والعام 2010 يلفظ أنفاسه هبت رياح عاصفة من تونس لتقتلع النظام فتهاوى وسقط مع إطلالة عام 2011. وما هي أيام حتى انطلقت شرارة الثورة في مصر لتهز كيان النظام الحاكم هناك ورغم الاستماتة ومحاولات الترقيع والسعي لقمع الثورة في مهدها حيث الآلاف يتحفزون في ميدان التحرير لم يجد الرئيس سوى الانصياع لقرار الجماهير فتنحى ورحل. ولا يزال هناك نظامان يتمترسان في موقعيهما رغم سخط الشعب ومطالبته بالرحيل فإن الزعيم الليبي والرئيس اليمني يتمسكان بالكرسي بحثاً عن طوق نجاة. وفي سوريا الحراك مستمر بين كر وفر. إنه ربيع الثورات العربية الذي هبت نسائمه مطلع العام الحالي الذي يعتبر خريفا للأنظمة والحكومات. آراء عديدة من الشارع العربي لتقييم ما حدث، وتوقعاته لما هو متوقع أن يحدث.

 

شباب بحرينيون: التحركات لم تأت من فراغ والتحديات مستمرة

 

أجمع شباب البحرين بأن الثورات التي حصلت في بعض الدول العربية لم تأت من فراغ بل جاءت بعد أن أصبح وضع الكثير من تلك الشعوب يرزح تحت وطأة الفقر واليأس والقهر والبطالة والحياة المعيشية الصعبة التي يعاني منها، إضافة إلى الكبت وعدم منح الحرية للشعوب ما جعلها كيانات صامتة تخاف الحديث في السياسة، وهو ما ولد لديها ردة فعل غاضبة عندما سنحت فرصة التغيير والانقلاب على أنظمتها الحاكمة.

 

واعتبروا أن ما يحدث في الوطن العربي اليوم من ثورات لم يكن مفاجئا كما يعتقد البعض والمتتبع للساحة السياسية وما بين السطور يدرك أن هناك ثورات كانت ستظهر يوما ما، مؤكدين بأن ما نراه الآن في الوطن العربي لا يعد غريبا خاصة مع وجود مؤشرات تبين أن هناك من يحاول دائما شق الصفوف وإثارة الطائفية أو العنصرية خاصة عندما يكون وراء ذلك أياد خارجية.

وتوقعوا عدم توقف موجة الثورات عند دولة من الدول بل أنها سوف يمتد ذلك إلى دول أخرى دون شك ستتأثر بتلك الموجة التي اجتاحت العالم العربي والتي تسعى إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مؤكدين بأن ما حدث في البحرين لا يمكن تسميته ثورة لأنها كانت تنطلق من كونها سيطرة طائفية بتحريض خارجي، ويمكن تسميتها بأن فوضى غير مشرعنة قائمة على المطالبات المرتكزة على النهج الإقصائي، وبهذا الشأن:

قال الإعلامي البحريني إبراهيم النهام أن «ما يجري في العالم العربي الآن من فوضى ثورات إن صح التعبير، يعيد للأذهان إعلان الخارجية الأميركية قبل عدة أعوام ما يسمى بخارطة الشرق الأوسط الجديد، والمرتكز على أنظمة حاكمه نابعة من صناديق الاقتراع، والتي يحددها أبناء الشعوب ذاتهم، إضافة إلى تفتيت بعض الدول ذات الثقل وتحويلها لدويلات مستضعفة يمكن السيطرة عليها وتوجيهها لتفعيل المصالح الغربية بكل بساطة». وأكد أنه لا يمكن لنا أن نتجاهل الدور السيئ الذي لعبته بعض الأنظمة العربية التسلطية في استنزاف الثروات، وفي قمع شعوبها، وفي تزوير الانتخابات التشريعية، وكذلك بخلق القنابل الموقوتة وبمقدمتها زيادة البطالة، وارتفاع نسبة التضخم، وتدني الرواتب، وصعوبة الحياة المعيشية، وأيضاً تراجع الخدمات الصحية والتعليمية والسكانية، في ظل وجود كم هائل من الموارد الاقتصادية، الطبيعية والصناعية منها.

