والعام 2010 يلفظ أنفاسه هبت رياح عاصفة من تونس لتقتلع النظام، فتهاوى وسقط مع إطلالة عام 2011. وما هي أيام حتى انطلقت شرارة الثورة في مصر لتهز كيان النظام الحاكم هناك، ورغم الاستماتة ومحاولات الترقيع والسعي لقمع الثورة في مهدها حيث الآلاف يتحفزون في ميدان التحرير لم يجد الرئيس سوى الانصياع لقرار الجماهير فتنحى ورحل.

ولا يزال هناك نظامان يتمترسان في موقعيهما رغم سخط الشعب ومطالبته بالرحيل، فإن الزعيم الليبي والرئيس اليمني يتمسكان بالكرسي بحثا عن طوق نجاة . وفي سوريا لا يزال الحراك مستمرا بين كر وفر.

انه ربيع الثورات العربية الذي هبت نسائمه مطلع العام الحالي الذي كان خريفا للأنظمة والحكومات. آراء عديدة من الشارع العربي لتقييم ما حدث، وتوقعاته لما هو متوقع أن يحدث .

 

 

الخرطوم ـــ سناء عباس

السودان.. الشعوب

قالت كلمتها والأنظمة في مهب الريح

 

أصبحــت الأنظمة العربية في مهب الريح نتيجة لثورة الشعوب على حكامها.. البعض يرى أنها بداية لعصر جــديد بل وبداية النهاية لأي ظالم مهما كان موقعه.. فأهم انجازات تلك الثورات تحطيم الخوف الساكن في الشــعوب منذ زمن، والذي جعل الكل يلتزم الصمت لعقود إزاء الفساد والظلم، البعض يرى ان تلك الثورات سوف تجتاح معظم الدول العربية والإسلامية، وقد تصبح ظاهرة عالمية. والبعض الآخر يعتقد أنها ستتوقف.

السودان كان من أوائل الدول العربية التي هبت فيــها الثورات ضد الطغم الحاكمة، فأطاح بنظامين عسكريين عام 1964وكان يقوده الفريق إبراهيم عبود، ثم عام 1985 وكــان على ســدته المشير الراحل جعفر نميري، ورغم ذلك يتساءل كثيرون الآن أين الشعــب الســوداني ولمــاذا لــم يقــم بانتفاضــة تقتلع النظام والذي فاق عمــره أكثر من 20 عاما. السؤال حولناه لعدد من المفكرين والعسكريين وهنا حصيلة ما طرحوه من آراء.

يرى المحلل السياسي الدكتور الطيب زين العابدين أن هنالك عدة أسباب لقيام الثورات في الوطن العربي وتوجد أشياء مشتركة بين تلك البلاد التي قامت بها الثورات نتيجة لاستبداد وفشل لسنوات طويلة. مع استمرار الاستبداد فيها، رغم الانفتاح العالمي الذي أصبحت فيه المعلومات متاحة ويمكن معرفة ما يحدث في البلاد ومن يعبث بها سواء كانت أنظمة شمولية أو ديمقراطية.

 

الواقع العربي والأجنبي

وهنــالك مقــارنة بين الواقــع العربي والأجــنبي ما يجعل الشباب لا يقبلــون بالوضــع في بلادهم، كما أن الأنظمة جلست في الحكم عشرات السنيين كما في مصر وليبيا والسودان وتونس واليمن، فكان لابد للرئيس أن يترك كرسي الرئاسة بعد مضي دوره واحده في الحكم.

كما أن الرؤساء العرب اتجهوا لتوريث الحكم فحسني مبارك أراد توريث ابنه وكذلك القذافي وصالح، وأصبح مفهوم الحكم مركب فالرئيس يحكم هو وابنه.. كما أن الأنظمة العربية لم تحقق تنمية اقتصادية أو سياسية أو عسكرية لذا لا يوجد مبرر من بقائها في الحكم كما أن هنالك المحسوبية والفساد في البلاد مع ازدياد نسبة الفقر فيها، فليبيا مثلا مــن الدول الغنية يوجــد بها فقر ولا توجــد بها وظائف وسبب اشتعال هذه الثورات في تونس الشاب بوعــزيزة، والــذي لم يجد وظيفة وعمل عملا هامشيا ورغم ذلك فإن السلطات لم ترحمه وأصبحت تطارده في رزقه وهذه القصة نموذج نجده في كل الدول العربية.

