ضمّة «السليق» بـ2500 ليرة، ولا جدل في السعر، لأن بضاعتها «بلدي» مئة في المئة».. تشرح «أم طعان» للزبون: «شمّ الريحة.. هيدا سليق واللي بالسوق سليق». و«السليق» فاخر بدلالة اللون الذي «يوِجّ» (يلمع)، والجودة والنوعية ركيزتان لسمعتها في الشارع الذي صار يحفظ صوتها منادية: «بلدي يا هندبة بريّة، أخضر يا سليق».. .
رأسمالها خضرة الأرض، وفي الغلّة عشرين أو ثلاثين ألفاً. نعمة في مهنة «التسليق»، لكن «الله لا يسامح اللي كانوا السبب».. يسألها الزبون عنهم وعن مقصدها، فتوضح: «اللي حرقوا الأرض، حرقوا معها الأخضر ورزقتي». وتعود لتستطرد.
: «بس أنا بضاعتي مش من أرض محروقة، ولا من أرض شربانة من الصرف الصحي». من أين لك هذا اذاً؟، تضحك مصوّبة إصبعها الى الشرق: «من هونيك». وهونيك حتماً ضمن الـ «13» بالمئة المتبقي من أخضر لبنان.
و«أم طعان» واحدة ممن ينتظرون بفارغ الصبر، وتحديداً في البلدات والقرى اللبنانية، موسم «السليق» والذي يّعرف بكونه موسم «الرزق الحلال».. وموسم «الأكل النباتي الصحّي»، بالنسبة الى الحاجة «أم حسن» (70 عاماً)، والتي لا تملّ من الرحلات الربيعية لجمع النباتات والأعشاب، فهي تنتظر ظهورها من موسم لموسم، تسرح في الحقول تجمعها وتعدّها وجبات غذائية، مؤكّدة أن صحتها وغياب الأمراض عن جسمها مردّهما إلى حضور هذه «الأكلات البسيطة على موائدنا من أيام أهلنا»، كما تقول.
وما إن يطلّ شهر أبريل، حتى تبدأ مشاوير ضحى شبه اليومية، والتي تتمكّن خلالها أيضاً من جمع مجموعة كبيرة من النباتات الربيعية التي تزخر بها سهول البقاع، تقدّمها لعائلتها ولأحفادها بقصد توفير غذاء شهيّ وصحّيّ لهم. وتسير حركة السيّدة وفق روزنامة نظّمتها بحسب خبرتها الطويلة، وتحدّد فيها تراتبية ظهور هذه النباتات.
فمن الفادرية (البلغصون) والمصيريني بداية، إلى القرّة والجرجير والحُمَّيضة عند جنبات السواقي والجداول، وما يتبعهما من الدردرية وجنينة العصفور والحلبلوب، والنفيخة والخبيزة، فضلاً عن العكّوب وقرص العنّة والـ «مخّه بعبّه» التي تنمو بين الصخور في الجرود.
وتؤكد ضحى أنّ الأعشاب والنباتات التي تكثر خلال هذه الفترة من كل عام «لا تخلو من الفيتامينات والألياف»، و«بتاكل (تأكل) لقمة صحّية ميّة بالميّة (100%)، بعيداً عن سموم الحداثة»، وفق قولها.