وأشار إلى أن الثورات التي حصلت كانت منطقية إلى حد ما بفعل وصول الشعوب إلى حالة من اليأس القاتل، وتمادي بعض الحكام كما جرى بتونس والجزائر بتغيير بنود الدستور للسماح لرئيس الجمهورية بالترشح للرئاسة بلا سقف يحول دون ذلك، وهو ما يشكل تعديا على كرامة المواطنين، وحقهم الطبيعي والمستحق بالاختيار، ولكنه أستثني بما ذكرت ما جرى بالبحرين باعتبار الأحداث التي عصفت بها مؤخراُ فوضى غير مشرعنة قائمة على المطالبات المرتكزة على النهج الإقصائي والفئوية الضيقة.

من جانبه، أشار الناشط الشبابي البحريني خالد موسى البلوشي إلى أن سلسلة المظاهرات والاعتصام التي اجتاحت الدول العربية والتي كانت تدعو لإسقاط النظام هي مطالب بالحرية ومنها مطالب بحياة كريمة وتعددت الأساليب وقال «إنني لأرى أن مثل هذه الموجات شيء إيجابي للحركة السياسية في الدول العربية حتى نتمكن من إسقاط الأقنعة من كلا الطرفين».

وتوقع عدم توقف موجة الثورات عند دولة من الدول بل سوف تتواصل إلى دول الأخرى، فقد بدأت في شمال أفريقيا وانتقلت إلى آسيا من شرقها إلى غربها وستحرك معها مقاعد وأنظمة وكذلك بقايا ثورات يراد من ورائها استعمار واستيلاء، وقال «لعل هذه الموجة ستتخطى من رمم سقف نظامه وقام بالإصلاح السياسي ورفع من مستوى شعبه».

وأضاف «يمكننا المقارنة بين ثورة أبناء مصر كانت من أجل الوطن لترفع من كيانه إلى الأفضل وتحسن من مستوى معيشة شعبها وهذا ما أتمناه شخصياً لمصر العظمى وبين الثورة المزعومة في البحرين والتي كانت من أجل السيطرة الطائفية وهذا ما كان جلياً أمام الجميع». وتابع «ما ينتظره الكثير من المتابعين ما سيحل بالمفسدين من محاكمات وما هو مصير الدول التي سقطت أنظمتها وما هي خطوات الإصلاح القادمة ومن سيقود هذه البلاد، ولعل البحرين ينتظرون أيضاً ماذا سيحل بخونة الأنظمة لمصالح أخرى على حساب الشعوب».

 

ليست مفاجأة

من جهتها قالت الصحفية البحرينية منى المطوع «ما يحدث في الوطن العربي قد يحسبه البعض مفاجئا ولكن المتتبع على الساحة السياسية ومن كان يقرأ ما بين السطور فيها كان يدرك أن هناك ثورات كانت ستظهر يوما ما والسيناريو الحاصل الآن في الوطن العربي لا يعد غريبا خاصة مع وجود مؤشرات تبين أن هناك من يحاول دائما شق الصفوف وإثارة الطائفية أو العنصرية خاصة عندما يكون وراء ذلك أيادي خارجية».

وأضافت أن «من يطلع على التاريخ العربي سيتيقن من صحة ما أشير إليه ويبدو أن هذا العام ما ميز تلك الثورات وجعلها تبرز بشكل قوي أنها بدأت كثورات تكنولوجية أي أن الوسيلة اختلفت من منشورات ورقية أو مظاهرات إلى فيس بوك وتوتر فيما غاية التغيير والإطاحة بالأنظمة والإصلاحات لا تزال كما هي على مر السنين ولكن بالطبع من الظلم أن نأخذ جميع الدول العربية على محمل واحد فهناك حكومات نعم وجب التغيير فيها فيما هناك حكومات تحتاج للإصلاح لا أكثر بينما هناك حكومات دول لو ذهبت لعم الفساد وشاعت الفوضى».

