما تسبق رياح التغيير في هذه البلدان دول مثل ليبيا واليمن وسوريا.

وفدي مصري: ربيعنا تأخر كثيراً وشعوبنا لن تفوت الفرصة

 

أكد عصام شيحة عضو الهيئة العليا لحزب الوفد، أن ربيع الثورات العربية، تأخر كثيراً، وأن الشعوب العربية انتظرته طويلاً، ولذلك كان طبيعياً عندما يأتي إلا تفرط به بسهوله وأن تدفع في سبيله بالغالي والنفيس، وأن تصمد في مقاومة ومواجهة أنظمها المستبدة، التي كانت دوما تراهن على ضعف ذاكرة الشعوب العربية، وقصر نفس مقاومتها، وعدم قدرتها على الاصطفاف وراء حقوقها ومطالبها، وهو ما أثبتت الشعوب العربية خطأه خلال الأشهر الماضية.

وذكر أن تحرك الشعوب العربية جاء بعد أن أيقنت الشعوب أنه لا فائدة يمكن أن تنتظرها الشعوب من الأنظمة الحاكمة التي قدمت مصالحها الشخصية والعائلية على حساب مصالح الشعوب، فأفرقت شعوبها وظلمتها واضطهدتها، وأصابها المرض والجهل والتخلف لتضمن بقاءها في السلطة لأطول فترة ممكنة.

واستبعد أن يكون لأية إجراءات أو خطوات إصلاحية تأثير في إيقاف المد الثوري في المنطقة العربية، مؤكداً أن مارد الشعوب العربية انطلق من قمقمه، وأن تلك الشعوب أصبحت تعرف أنظمتها ونخبها الحاكمة أكثر مما تعرف هذه الأنظمة والنخب أنفسها، ولذلك فهي تدرك جيدا أنه لا فائدة من إصلاح هذه الأنظمة، وأن أي إصلاحات تنفذها هذه النخب الحاكمة هي مجرد محاولة لامتصاص غضب الشعوب والالتفاف على إرادة الشعوب العربية، وتوجهها الثوري، وأن تلك الأنظمة ما تلبث أن تعود لأوضاعها فور انتهاء العاصفة، لذلك فإن الشعوب لن تتقبل هذه الإصلاحات وستمضي في توجهاتها نحو التغيير.

وفيما يتعلق باعتماد الأنظمة الحاكمة سياسة الوقيعة وإحداث الفتن الطائفية في إطار ما يعرف بالثورة المضادة لإعادة الأنظمة القمعية، وقال لاشك أن بعض الأنظمة العربية لن تتورع عن استخدام كافة الوسائل في سبيل البقاء في السلطة، بما في ذلك إشعال نيران الفتنة الطائفية بين عناصر الأمة الواحدة، واللعب على أوتار الخلافات سواء الدينية أو المذهبية، أو العرقية أو الاجتماعية، والاستعانة بالمجرمين لإشاعة أجواء من الرعب والخوف في محاولة للبقاء في السلطة وإحكام القبضة على الدولة.

وأكد فشل هذه المحاولات القذرة للسيطرة على الأوضاع، لافتا إلى أن الشعوب العربية أصبحت أكثر وعيا وفكرا وإدراكا بما يدور حولها وما يحاك ضدها، ولديها القدرة على احتواء الأزمات والخلافات التي تثيرها الأنظمة الحاكمة والمستفيدين منها وفلولهم لإحباط الثورات العربية المتأججة والمشتعلة في نفوس الشعوب، مشددا على فشل كل هذه المحاولات.

 

 

الأردن.. التغيير ودروس التجربة التركية  حول الديمقراطية

 

 

«العرب ليسوا جديرين بالديمقراطية، ولا ينسجمون مع قيمها ومبادئها، وهم غير قادرين على أخذ زمام أمورهم بأيديهم». هذا تماما ما كان يؤمن به الغرب في نظرته الاستشراقية للعرب. ولكن الدكتور إبراهيم كالين، كبير مستشاري رئيس الوزراء التركي يقول: «إنها نظرة سقطت في غضون أسبوعين وتحطمت على صخور ثورة تونس ومصر».

المسؤول التركي كان يتحدث في حينه للمشاركين في أعمال مؤتمر اقليمي عربي تركي جاء بعنوان «دروس من التجربة الديمقراطية التركية» عقد في أنقرة بتنظيم مركز القدس للدراسات السياسية الاردني. بالنسبة إلى كالين فان الشرق الأوسط يتغير. كالين لم يقل ان العرب تغيروا بالفعل، ولكنه استخدم المضارع من الفعل فهم - أي العرب - يريدون رسم سياستهم بأنفسهم، من دون التدخلات العسكرية الغربية، في ظل التأييد المطلق لإسرائيل.

بالنسبة إلى المسئول التركي فقد أدرك العرب منذ زمن ان الغرب لم يقدموا لهم السلام ولا التنمية ولا الحقوق الموعودة، فنهضوا. يقول كالين: «ولكن الأمر يحتاج إلى قليل من الوقت». ولكن ماذا ستعني نهضتهم بالنسبة إلى من لا يريد هذه النهضة؟ منذ اندلاع شرارة الثورة ثم نضوجها واقتناع الناس بأنها (هي) تلك التي ينتظرونها منذ زمن بدأ وتحديدا عندما صرخ مؤذن الثورة التونسية بان (بن علي هرب) بدأ التوجس بالإسرائيليين يفعل فعله. ولم يكن الإسرائيليون وحدهم في ذلك, فبريطانيا نفسها صرحت في وقت مبكر من الثورات أنها تفكر (بإعادة تجديد) لروح جيشها وعدده، وعدته.

