رن هاتفها فلم تجب.. لم يكن اتصالا هاتفيا بل رسالة. لم تنظر حتى للهاتف. كان ذلك مربكا للبعض، ولكنه أمر اعتاد عليه الآخرون. ما زاد الأمر حيرة إن صديقتها طلبت منها رقم هاتف شخص ما. فقربت الجوال إلى أذنها لحظات، ثم بدأت بقراءة رقم الهاتف، والصديقة تكتب، تلك التي لاحظت دهشة البعض، فابتسمت ومالت إلى صديقتها الكفيفة وهمست لها بشيء ثم ضحكتا. لاحقا عرف المربكون إن هالة تقرأ رسائلها على الجوال أيضا.
لهالة مع جوالها قصص وحكايات، بعد أن حولته إلى أداة سمعية بالكامل. تقول: «لا يوجد مبصر يمكن له أن يستخدم الجوال كما استخدمه، سبحان الله لم أضع في عوالم العتمة دون أدوات، استبدلتها مكان عيونكم».
هي أنظمة الكترونية مكّنت هالة وزميلاتها من العيش بهناء على حد وصفها. فهي تستخدم الكمبيوتر بكفاءة عالية وتقرأ خطواته بتمهل. وتضحك «بدهاء» عندما تقول إنها اعتادت على سرعة النظام الالكتروني وتقنياته. لهذا عندما يحاول مبصر التعامل معه يتحول إلى أصم لا يعي ما الذي يقال.
أما جمانة ومريانا فصديقتان حميمتان جمعتهما إعاقة الصمم، وأصرتا على تخطيها فتفوقتا على الأسوياء. والصديقتان تعارفتا في جمعية المرأة الأردنية للصم، فأصبحتا مثل الشقيقتين، تأخذان بيد بعضهما، وتسيران كأن لا احد في العالم سواهما. تتشاجران فتعتقد إن الشجار سيكون طاحنا وهو آخر لحظات صداقتهما. ولكن ما إن ينتهي نقاشهما الساخن، وفي العادة لا يفهمه أحد سواهما إلا من تعلم لغة الإشارة، تغادران المكان بهدوء أو بصخب، فذلك لا فرق معهما.
جمانة البسطامي التي نتحدث عنها تبلغ من العمر 54 عاماً ومتزوجة، وقد حرمت من فرص التعليم المناسبة لها نظرا لإعاقتها، وللظروف الأسرية الصعبة حينها، فلم تحصل يومها على شهادة، تلك التي كانت طموحها في الحياة.
أما مريانا خانويان فتبلغ من العمر 27 عاما، ولان ظروفها مناسبة تحمل شهادة البكالوريوس في التأهيل الرياضي، وهي من الناشطات في المجتمع، فهي عضو في المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص المعاقين، وممثلة الصم في اللجنة الرياضية البارالومبية التابعة للاتحاد الرياضي، وأمينة صندوق جمعية تنمية المرأة الأردنية للصم، وناشطة في مجال حقوق المرأة وحقوق المعاقين. كما تعمل معلمة بالمرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدرسة الأمل للطلاب الصم.
ولم تكتف بالاشتراك في ثلاث ورشات تدريبية بمركز البيداء لتدريب وتأهيل الكوادر البشرية وحدها، بل دعت جمانا معها، فاستجابت وحضرت بفرحة الطفلة فهي أخيرا ستصنع شيئا في حياتها، وتحقق حلمها بالحصول على الشهادة بعد انتظار دام عقودا.
تشير جمانا إلى أنها تعلمت كيف تخرج طاقتها الكامنة فيها، لتكون إيجابية، وكيف تجذب السعادة لها ولمن حولها، وكيف تستغل طاقاتها في خدمة نفسها والآخرين.
وقد نالت ثلاث شهادات معتمدة وهي تشعر بالفخر لذلك. الأولى من المركز الكندي للتنمية البشرية ــ كندا والثانية من مركز سمارت مايند للتنمية البشرية ــ مصر، ولكن الأهم هي شهادة «ممارس البرمجة اللغوية العصبية»، وتلك كانت، حلما بالنسبة لها. ما يدعو للفخر أنها ولدى استلامها للشهادة الأخيرة حضرت معها ابنتها «هيفين» وحفيدتها «فيان». أما مريانا فتسعى للحصول على (بعثة) لنيل شهادة الدكتوراه في تخصصها الرياضي.