وأوضحت أن المتتبع للساحة العربية يجب أن يميز بين طبيعة الثورات، أي بمعنى هل الثورة الخارجة هي فعلا ثوره وطنية تأتي لأجل الإصلاح؟ أم أن وراءها جهات خارجية لا تريد للبلد خيرا؟ الإجابة على السؤال هو مربط الفرس بالنسبة لهذه الظاهرة العربية، التي اعتقد أنها كغيرها، موجة ظهرت وستستمر فترة ثم تختفي.

وقد تعاود الظهور ولكن بنمط آخر. فهي ثورات مرحلية بعضها قد يسجل في التاريخ سابقة تاريخية فريدة من نوعها والبعض الآخر قد يسجل كحماقة تاريخية وخيانة للوطن والشعب، والجيد فيها أن هناك العديد من الأنظمة والحكومات بدول أخرى بدأت تخشى على أن تنتقل إليها هذه الموجة فأخذت تسير نحو التغيير والإصلاح وتوسعة الصلاحيات والمزايا التي تقدمها للشعب، فيما أنظمة أخرى بدأت تدرس إجراء خطوات تغيير أو انتبهت لما يحيط بها من أخطار فأصبحت تعاود النظر في سياساتها الداخلية والخارجية».

 

فلسطين .. قضية المرحلة المقبلة وقلق من الفوضى ببعض المناطق

 

 

 

احتل الربيع العربي وتأثيراته عناوين المرحلة دون منازع، وتراجعت دونه العناوين الأخرى. ويرى الخبراء والمحللون ان العالم العربي سيعيش لفترة طويلة قادمة مع الحراك الجماهيري وتأثيراته على النظم السياسية والثقافية والاجتماعية.

ويقول الدكتور سعيد زيداني استاذ الفلسفة في جامعة القدس إن ما يجري في العالم العربي هو حركة تغيير باتجاه الديمقراطية شبيهة بالحركة التي عمت دول المنظومة الاشتراكية السابقة. ويرى ان حركة التاريخ في المنطقة تجري باتجاه تغير النظم الاتوقراطية إلى نظم ديمقراطية، وان تحقيق ذلك مسألة وقت.

ويعتبر زيداني أن المجتمع العربي يتجه إلى «دولة المواطنين والمؤسسات والقانون والدستور»، وهي ذاتها الدولة الليبرالية المحايدة التي يقول إنها تكفل لمواطنيها الحرية والمساواة أمام القانون، والفصل بين السلطات.

ويرى الكاتب ماجد كيالي ان هناك إشكاليات أخرى عديدة تحول دون تمثل الديمقراطية في بلداننا، منها: تدني مستوى التطور السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وأزمة الهوية والشرعية، والمداخلات الخارجية التي قال بانها تلعب دورا في تعزيز مناخ الأمن والعسكرة داخليا.

ويضيف: «لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الدولة، فمعلوم أن هذه الدولة نشأت، على الأغلب، بصورة مشوهة، في رحم الحقبة الاستعمارية، بوساطة الجيش، أو بواسطة القبيلة، والجهاز البيروقراطي، وعلى قاعدة وصائية وزبونية وتسلطية، ولم تنشأ بواسطة التطورات الطبيعية السياسية والاقتصادية والمجتمعية؛ ما أدى إلى إقصاء المجتمع.

وتهميش الفرد، وتحويل جهاز الدولة إلى مجرد جهاز للسلطة والسيطرة والتحكم». ويشير إلى ان ذلك يفسر أن الدولة العربية التسلطية اضطلعت بدور كبير في عرقلة الاندماج الاجتماعي/الوطني، وإن بتفاوت، على اعتبار أن ذلك يسهم باستمرار هيمنتها على مكونات مجتمعها، فحيث ليس ثمة دولة مواطنين، لايمكن الحديث عن مجتمع مدني».

مقابل ذلك-أضاف- نشأت الدول الأوروبية الحديثة، بواسطة البرجوازية، وعلى قاعدة الضرائب والتمثيل والمساواة أمام القانون، وبدفع من الثورة الصناعية، والتطورات في مجال العلوم والتكنولوجيا وانتشار التعليم والمعرفة في المجتمع؛ والتي أدت إلى ظهور المدن، ونشوء الأسواق القومية، ونمو الطبقة الوسطى (من المثقفين والمتعلمين)، والمجتمع المدني».

