الخوف أمر طبيعي وشعور متأصل داخل كل منا، لكن هناك قاعدة معروفة تقول «إذا زاد الشيء على حده انقلب إلى ضده»، فعندما يزداد الشعور قد نجد أنفسنا مرضى نفسيين نعاني من خوف غير طبيعي، يسيطر علينا ويشكل خطرًا على حياتنا وحياة من يحيطون بنا، فما هو هذا الخوف المرضي الذي يسيطر علينا؟ وما هي أسبابه بشكل عام؟
ومتى يشعر الإنسان أنه أصبح مريضاً بالخوف؟ وهل هو مرض فطري أم مكتسب؟.. تلك الأسئلة حاولنا الإجابة عنها في السطور التالية.
( ب.ع ) فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، تقول إنها تشعر دائما بالخوف لكن لا تعلم مصدره، وتؤكد أن الخوف يراودها بشدة وخصوصاً عندما يحل الليل وتجد نفسها بمفردها، بل إنه يمتد، لتجد نفسها تتساءل عن سبب وجودها في الدنيا، .
بل وتخاف بشدة من تكوِّين صداقات جديدة، أو أن تتعامل مع مجتمع لم تعرفه من قبل، وتضيف إنها رفضت أن تتواجد في حفلات وأماكن بها أشخاص كثيرون. وهي لا تعلم إذا ما كان هذا الخوف مرضيا أم لا؟!
(ن.و) هي فتاة أخرى ولكنها تبلغ من العمر 22 عاما، تقول إنها تشعر بالخوف من أشياء قد تبدو طبيعية عند البعض وليس هناك مبرر للخوف منها، فعلى سبيل المثال هي تخاف بشكل دائم من المستقبل ومن أشياء حولها قد تتحكم في مستقبلها، وحتى إذا كانت هي التي تتخذ قرارات تحديد مستقبلها فهي أحيانا تشعر بالخوف أن تكون هذه القرارات مرفوضة في نطاق عائلتها، .
ويصل خوفها في هذه الحالة إلى درجة تشعر معها بالاختناق والاكتئاب من الحياة والرغبة في مغادرتها. تضيف إن بعض أصدقائها وصفوها بأنها مريضة وأنها تحاول أن تتخيل أشياء لم تحدث؛ لذلك قررت ألا تناقش أحدا في مشاعرها ولا تقول لأحد إنها خائفة.
أعراض عضوية
الدكتور أحمد شوقي العقباوي، أستاذ الطب النفسي، يقول إنه عندما يكون هناك مصدر لإثارة الشعور بالخوف يصبح الأمر عادياً ولا يستدعي القلق، أما عندما تصبح استجابة الإنسان للشعور بالخوف مبالغا فيها أو عندما يشعر بالخوف بدون أن يكون هناك أي مبرر لهذا الخوف، فيصبح هذا خوفًا مرضيًا وله أعراض عضوية أخرى مثل أن تزداد سرعة ضربات قلب المريض مثلا.
يؤكد العقباوي أن الخوف أمر مكتسب من البيئة والأسرة، فالإنسان يتعلم كيف يخاف ولكنه لا يولد خائفًا، فالأطفال لا تدرك متى تخاف ولكنها تتعلم الخوف مع ما تواجهه في الحياة يوميا، فالطفل يجري مسرعا أمام السيارة ولا يعلم أن ذلك خطر وقد يودي بحياته، ولكنه تدريجيا يخاف ويأخذ احتياطاته، ومع الوقت يبدأ الطفل يتعلم الخوف، .
فكل الناس لديهم الاستعداد للخوف، ولكن مدى الاستجابة للخوف تشكله الأسرة والعوامل البيئية المحيطة بالفرد، ولكن أخطر أنواع الخوف المرضي هو الخوف الذي يعيق صاحبه عن أداء وظائف حياته، ويعد القلق والهلع من أهم أنواع الخوف، حيث تصاحبها اضطرابات في دقات القلب وأزمات صحية.
أستاذ الطب النفسي يضيف إن مريض الخوف يكون على دراية كاملة بأنه مريض وأنه بحاجة إلى علاج، والفاصل بين الشعور بالخوف العادي والخوف المرضي هو الأسباب المنطقية للشعور بالخوف وحجم المثير، فمثلا لو أن هناك كلبًا محبوسًا فليس هناك أي مبرر للخوف من الكلب؛ لأننا نعلم أنه لن يخرج وأنه محبوس، ولكن إذا شعرنا بخوف تجاه الكلب المحبوس فهو خوف مرضي ليس له أي مبرر.
والخوف المرضي مثله مثل أي مرض يمكن التغلب عليه بالتدريب والتعرض التدريجي للمثير، فعلى سبيل المثال إذا كان هناك طفل يخاف من المياه ففي البداية نحاول إقناعه عن طريق الحديث معه بأن المياه ليست مخيفة ثم يبدأ في مشاهدتها عن بعد ثم نقف به على الشاطئ وهكذا.
. فالتعرض المستمر لمصدر الخوف مع وجود شخص معه يكون مصدر أمان للمريض ويساعده على التخلص من هذا الشعور، ويطلق على هذا النوع من العلاج المدخل السلوكي، كما يمكن معالجة الخوف عن طريق الأدوية والعقاقير. وأشهر أنواع الخوف المتعارف عليها الخوف من الصراصير، والخوف من الفئران فهناك سيدات عندما تعلم أن مطبخها به فأر يغشي عليها وهكذا.
عوامل وراثية
أما دكتور أحمد عبدالله، أستاذ الطب النفسي، فيرى أن الخوف مرض نفسي يبالغ فيه المريض دون أن تكون هناك أسباب حقيقية له، مشيرا إلى أن الخوف يتأثر بالعوامل الوراثية إلى حد كبير، فالأب والأم اللذان لديهما خوف كبير من شيء ما؛ تجد أبناءهما على نفس الشاكلة، .
ولكن لا يمكن إغفال دور التنشئة الاجتماعية والبيئة المحيطة التي قد تصيبنا بمرض الخوف دون أن نشعر، فتربية الأطفال جزء منها قائم على الخوف وتدعيم شعور الخوف لدى الأطفال الصغار مثل إرهاب الأطفال دائما بـ «أبو رجل مسلوخة، وأبو شوال..» وغيرها من الأشياء التي قد يتصورها الأطفال على أنها أشباح مخيفه تربي عندهم شعورًا بالخوف المستمر.
ويضيف قائلا: إن أكثر أنواع الخوف المرضي انتشارًا هو مرض «الاكتئاب والقلق»، حيث يشعر الإنسان بأنه فقد متعة الحياة والأشياء من حوله ولم يعد مستمتعًا بحياته، فيؤدي هذا إلى شعوره بالاكتئاب، .
وقد يؤدي استمرار الضغط والقلق على الإنسان إلى دخوله أيضا في حالة اكتئاب، ويكشف أن من أكثر النماذج التي مرت عليه وتعاني من الخوف المرضي كانوا شباب لديهم مخاوف اجتماعية متعلقة بمخاوفهم من المشاركة في المجتمع والحديث مع الجنس الآخر وثقتهم في أنفسهم.
إلى هنا يؤكد علماء الاجتماع أن مساعدة الأطفال على التخلص من الخوف، تتم من خلال قيام الأبوين بتربية روح الاستقلالية لدى الطفل وعدم قيامهما نيابة عنه بما يجب أن يفعله هو وألا يقارناه بغيره وعدم السخرية منه أو الاستهزاء به.