وعن محاكمة الرؤساء يقول الطيب زين العابدين «سيحاكم الرئيس بقدر ما قتل من المتظاهرين ونجد أول من قبض عليهم بعد الانقلاب وزراء الداخلية وقبضوا عليهم وهم يحاولون التخلص من الأوراق التي تدينهم.. وكذلك قبض على الذين أكلوا أموال الشعب كما حدث في مصر وتمنى زين العابدين أن تطال المحاكمات كل الوزراء الفاسدين في الوطن العربي.

 

استبداد وفشل

اللواء بروفيسور محمد عباس الأمين الخبير العسكري والاستراتيجي قال إن ما يحدث في العالم العربي من ثورات، جاء نتيجة للفترات الطويلة التي يمضيها الحاكم في الحكم، والتي توجد خلالها الكثير من المفاسد نتيجة للقوة المسيطرة في مراكز الحكم على الثروة والإعلام.والمواطن مغيب وهنالك صعوبة للممارسة الحقيقية للديمقراطية وسيطرت أحزاب لفترات طويلة على الحكم على أساس تمتعها بقاعدة جماهيرية ولكن التجربة أثبتت عكس ذلك وما يدور الآن عكس للأحزاب بأنها لا تتمتع بسند شعبي قوي. وسقطت الحكومات الأمنية والحكومات البوليسية قام بتغيير تلك الأنظمة بواسطة شباب إمكانياتهم محدودة ولكن بإصرار وعزيمة.

إن سلبيات الأنظمة أطاحت بما يعرف بالتضامن العربي لذا طلبت جامعة الدول العربية من الأمم المتحدة التدخل عسكريا في ليبيا، كما أن ظاهرة وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدول، لم تعد ذات فائدة فليس هناك شيء يخفى، إذ يمكن بالتصوير عبر الهاتف الجوال أن ينقل الحدث كاملا للفضائيات.

وعن محاسبة الحكام الذين سقطوا بالانتفاضة الشعبية يقول، بدأت إجراءات المحاكمة فعلا لهم وهي تجربة جديدة، وظاهرة ايجابية خاصة في مصر، وتوقع أن تستمر الثورات، لأن العالم يريد ذلك.

 

غياب للديمقراطية

أستاذ الأنثربولوجيا والاجتماع السياسي بجامعة النيلين في الخرطوم، أشرف أدهم أعتبر الثورات الشبابية التي اجتاحت الدول العربية، احد الإفرازات الطبيعية لحكم الفرد المستمر، وغياب الآليات الديمقراطية للتجديد في السلطة. بالإضافة إلى أنه جرت العادة ان الحاكم يستمر في الحكم فوق العشرين عاما ويتحول نظامه إلى الاستبداد، حيث يشعر أنه مالك للدولة والشعب، وتقوم أجهزة الأمن بقمع الفساد.

وأشــار إلى إن الثــورات التي قامــت في بلدان مختلفة كان لكل واحده منها خصوصية اجتماعية وثقافية تميزت بها عن فالتونسية هي أول الثــورات تجمع الشباب فيها عبر الإنترنت، لذلك كانت تلك الممارسة بادرة جديدة لتنظيم الثورات بطريقة غير تقليدية.

وتوقع أن تستقر الأوضاع في تونس خلال فترة قريبة وذلك بالاستفادة من التغيير الذي حدث بتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ولا تختلف مصر كثيرا عن تونس لأنها تعتبر الدولة الأم للعرب، أما ليبيا فالوضع يختلف فيها لظهور الانتماءات القبلية، فأما تقمع الثورة أو تستمر ويعتبر ذلك من أخطر الآليات. والصراع القبلي يرتبط بالثأر ولا تغتفر خطاياه بسهولة، والأمر نفسه ينطبق على اليمن لوجود صراعات قبلية أيضا.