وقال بان هذه التطورات أفضت، في حينه، إلى نشوء دولة مدنية، ودستورية، تكفل حقوق الإنسان، وتحد من السلطة المطلقة، بواسطة الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)؛ وتلك هي الدولة التي أمكن لها التوجه نحو المسار الديمقراطي.

ويعتبر كيالي أن «كل الأوضاع تدفع نحو النكوص عن الدولة في الواقع العربي، من نمط السلطات السياسية القائمة، والسلطات الثقافية المهيمنة، إلى الانتماءات المجتمعية السائدة (الطائفية والمذهبية والقبلية والاثنية)، إلى التحديات الخارجية المتشعبة والمعقدة».

ويرى بعض الخبراء أن الحراك الشعبي فتح الطريق إلى بعض الجماعات المتعصبة للعمل على تحقيق أهدافها المتمثلة في محاربة كل الجهات التي يختلفون معها خاصة القوى العلمانية والديمقراطية مثل القوى السلفية التي نشطت بصورة لافتة في بعض الدول مثل مصر والاردن وفلسطين وعملت في فلسطين على ممارسة الاغتيال ضد النشطاء الغربيين المتضامنين مع الفلسطينيين وعملت في الاردن على استخدام السيوف في مهاجمة قوى الامن.

ويقول الكاتب الاردني علي عبدالله القاق إن الهجمات التي شنها السلفيون المسلحون بالسيوف في الاردن على قوى الامن «خارجة عن القانون» و«ان المسلمين يرفضون هذا التعامل مع رجال الامن وترويع المواطنين الآمنين والابرياء». وأضاف: «إن ما قام به العديد من هؤلاء التكفيريين هم بعيدون كل البعد عن وسطية الاسلام لأنها تعني الاعتدال والتوازن بين أمرين، أو طرفين بين افراط وتفريط وغلو وتقصير».

ومضى يقول: «لقد خالف مرتكبو هذه الاحداث تعاليم الدين والشرع العدل والطريق الاوسط الذي تجتمع عنده الفضيلة. وتساءل: فأين هذه الاعمال المجرمة من حديث سيد قطب رحمه الله عندما قال: «وإنها للامة الوسط، سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، او من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد».

ويرى ان المطلوب هو «حل المشكلات والقضايا بالحوار» لاغلاق الطريق على مثل هذه الفئات التي يصفها بالعدمية، الحوار الهادف والبناء والحفاظ على وحدة الوطن ودون المساس بدماء وأعراض المواطنين!

ويرى الكاتب حمدي فراج أن الصراع مع إسرائيل يجعل التغيير في بعض دول المنطقة أمرا بالغ الصعوبة مثل سوريا.ويقول بأن النظام في سوريا لن يسلم البلاد إلى المجهول بمجرد خروج الجماهير السورية إلى الشارع لان «أميركا موجودة في الميدان وأقمارها في السماء».

وأضاف: «بالقدر الذي يختزن النظام السوري مساوئ ما انزل الله بها من سلطان، مؤسسة على مراكز قوى في حزب هرم، بدءا بالامن والمخابرات والجيش والشرطة والسجون، مرورا بالقضاء والاعلام ووسائل الاتصالات، وانتهاء بالتشريع والاحزاب والساسة، للدرجة التي تدفع المرء للتساؤل ان كان هذا النظام فعلا وطنيا، فإن المظاهرت والشوارع تحوي ما هو أكثر من ذلك وانها ستتواصل بصورة اقوى ما لم يتم الاستجابة لمطالب الشارع».

ويرى الكاتب أن «وطنية النظام اي نظام، تتجسد وتتكثف اليوم في النزول عند طلبات الناس وتلبيتها». واضاف: «وفي هذا ليس هناك اي منقصة، بل على العكس تماما، يثبت النظام بذلك وطنيته لشعبه، وتميزه عن بقية الانظمة».