 

امة واحدة

يقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور احمد سعيد نوفل إن الإسرائيليين لم يكونوا يخشون من الجيش التونسي أو المصري بأن يهبّ ليحرر فلسطين، ولكن الجائزة التي منحتها الثورات العربية للقضية الفلسطينية هي عودة الشعور بأنهم لم يعودوا وحدهم كما كانوا، وان امة العرب باتت معهم. بالنسبة إلى دكتور نوفل فان هذا الأمر أهم ما في الثورات العربية ما يعني نفي مقولة بأن العرب فقدوا نسيجهم الوجداني القومي الواحد لصالح مجموعات طائفية وجهوية.

فيما يقول المحلل السياسي الأردني موفق محادين: ها هي الثورة الشعبية تعيد لهم مشاعرهم ووحدتهم القومية في الميادين والساحات، وليس عبر الايدولوجيا المجردة وصفحات الكتب. ويضيف، ما يفزع الغرب هو ان شغلهم لعقود طويلة بأننا مجرد شعوب متعددة وان فيما بيننا مصالح متضاربة , حرقته أول شعلة نار كانت بين يدي البوعزيزي، فخطاب (الأمة) ظهر بقوة بدليل الوجدان القومي الواحد ودبيب الأرض المشترك الذي يمتد اليوم في الوقت نفسه من المحيط إلى الخليج.

وفي المقابل يقول: من الخاسرين أيضا خطاب اليأس والهزيمة و العدمية والهويات القاتلة الكيانية المريضة الجهوية والانعزالية التي توارت بسرعة أمام الثوار الشباب رغم ما أنفق عليها من أموال وميديا على مدار العقود السابقة. ويسرد المحلل السياسي قائمة الرابحين من الثورات العربية المتواصلة فيقول إنها تضم المتظاهرين ثم بعض القنوات ,وكذلك الإصلاح السياسي ثم مؤسسات الجيش ثم الصين. أما قائمة الخاسرين فتضم الرؤساء المخلوعين وعائلاتهم ثم القاعدة, وبرامج السلام الأميركية.

محادين كان ينقل هذه القائمة عن مجلة «فورين بوليسي» الأميركية ولكنه يوافق عليها، سوى انه يزيد عليها أيضا بالقول: ان معظم قوى المعارضة التقليدية في الوطن العربي ,هي جزء من المعسكر الخاسر بعد أن تجاوزتها الثورة العفوية للشعوب ودور الشباب فيها. ومن أهم القوى الخاسرة , بالتأكيد العدو الصهيوني الذي فقد حلفاء مهمين فضلا عن المناخ العام للثورات العربية المتواصلة التي هي بالضرورة ثورات ضد هذا العدو. فهزيمة الفساد والقمع والاستبداد هزيمة له.

 

التضامن الحقيقي

وعلى حد تعبير أستاذ التاريخ الحديث في الجامعة الأردنية دكتور علي محافظة فان الثورات العربية أنعشت الآمال بالتضامن العربي الحقيقي وأكدت وحدة العرب على أسس عادلة وعقلانية. ويقول لقد أصبح من المتعذر الإبقاء على النزعة القطرية المنغلقة، مؤكدا أن في هذه الانتفاضات روحا عربية تصاحب آفاقها الديمقراطية الرحبة.

واتهم محافظة الغرب بمحاولة الالتفاف على مخرجات الثورات العربية. ولكنه في المقابل يؤكد إن لتلك الثورات العربية مخرجات شمالية، مشيرا إلى ما كتبه الصحافي الاسرائيلي آري شبيط في صحيفة هاآرتز عندما قال: تحولت دول الغرب أمام أنظارنا من قوى عظمى إلى قوى كلام، وذلك لتخلي الغرب عن مبارك وبن علي كما توقع هذا الصحافي الاسرائيلي انهيار قوة حلف النيتو خلال سنوات.

وبعد استعراضه لمجمل ما جرى من ثورات عربية حتى اليوم طرح سؤالا بات يحير المفكرين والصحافيين والسياسيين والمراقبين: لماذا اندلعت هذه الانتفاضات الثورية في نهاية 2010 وبداية 2011م؟ وهل تأخرت هذه الانتفاضات عن موعدها أو سبقته او جاءت في موعدها ولماذا؟

ويستعرض محافظة حال العرب قبل الثورات العربية وخلالها، وما يمكن إن تفرزه لاحقا. يقول» عانت الشعوب العربية من القمع السلطوي العربي، وعانت أيضا من السلطة الأبوية والطائفية والعصبية القبلية والاستبداد والفردية إضافة إلى قيام النخب الحاكمة بتحويل الدولة إلى عصابة ابتزاز تدير اقتصادها.

وأشار إلى أن للثورات العربية مخرجات آنية سريعة ومتوسطة وبعيدة. وقال: ما نشهده اليوم هو بروز للمخرجات الآنية السريعة، مؤكدا ان من بين أهم المخرجات المتوسطة هي الديمقراطية التي ستعيش في ظلها الشعوب العربية، شعبا شعبا.