 

درس للسودان

وذكــر أدهــم أن السلطــة الحاكمة في الســودان يجب أن تستوعب ما حدث من حولها، وعليها إجراء إصلاح لتغيير الوجوه التي تحكم منذ عشــرين عامــا، وكذلك أن تغير السياسات العامة وإعطاء الشباب فرصة فــي العمــل بشكل حقيقي، حتى لا تحدث ثورة مشابهة. والسودان إذا حدثت فيه ثورة ربما تكون الأعنف على الإطلاق لأنه مستهدف وهنالك أياد خفية تعمل على تفكيكه، وبالفعل بدا الأمر بانفصال الجنوب وربما يستمر التفكيك في الدولة بالثورة الشباية.

رياح التغيير «تتسلّل»

إلى لبنان الذي طوّقته الطائفيّة

 

 

بيروت ــ وفاء عواد

 

في الأمس القريب، كان يُردّد بين الحين والآخر أن لبنان «يصدّر» الديمقراطية إلى بلدان العالم العربي.. لكنّ الأحداث العربية الأخيرة «عرّت» لبنان، وأظهرت واقعه بصورة أصدق وأكثر واقعية. هي صورة البلد الذي «يسخّر حرياته الإعلامية في خدمة زعمائه وطوائفهم»، وهي «المغارة ذات الأربعين حرامي، حيث الفساد يضرب المؤسّسات الرسمية بجميع متفرّعاتها الموزّعة أصلاً على الطوائف وزعمائها بفعل المحاصصة»، وفق قول الباحث في علم الاجتماع الدكتور الجامعي أنطوان مسرّة.

فمنذ انطلاق الثورة الأولى في تونس، بقي لبنان ولا يزال يعيش على وقعه الخاص، يتخبّط في مخاض تشكيل حكومة جديدة، يتجاذب مقاعدها وحقائبها زعماؤه المتعدّدون، يحتكرون بعضها ويطالبون ببعضها الآخر باسم طوائفهم، وهو «حق» لا يكفله الدستور وإنما عرف يتوارثونه منذ نشوء الجمهورية الأولى.. فالساسة في لبنان لا يشعرون بأي تهديد، إذ «يحميهم نظام طائفي محكَم، وهم يدركون أن أي انتفاضة على ذلك النظام تستلزم انتفاضات على أكثر من طائفة، وأكثر من مؤسسة، وأكثر من زعيم، وهم بالتالي يستمدّون قوّتهم من تعدّدهم»، حسب مسرّة.. أما «القطبة المخفية»، بحسب رأيه، فـ«تكمن في كون الساسة يعلمون أن أي مجموعة طائفية هي أضعف من أن تنتفض على النظام بمجمله، طالما أن الزعيم يُسوّق لها على أنها مستهدَفة كطائفة».

وعلى الرغم من ذلك، بدأت مجموعات من الشباب منذ 26 يناير الفائت بتنظيم مظاهرات، يطالبون من خلالها بإسقاط النظام الطائفي، هي في اعتبار البعض رمزية وغير فعّالة، بينما يرى فيها بعض آخر خطوة أولى يجب أن يُبنى عليها بجدية للتحوّل إلى دولة علمانية لا طائفية، ومنهم الشاعر شوقي بزيع الذي يرى أن «العلمانية الشاملة هي الأفق الوحيد للخروج من الطائفية».. أما الطبيب النفسي والباحث الاجتماعي الدكتور أحمد عياش، فيشير إلى أنه «في غمرة الاحتجاجات والإعتصامات والانتفاضات الإصلاحية في العالم العربي، يحاول بعض الكتّاب والصحافيين والسياسيين الحلماويين في لبنان من إسقاط أمانيهم ورغباتهم الواعية واللاواعية على مشهد إسقاط النظام الطائفي، وهم يعلمون أكثر من غيرهم أن الصيحات، ومهما ارتفعت، لن تغيّر من أنفس الكثيرين من الطائفيين داخل وخارج النظام.. وكان من الأجدى رفع شعار آخر يحقق الهدف بذكاء ومكر أكبر: الشعب لا يريد إسقاط النظام، الشعب يسأل فقط من أين لكم هذا؟».