 

الشارع اليمني.. بين مآخذ الكبار ورهانات الشباب

 

 

منذ انطلاقها في الثالث من فبراير، تتواصل احتجاجات الشارع اليمني وتتوسع اعتصامات شباب الثورة المطالبين بإسقاط النظام على الرغم من سقوط عشرات القتلى وآلاف الجرحى، ويبدي الشباب الثائر إصراراً كبيراً على الصمود، وبقدر ما بعثت الثورة الشبابية اليمنية الآمال في نفوس اليمنيين المتطلعين للتغيير تثور الكثير من التساؤلات حول الخلفيات والأسباب التي أفضت إلى خروج فئة الشباب إلى الشارع؟ ثم ما هي المآلات التي ستنتهي إليها هذه الثورة الشبابية؟

البادي للعيان استمرارية الحشود الجماهيرية في ساحات الاعتصامات والاحتجاجات وامتدادها وتوسعها إلى 17 مدينة يمنية رئيسية رغم ما يتعرض له المعتصمون من قمع متكرر أدى حتى كتابة هذا التقرير إلى سقوط 125 شهيداً و800 جريحاً بعضهم أصيب بإعاقة دائمة، واختناق أكثر من ثلاثة آلاف شخص نتيجة استخدام غازات قال أطباء إنها محظورة الاستعمال ولم يعرفوا لها أصلاً.

ومع أن العديد من المسؤولين اليمنيين بادروا عقب الثورتين التونسية والمصرية إلى التأكيد على أن اليمن ليست مصر ولاتونس وهو قول رأى بعض المراقبين أنه قد يكون صحيحاً إلى حد ما، لاسيما إذا انصرفت المقارنة إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية، أما من الناحية السياسية، فإن الحالة اليمنية في نظر أولئك المراقبين ليست إلا تكراراً لنموذج هيمنة الحزب الواحد وشيخوخة السلطة .

وعدم قدرتها على خلق الانسجام بين أقوالها وأفعالها ويرون أنه على الرغم من أن اليمن يتمتع بقدر مقبول من حرية الصحافة والتعبير وعرف منذ تطبيق النهج الديمقراطي عام 1990، انتخابات تشريعية ورئاسية ومحلية تنافسية شاركت فيها جل لأحزاب السياسية وأعطت مشاركة تلك زخماً لافتاً للديمقراطية اليمنية الناشئة، إلا أن تلك الانتخابات في الواقع من جولة إلى كرست هيمنة الحزب الحاكم وعززت من احتكاره وانفراده بالحياة السياسية مستخدماً كل وسائل الإكراه والترغيب والترهيب ما أفضى إلى انفراده المؤتمر الشعبي العام «الحزب الحاكم» بالحياة السياسية.

فيما حجمت الأحزاب السياسية المعارضة إلا الحد الذي أبقاها مجرد شاهد تجميلي على وجود الديمقراطية، فضلاً عن أنها أضعفت دورها في تأطير وتنظيم الكثير من فئة الشباب اليمني سياسياً بسبب تقلص أدوارها مقابل زيادة نفوذ الحزب الحاكم عن طريق احتكاره لكل موارد العامة وتحكمه بالوظيفة العامة إلى الحد الذي جعل منه مرتقاً للتسلق الوظيفي وسبيلاً للحصول على السلطة والثروة والنفوذ وهذا جعله يلعب الدور نفسه الذي يلعبه الحزب الواحد في ظل النظم الشمولية.

وبالتالي وقع في الإشكالية نفسها التي وقع فيها التجمع الدستوري في تونس والحزب الوطني في مصر المهيمنين في مصر وتونس واللذان أضحيا مقصداً ووجهة لكثير من المنتفعين، والانتهازيين، والوصوليين الذين يسعون لاغتنام الفرص والفوز بأكبر قدر من المنافع بأقل جهد ومن أقصر طريق وترتب على هذه الوضعية إلى نشوء طبقة جديدة من رجال البزنس السياسي الذين أثاروا بالمقابل شعور فئة عريضة من الناس بالغبن والحرمان والإقصاء خاصة منهم فئة الشباب وتولدت لديهم النقمة جراء الفساد السياسي وما ترتب عليه من تبعات انسحبت على مجمل نشاطات مؤسسات الدولة وتدني كفاءتها في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والخدمية.

