أظهرت دراستان عراقيتان، مولت إحداهما منظمة الصحة العالمية، أن نسبة الأطفال الذين تعرضوا لحوادث شنيعة فشاهدوا القتل وشهدوا الانفجارات والإرهاب بلغت 58 في المئة، كما أن نسبة إصابتهم بالصدمات النفسية تراوحت مابين 14-17 في المئة، فأصبحوا معاقين نفسيا.
ونقلت وكالة «نينا» الإخبارية عن د.علي العبيدي الطبيب النفسي المتخصص في مستشفى اليرموك ببغداد، والذي اشرف على الدراسة الأولى، قوله «إن تلك الإعاقات النفسية ستنعكس سلبا على سلوكياتهم وإنتاجيتهم في المستقبل».
ولا يعد الخوف السبب الوحيد لتعرض الأطفال لتلك الصدمات النفسية، بل هي مخاوف أفرزتها الظروف الأمنية الخطيرة التي مر بها البلد خلال السنوات الأخيرة، فالطفل أوس (12 عاما) دخل في حالة ذهان حاد منذ أن شاهد فيلما على الهاتف النقال يصور حادثة مقتل صديقه ووالدته واحتراقهما.
أما احمد (11 عاما) فما زال يخشى النوم أو التنقل وحده بين حجرة وأخرى، حتى خلال النهار، كما يحلم برؤوس مقطوعة ويهب من نومه مفزوعا، منذ أن شاهد جثثا مرمية في الطريق إلى مدرسته خلال أحداث العنف الطائفي.
أمراض عضوية - نفسية
ولا يعمد جميع الأهالي إلى مراجعة أطباء النفس لدى إصابة أولادهم بأعراض نفسية كما يشير العبيدي - بل يلجأ اغلبهم إلى رجال الدين أو المشعوذين أو الأطباء المتخصصين بالأمراض العضوية طالما أن بعض الأمراض التي تدعى نفسية جسمية تصيب المريض بأعراض عضوية فيشعر بآلام في المعدة أو الرأس أو المفاصل، كما تنتابه حالات إمساك أو رعشة، ما يدعو أهله إلى اللجوء للطب العضوي في الوقت الذي يكون في أمس الحاجة إلى العلاج النفسي.
أما إذا تم تحويل الطفل المريض إلى طبيب نفسي فهناك أربعة مراكز للصحة النفسية حاليا، وهناك 36 وحدة نفسية في أكثر من مستشفى حكومي تم استحداثها في السنوات الأربع الأخيرة حسب د. محمد القريشي معاون المستشار الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة.
رصد حالات الطلبة
وإذا كانت مراجعة الطبيب النفسي مسألة تعتمد قبل كل شيء على وعي الأهل بأهمية ذلك وتتوقف على مدى مستواهم الثقافي والاجتماعي كما يشير القريشي- فإن هناك وسيلة أخرى أكثر جدوى، تعمل وزارة الصحة على تطبيقها لتدارك الإصابة بالأمراض النفسية لدى الأطفال، عبر إقامة دورات تثقيفية وتدريبية للمعلمين والمدرسين، لرصد الطلبة الذين يتعرضون لآثار نفسية، والمرشحين بالتالي للإصابة بأمراض نفسية، وتسمى هذه المرحلة بـ (الاكتشاف المبكر للمرض) ليجري علاجه بشكل فوري بعد إحالة الطالب المصاب إلى تلك المراكز النفسية أو التعاون مع أسرته لاصطحاب الطفل إلى عيادة طبيب نفسي، مؤكدا على أهمية دور المدرسة والأسرة في إنقاذ الطفل مما ينتظره من مصير، لابد وان يؤثر على دراسته وعلاقته بالمجتمع فيما بعد.
وتشكو إحدى الأمهات من إصابة ابنها ذي الثماني سنوات بالسلس البولي بعد أن كان يتمتع بالصحة الجيدة، وأنها لجأت إلى أكثر من طبيب متخصص بالمجاري البولية دون أن تتمكن من علاج حالته التي بلغت حدا خطيرا، حين بات يفقد السيطرة على نفسه في المدرسة، ما عرّضه للإحراج بين زملائه ودفعه إلى التهرب من المدرسة وملازمة المنزل والبكاء باستمرار حين يسخر منه أشقاؤه.