وما بات معلوماً هو أن العديد من اللبنانيين ضاقوا ذرعاً بالنظام القائم، ولو لم يعترفوا بذلك علناً. ذلك هو على الأقل ما يتحدّث عنه اثنان من الباحثين السياسيين، هما رئيسة معهد العلوم السياسية في جامعة القدّيس يوسف الدكتورة فاديا كيوان والباحث في العلوم السياسية الدكتور كرم كرم.

يجمِع الاثنان على أن النظام الطائفي هو علّة لبنان منذ تأسيسه، وأن الديمقراطية التي طالما ميّزته بين «أشقائه» ما هي الّا ديمقراطية مقنّعة.. ويبدءان من حيث وصلت إليه حركات التحرّر في كل من مصر وتونس والبحرين وليبيا واليمن، مؤكّدَين أن ما توصلت إليه كل من تونس ومصر ليس سوى التحرّر من أنظمتها الحاكمة، أما مسيرة هذه البلدان نحو تثبيت الديمقراطية فما زالت طويلة.

 

انتفاضات عربية

وفيما لا تخفي كيوان أنها لم تكن تتوقع حدوث الانتفاضات العربية، لا بتوقيتها ولا بحجمها، وذلك على الرغم من أنها كانت ترفض النظريات الغربية التي كانت تنظر إلى الدول العربية كحالة استثناء بالنسبة لإرساء الديمقراطية، فإن الشعوب، بحسب كرم، لم تكن للتحرّك بشكل واعٍ «لو لم تكن قد راكمت معرفة بوضعها ووضع المنطقة والعالم، على الأقلّ منذ مطلع الألفيّة. وهي، بالتالي، استخدمت المعرفة في قراءة واقعها من منظار نقدي واكتشاف حالتها، كما في مراقبة التغيير ووسائله في مجتمعات أخرى»، مؤكداً أن مسار إعادة البناء هو مسار متعثّر ومعرَّض لانتكاسات.

أما كيوان، فتسجّل ملاحظتين حول ما حدث. فهي تعتبر، أولاً، أن تلك الثورات هي ثورات للحرية وهي تسبق الثورة للديمقراطية، بمعنى أنها تشكّل تمهيداً لانفلات الآراء من القيود وأشكال القمع للدخول في نقاش سياسي حقيقي، وستتبعها منافسة بين نخب لإنتاج البرامج السياسية تمهيداً للوصول إلى الديمقراطية. وتعتقد، ثانياً، أن تونس بدت أوضح في مسيرة تطهير الدولة من مخلفات نظامها السابق. بينما «نلتمّس في مصر قلقاً أكبر لدى الفئات الثائرة على مستقبل الثورة من النظام السابق». كما تعتبر أن وضع دول الخليج يختلف عن مصر وتونس، لأسباب عديدة أبرزها: أهميتها الجيو- استراتيجية التي يفرضها النفط. كما أن الدول الخليجية تأسّست على يد أسر حاكمة «ما ربط كيان الدولة بدور الأسرة، الأمر الذي يعطيها مشروعية في تكوين الدولة».

 

موانع الثورة في لبنان

يشدّد الدكتور مسرّة على أن «هناك أوجهاً بارزة موّحدة لأزمة الأنظمة التسلطيّة في الوطن العربي»، وأنه «لم يعد لتلك الأنظمة شيء تقدّمه لشعوبها. وقد أتت جميعها بمعادلات شبيهة تقوم على أمرين أساسيين: تكفّلها بالتحرير والنضال السياسي سواء في وجه المستعمر أو في وجه إسرائيل، وتكفّلها بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلد، في مقابل أن يدين لها الشعب بالولاء الكامل».