ويرى المراقبون أن خروج الشباب محصلة لتراكم عقود طويلة من الفساد السياسي، والإداري، والاستبداد والمحسوبية وانسداد الآفاق الاقتصادية التي جعلت الكثير من أفراد هذه الفئة النشطة بعيدين عن بلوغ المواقع الاقتصادية الآمنة التي تهيئ لهم ظروفاً طبيعية للعيش وأنهم مقصيّون عن المواقع السياسية نتيجة لهيمنة النخب التقليدية الهرمة من جهة وتسلق النخبة الانتهازية من جهة أخرى، وأنه لا يمكن لهم أن يؤكدوا فرديتهم أو يحققوا ذاتيتهم إلا عبر سلوك وارتياد أروقة وطرق الفساد والمحسوبية.

وعلينا أن ندرك حجم تأثير ذلك وسط شريحة اجتماعية هي الأكبر بين السكان، إذ تشكل الفئة العمرية ما دون الـ 20 سنة 60% من السكان حسب الإحصائيات السكانية المتوافرة، وتمثل 50% الفئة العمرية ما دون 15 سنة وهذه النسبة لفئة الشباب في اليمن تعد من أكبر النسب في العالم وهي الأكثر عرضة لتأثيرات الفقر المقدر بحوالي 46% من السكان والبطالة التي تتراوح ما بين 30 إلى 40% حسب التقديرات المحايدة (التقديرات الرسمية لا تتعدى 20%)، كل تلك المؤشرات إلى جانب العوامل المغذية للسخط الاجتماعي والحرمان والقلق من الحاضر والمستقبل الاقتصادي تقف وراء الانخراط الواسع لهذه الفئة الاجتماعية العريضة في ثورة التغيير وتصدرها لدعوات التغيير والتحول السياسي والديمقراطي المأمول.

الدكتور أحمد عبدالكريم سيف، المدير التنفيذي لمركز سبأ للدراسات الاستراتيجية، يرى أن: إقصاء الديكتاتوريين عن السلطة قد لا يعني في بعض الحالات التحول إلى الديمقراطية، لأن بعض الأنظمة الديكتاتورية حسب سيف ترغب في مغادرة رأس النظام على أمل المحافظة على بقاء النظام، ولذلك المقياس الحقيقي للانتقال الديموقراطي يبقى مدى المشاركة الفعلية في السلطة والثروة، أما التغيير في الأشخاص والأسماء والمؤسسات لا يعني أن تلك المشاركة تحققت فعلاً.

ويضيف سيف: أن ضعف البنى المدنية والحديثة المتطلعة والفاعلة في قوى التغيير والثورة كمؤسسات ومنظمات وهيئات المجتمع المدنية الحقوقية والمهنية وقصر تجربتها ومحدودية تراكمات نشاطاتها، وأيضاً ضعف الأحزاب السياسية كلها قد تؤدي إلى عودة هيمنة النخب التقليدية على الدولة كالتيارات الدينية والقبلية، خاصة أن الشباب لا يمتلكون برنامجاً محدد المعالم والوضوح لمرحلة ما بعد الثورة، وتفتقر لإطار تنظيمي يجمع شملها. ما يطرح الكثير من التساؤلات حول نجاعة هذه الثورة ومدى امتلاكها لرؤية قادرة على تحقيق التحول الفعلي المنشود.

 

غياب الرؤية

من جهته، قال الناشط السياسي في ساحة التغيير الشاب فتحي أبو النصر وفي معرض رده على المآخذ التي تطرح حول افتقار الشباب لرؤية وبرنامج سياسي: ما يميز الثورة الحالية هي أنها ليست كالثورات الانقلابية الأيدولوجية التي عرفتها البلدان العربية منذ مطلع النصف الثاني من القرن الماضي والتي كانت تقدم نفسها كبديل انقلابي جذري راديكالي، إنما هي مختلفة اختلافا جذرياً، لأنها كما يرى تنتمي لحقبة وثقافة سياسية مختلفتين، بل إنها ضد المنطلقات الأيديولوجية المذهبية والعقائدية التي ميزت تلك الثورات، ويستطرد أبو النصر موضحاً:

الثور الشبابية تشبع أفرادها بمفاهيم الحركات الحقوقية والمدنية التي تنتمي إلى ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي التي من أهم ملامحها المغايرة انتشار القيم الديمقراطية والحرية والتعددية كقيم كونية استطاعت أن تنشر نفسها وتلاقي قبولاً واسعاً بما هي مجموعة من الأسس والإجراءات لتنظيم الصراعات وتقاسم الثروة والسلطة وفق قواعد تنافسية، ولذلك لا يرى أبو النصر معنىً لما يطالب به البعض ما يسمونه الرؤية والبرنامج السياسي لشباب الثورة على غرار النموذج التي كرستها تلك الثورات.

والتي للأسف طرحت أهدافاً فضفاضة كالقضاء على الفقر والجهل والمرض وغيرها من المقولات التي انقلبت عليها وتناست بناء الدولة الوطنية على أسس المواطنة والحداثة، على ضوء تلك الخلفية الهدف الذي يلتقي عليه الشباب اليوم هو دولة مدنية لا تخضع للرغبات والأمزجة والأشخاص دولة مؤسسات ثابتة ودائمة.

كما ترسخت وتبلورت في جل الدول المدنية الحديثة، كدولة مواطنة تقوم على الإعلاء من سلطة القانون، والعدالة، والمساواة، وهذه الأهداف تحكمها أنظمة معيارية تعارفت عليها المجتمعات العصرية والمدنية التي أضحت تعمل بمقتضاها وهي مؤطرة ومنظمة بتراكمات واجتهادات قانونية ودستورية وإجرائية وهو ما يطمح إليه الثوار، ولهذا الخطاب المهيمن والسائد داخل صفوف الشباب اليوم يتمحور حول هذه القيم التي تلفظ الانقلابات وتتمسك بالمطالب السلمية المفضية إلى خلق دولة جديدة لا تحتكرها أقلية ولا فئة اجتماعية أو مذهبية ركائزها الأساسية القانون والمأسسة والحكم الرشيد.

 

خبير قانوني: الثورات العربية هدمت أسطورة ابن لادن

 

توقع خبير قانوني أن يؤدي غياب زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عن المشهد السياسي بعد اغتياله على يد القوات الأميركية،إلى قيام بعض أنصاره ومريديه بعملية مراجعة لنهجه وإعادة النظر في القناعات السابقة التي تبناها التنظيم وزعيمه. وقال الدكتور عبد الحميد الأنصاري عميد كلية الشريعة والقانون في جامعة قطر لــ «البيان» حول تأثير غياب بن لادن عن المشهد العام في المنطقة والعالم «إن الأسطورة التي تحدت طويلا قد انهارت». وإن كان ذلك لا ينفي توقع سلسلة من ردود الفعل الانتقامية السريعة على الساحتين العربية والإسلامية ضد المصالح الغربية, لكن على المدى الطويل سيضعف تأثير بن لادن على الشباب العربي والمسلم كثيرا.

وأشار إلى انه بانطواء صفحة بن لادن، الذي كان يشكل رمزا له جاذبيته وسحره لدى بعض الشباب المتحمس دينيا من لديهم القابلية للفكر المتطرف سيساهم في تباطؤ حركتهم واندفاعهم نحو تجنيد أنفسهم في صفوف الجماعات المقاتلة التي تتبنى عمليات تفجيرية تسميها استشهادية.

واعتبر الأنصاري أن الثورات الشعبية الجماهيرية السلمية التي نجحت في نظامين وإسقاط الحكومات الفاسدة تمثل نهجا بديلا عن عنف القاعدة في التغيير، حيث قدمت أسلوبا حضاريا أثار إعجاب العالم واحترامهم ومساندتهم وشكلت إحراجا واضحا لأسلوب القاعدة العدمي. فالعنف الأعمى الذي مارسته القاعدة لم يحقق هدفا ناجحا أينما حل وارتحل بل أساء للإسلام والمسلمين وجلب التضييق على الجاليات العربية والإسلامية في الغرب وشوه المفاهيم الدينية وأساء إلى عدالة القضايا العربية ناهيك عن آلاف الأبرياء من المسلمين الذين ذهبوا ضحايا التفجيرات والقنابل البشرية.