غير أن تلك الأنظمة، بحسب مسرّة، عجزت في كلا القضيتين، لاسيما في ما يخصّ الصراع العربي- الإسرائيلي. ويشير إلى أن «الشعوب العربية متراجعة في ميادين مختلفة، أبرزها مجالا العلم والتقدّم، وهو ما يقود إلى التثبّت من أن الأنظمة التي وعدت بالتحرّر أوقعت شعوبها في هيمنة من نوع آخر، لاسيما وأن سياسة الانفتاح الاقتصادي التدريجي لم يكن لها وقع إيجابي على الجماهير، ولم تعد بالنفع على الشعوب بل على الأنظمة وحكّامها».

ألا توصّف تلك الحالة الواقع اللبناني؟، يجيب الدكتور كرم والذي لديه توصيف مختلف للحالة اللبنانية يسمّيها بـ«اللاوعي الجماعي»: «بالتأكيد نعم، فالصراع واحد والتأخر العلمي واحد، تماماً كما أن الفوائد الاقتصادية حتماً لا تعود للشعب»، ويضيف: «وعينا هو وعي طائفي مستزلِم، وقد تمأسست الطائفية في النظام»، لافتاً إلى أن حركات التغيير في لبنان تصطدم بالحاجز الطائفي، على الرغم من أن اللبنانيين يبالغون بتقدير العامل الطائفي الذي لا يشكل سوى جزء من المشكلة، فـهناك مشكلة تضافر الزعامة مع المشروعية الدينية، وتضافرها في الوقت نفسه مع المشروعية السياسية. كما أن المواطنين غير الطائفيين لم ينتزعوا لهم مكاناً في المنظومة السياسية. ويضاف إلى ذلك عدم تأدية الطبقة البرجوازية دوراً للانتقال إلى الديمقراطية على غرار ما فعلته تلك الطبقة في المجتمعات الصناعية».

بدورها، تؤكد الاختصاصية في طب النفس العيادي مزيّن عسيران أن من خصائص الثورات «انفجار الشعوب العربية في وجه السلطات التي لم تعترف بوجود الشعوب على مدى سنوات طويلة، ولم تستمع إلى ما تريده»، لافتة إلى أن التظاهرات ضد النظام الطائفي في لبنان تملك إمكانيات النجاح «شرط إقناع الناس بأن الخدمات التي تقدّمها مؤسّسات الدولة العادلة هي أفضل بكثير من خدمات زعماء الطائفة».

الجزائر. . الشعب تجاوز النظام ومنع التظاهرات دليل خوف

 

 

الجزائر ـ مراد الطرابلسي

 

في تظاهرات الغضب التي شهدتها الجزائر، لم ترفع شعارات بتغيير النظام إلا في الأسابيع الأخيرة، ربما بفعل عدوى ما يجري في البلاد العربية التي تمكنت فيها الجماهير الغاضبة من إسقاط حكام وهزت عروش آخرين. ويتمحور الجدل في الجزائر في هذه الفترة حول ما إذا كان ممكنا أن يقود النظام القائم إصلاحات ترضي الشعب أم أن الأمر يحتاج إلى عملية جراحية عميقة.

وقد اختلفت وجهات النظر حول الموضوع والصحف اليومية التي يتجاوز عددها السبعين تنقل تصريحات مؤيدة للنظام وأخرى مضادة وتحليلات السياسيين والاقتصاديين والخبراء حول هذا الطرح وذاك. فمنهم من دعا لتغيير «دراماتيكي». مثلما حدث ويحدث في بعض البلاد العربية، ومنهم من يدعو لتغيير سلس بالعودة إلى نقطة الصفر وحل كل الهيئات القائمة، وانتخاب مجلس تأسيسي لصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات جديدة ومنهم من يكافح لبقاء الوضع على ما هو عليه.

وسط ذلك الزخم سألت «البيان» عددا من المتابعين والفاعلين من أطياف مختلفة حول اتجاهات التطورات على الساحة الجزائرية في سياق ما يجري عربيا وما إن كانت الاصلاحات السياسية التي أعلن عنها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في السادس عشر من ابريل الماضي كفيلة بتلبية تطلعات الشعب.

مصطفى بوشاشي احد أهم مؤسسي «التنسيقية الوطنية للتغيير» أكد أن الجزائر بشعبها وجموحها وعنفوان شبابها تجاوزت النظام الذي يحكمها بكثير، وصارت اكبر منه ولم يعد قادرا على التحكم فيها. وأن منعه القيام بمظاهرات ومسيرات ينبع من الخوف من طاقة التغيير الهائلة الكامنة في الأوساط الشعبية.

وقال الذي يرأس أيضاً الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان إن النظام الحاكم مدعو للرحيل، لأنه أثبت أنه غير قادر على الإصلاح. وإن طابعه يتناقض وإرادة الجزائريين بدليل انه يمارس القمع يوميا في حق من يطالبون بحقوقهم وبتحسين أوضاعهم، وإنه لا يقبل التعامل إلا بما يملى ويفرض. وأضاف وهو يتحدث عن خطاب الرئيس بوتفليقة الأخير الذي بشر فيه بإصلاحات سياسية «لا يمكن تصور إصلاح سياسي أو اقتصادي في ظل المجموعة الحاكمة وذهنية التسلط المتمكنة من كل دواليب الدولة».

فالعقليات متخلفة جدا ولا يمكن أن تتحول بين عشية وضحاها من قوة قمع للمطالبين بالتغيير إلى قوة تقود التغيير... هذا غير ممكن. لا يمكن لهذه الجماعة أن تغير نفسها بنفسها ولا أن تغير البلد الذي تأخر عقودا طويلة بسببها. وأتوقع أن تستمر مطالب الناس واحتجاجاتهم، وأن تنضج عوامل التغيير الحقيقي بفعل هذا الحراك.

 

3ملاحظات مهمة

وسجل عبد العزيز رحابي وزير الإعلام الأسبق ثلاث ملاحظات قال إنها رئيسية على الإصلاحات التي أعلنها بوتفليقة مؤخرا، أولى الملاحظات أن الإعلان جاء متأخرا، وثانيتها أنه جاء تحت ضغط الشارع الجزائري وما يجري في المحيط العربي والدولي، وثالثتها أنه لا يحمل تواريخ لتجسيده. وهذه الصفات الثلاث جعلته رخوا وضعيفا، ولا يحتاج المرء لمستوى علمي عال ليدرك أن الغرض منه مواجهة حاجيات مستعجلة فحسب وهو بذلك لا يجسد بأية حال من الأحوال مشروعا منسجما مدروس الأهداف.

وبدا محتوى الإصلاحات المعلن عنها مهزوزا ومرتبكا لا يقدم الجديد بل يعود بنا إلى ما كنا عليه قبل سنوات خلت . فهو يطرح تعديل دستور كان جيدا قبل أن تدخل عليه تعديلات في زمن بوتفليقة. بمعنى انه يعود بنا إلى دستور عام 1996.

وهذا في تقديري اعتراف مبطن بالفشل لكن دون اتخاذ قرار شجاع يفسح المجال أمام البديل. وانتقد التعاطي السلبي للنظام مع المبادرات المطروحة للتغيير السلمي من خلال مشاركة كل الأطراف الفاعلة في الساحة وليس باتخاذ قرارات لتمديد عمر النظام تقدم للناس على أنها إصلاحات.

 

حكم ذاتي

فرحات مهني رئيس الحركة من اجل الحكم الذاتي للقبائل، أطلق رأيا يعتبر الأكثر تطرفا من بين كل الأفكار الداعية للتغيير. فقد أكد أنه وسكان منطقته يئسوا من ثقل الحركة في عموم الجزائر، وعليه توجب عليهم ألا ينتظروا، فأعلنوا إقامة حركتهم الداعية لحكم ذاتي يمكنهم من تسيير شؤونهم وتحقيق أهدافهم. وقال «لقد فتح الربيع الامازيغي في عام 1980 الباب واسعا أمام تحرر الجزائريين من الخوف. وبالفعل كان ذلك التاريخ بداية مسار طويل سيتوج قريبا بقيام الديمقراطية الحقيقية.

وقال لقد كان النظام يرد دائما بعنف، كلما طالب الشعب بالحريات. وكسر مكاسب حركة أكتوبر 1988 ووفر شروط استمراره في الحكم القمعي. لهذا أقمنا الحركة من اجل الحكم الذاتي لشعب القبائل. ونعمل على تحقيق هذا الهدف، لترقية شعبنا وتمكينه من الحرية والديمقراطية والسلام. هذا الطرح جاء بعدما انفرد بنا النظام وقمعنا وقتل من أفراد القبائل أكثر من 120 شابا في ربيع عام 2001 لمجرد أن أنين المظلومين أزعجه. فالنظام ظالم ويجب أن يرحل ونحن نسمع قضيتنا للجميع، ونكسب كل يوم أنصارا في العالم. والحكم الذاتي لا يعني الانفصال. فالجزائر كلها لنا، لكن سنحكم أنفسنا، وليتعلم منا الآخرون وعندها سوف تعم الحريات وتقام الديمقراطية للجميع».

 

 

 

ناشط يمني: غياب القيادة والكاريزما لا يضعفان ثورة الشباب في الساحات

 

 

ثمة من يرى أن ما يعيب المعتصمين والناشطين في الثورة الشبابية اليمنية، تعدد وتنوع القوى المشاركة وغياب القيادة ذات الكاريزما. إلا أن الثوار يرون في ذلك التنوع والتعدد عامل قوة للثورة وليس ضعفا، لأن مثل ذلك الوضع كما بدا في حالة مصر وتونس قلل من فرص مناورة السلطة السياسية، وحجم قدراتها على استمالة طرف وإبرام صفقة منفردة معه، لأن التنظيمات السياسية والقوى السياسية في اليمن كثيراً ما كانت تسقط في صفقات مع الأنظمة، وترتب على ذلك إجهاض الثورة أو انتهاء، الأمر إلى احتكار القلة، بغض النظر عن ما تطرحه من أقوال تؤكد على روح الثورة ومبادئها.

الشاب فتحي أبو النصر الناشط السياسي في ساحة التغيير باليمن يرى في معرض رده على المآخذ التي تطرح حول افتقار الشباب للرؤية والبرنامج السياسي، أن ما يميز الثورة الحالية، أنها ليست كالثورات الانقلابية الأيديولوجية التي عرفتها البلدان العربية، من قبل، والتي كانت تقدم نفسها كبديل انقلابي جذري راديكالي، إنما هي مختلفة اختلافاً جذرياً، لأنها كما يرى تنتمي لحقبة وثقافة سياسية مختلفتين، بل إنها ضد المنطلقات الأيديولوجية المذهبية والعقائدية التي ميزت تلك الثورات. ويستطرد أبو النصر موضحاً: الثور الشبابية تشبع أفرادها بمفاهيم الحركات الحقوقية والمدنية التي تنتمي إلى ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي التي من أهم ملامحها، انتشار القيم الديمقراطية والحرية والتعددية كقيم كونية استطاعت أن تنتشر وتلقي قبولاً واسعاً بما هي مجموعة من الأسس والإجراءات لتنظيم الصراعات وتقاسم الثروة والسلطة وفق قواعد تنافسية.

ولذلك لا يرى معنىً لما يطالب به البعض مما يسمونه الرؤية والبرنامج السياسي لشباب الثورة على غرار النموذج الذي كرسته تلك الثورات، والتي للأسف طرحت أهدافاً فضفاضة كالقضاء على الفقر والجهل والمرض وغيرها من المقولات التي انقلبت عليها. وتناست بناء الدولة على أسس المواطنة والحداثة، على ضوء تلك الخلفية الهدف الذي يلتقي عليه الشباب اليوم هو دولة مدنية لا تخضع للرغبات والأمزجة والأشخاص، دولة مؤسسات ثابتة ودائمة، كما ترسخ وتبلور في جل الدول المدنية الحديثة. دولة تقوم على إعلاء سلطة القانون والعدالة والمساواة، وتلك الأهداف تحكمها أنظمة ذات معايير تعارفت عليها المجتمعات العصرية والمدنية التي أضحت تعمل بمقتضاها وهي مؤطرة ومنظمة بتراكمات واجتهادات قانونية ودستورية وإجرائية وهو ما يطمح إليه الثوار. ولهذا الخطاب المهيمن والسائد داخل صفوف الشباب اليوم يتمحور حول هذه القيم التي تلفظ الانقلابات وتتمسك بالمطالب السلمية المفضية إلى خلق دولة جديدة لا تحتكرها أقلية ولا فئة اجتماعية أو مذهبية ركائزها الأساسية القانون والمؤسسية والحكم الرشيد.

 

صنعاء ـــ عبد الكريم سلام

 

 

 

 

خبير جزائري: التغيير بالإصلاحات مطلوب ونرفض ثورات الآخرين

 

 

 

قبل البلدان العربية الأخرى التي شهدت اضطرابات ممتدة في الزمان أو ما صار يسمى بالثورات، مرت الجزائر بفصول من الاحتجاجات القطاعية والعامة. وتدخلت قوى الأمن ـ حسب إحصائيات رسمية ـ العام الماضي، في نحو ألف حالة تظاهر واعتصام وأحداث شغب. وسجلت في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام 2700 تدخل لقوى الأمن لتفريق متظاهرين. وسقط في بداية يناير الماضي ستة قتلى في مواجهات عمت أكثر من نصف عدد محافظات البلاد في احتجاجات على رفع أسعار المواد الاستهلاكية.

هنا وعلى عكس المنتقدين الداعين للتغيير الجذري يقول عبد المالك سراي الخبير الاقتصادي الدولي إن التغيير ضروري ومسألة حيوية، لكنه يرفض ان يكون ذلك على الطريقة التي تمت بها الأمور في تونس ومصر والدول العربية التي تشهد اضطرابات. وقال إن تلك الطريقة ستؤخر البلد كثيرا ومضاعفاتها من غير الممكن تصورها، وقد تتسبب في التأخر سنوات طويلة.

وأكد إن الإصلاحات بدأت فعلا في الجزائر وحققت نتائج مهمة إن كان في المجال الاقتصادي أو انعكاس ذلك على تحسين الوضع المعيشي للجزائريين. وقال إن 97 بالمئة من العائلات الجزائرية مرتبطة بشبكة الكهرباء وأكثر من 50 بالمئة منها موصولة بشبكة الغاز الطبيعي، وشبكات توزيع مياه الشرب وصلت إلى ابعد القرى المعزولة، والتعليم والعلاج متوفران للجميع وتوسيع المنجزات وتكريسها مستمر بنشاط.

وتوقع أن يستمر الجزائريون في المطالبة بالمزيد لأن هذا أمر طبيعي، لذلك ألح على أهمية الإسراع في إصلاحات أعمق توفر مزيدا من مناصب الشغل وبناء المساكن للمحتاجين وتحقق الاستقرار الاجتماعي الضروري بدوره لتحقيق مزيد من الرفاهة. وانتقد الثقل البيروقراطي وانتشار الفساد، وقال إنهما عاملان يعززان الاضطراب وينقصان من قيمة المنجزات.

وهو نفس ما ذهب إليه فاروق قسنطيني رئيس اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان، حيث دعا إلى ما سماه «التغيير في ظل الاستقرار». وقال إن الإصلاحات السياسية التي أعلن عنها الرئيس بوتفليقة ستعزز مسار الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي بدأت منذ سنوات وحققت نتائج كبيرة قلصت البطالة وجددت البنية التحتية للاقتصاد وفتحت ورشا كبيرة عبر البلاد.

واعترف بأن ثمة نقائص مسجلة على الصعيد السياسي والحريات أيضا مع ان الدستور يكفلها. وقال «الإصلاحات السياسية فعلا جاءت متأخرة لكن المهم الآن ان نتعامل بذهنية جديدة كوننا بدأنا باب الإصلاح مفتوحا»