وأضاف إن عنف القاعدة لم ينجح في إحداث تغيير سياسي واحد بل جلب الدمار والتعاسة لمن استضافوا وحضنوا أتباع هذا العنف وتسبب في زوال دولتهم وتشريدهم في الجبال «طالبان». ودلل على عزلة تنظيم القاعدة عربيا وسقوط بريقه إن الثورات الشعبية العربية كشفت عن سقوط المقولات الرائجة عن شعبية القاعدة لدى الجماهير إذ لم تظهر صورة واحدة لابن لادن في كافة المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في الميادين ولم يذكر احد اسمه أو ينتسب إليه والمفارقة أن بعض السلطات العربية هي التي حاولت إيهام العالم أن هذه الانتفاضات وراءها أتباع بن لادن كفزاعة وذريعة لاستخدام العنف الوحشي ضدها.

واعتبر الأنصاري أن الثورات العربية هدمت خرافة أسطورة ابن لادن وخرافة انتشار الفكر القاعدي وتعلق الجماهير وإعجابهم باسم بن لادن وأتباعه وهدمت خرافة أن تغيير الأنظمة السياسية لا يكون إلا بالتفجيرات وزعزعة الاستقرار وضرب المنشآت والقتل والتدمير وخرافة القاعدة التي كانت بعض الأنظمة التسلطية تخوف بها الغرب وتهدده بأنه في حال رحيلها عن السلطة فإن القاعدة ستكون البديل.

 

وزير فلسطيني: الحراك الشعبي لن يتوقف والتغيير الجذري مطلوب

 

قال الوزير الفلسطيني السابق، أشرف العجرمي، «أن الثورات التي تجتاح العالم العربي لن تتوقف حتى يحدث التغيير الجذري المقبول في واقع أنظمة الحكم»، وأضاف، ليس بالضرورة أن تسقط كل الأنظمة، فبعضها يمكنه أن ينجو إذا قام بالإصلاحات المطلوبة والمقبولة شعبياً، واستطاع أن يحظى بثقة المواطنين.

أما الأنظمة التي ترفض الانصياع لرغبة وإرادة شعوبها، فعلى الأغلب سوف تسقط، ويحاكم قادتها كما يحصل الآن في بعض الدول العربية، وتابع «ما يضمن استمرارية الثورات في العالم العربي هو وجود كم هائل من الشباب الذين يستطيعون التواصل بطرق حديثة بعيدة عن رقابة الأنظمة وفي زمن قياسي، وبالتالي لا تستطيع الأجهزة القمعية الحيلولة بين الشباب والتواصل والتنظيم والنزول إلى الميدان. وهكذا تصبح القدرة على التعبير عن الرفض والاحتجاج أسهل وأكثر مرونة وعملية من الأشكال التنظيمية السابقة وهذا عملياً يضع الأنظمة في وضع صعب».

وعن الحالة الفلسطينية، يقول الباحث محمد أبو مهادي، أحد قادة «الحراك الشبابي الفلسطيني» (شباب 15 اذار)، الشباب كان ولا يزال هو عامل التغيير الأول في المجتمع الفلسطيني، ولعل أبرز تجاربه كانت في الانتفاضة الشعبية الأولى عام 1987، حيث استمر وبشكل سلمي وشعبي مدة سبع سنوات متواصلة متمرداً على الاحتلال وممارساته الوحشية طامحاً إلى الحرية والاستقلال الوطني وإنجاز هدف تقرير المصير.

وأوضح أن «تجربة الشباب الفلسطيني مختلفة ومركبة عما هو حاصل في البلدان العربية، حيث إن المشروع الوطني الفلسطيني لم ينجز بعد وهذه مهمة مازالت تحتل أولوية عند الفلسطينيين وقد نجح في مهمة إنهاء الانقسام الذي دفع الشعب الفلسطيني ثمناً غالياً كنتيجة سلبية وخطيرة له. وهناك عدة مهام على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها».

وانتقد أبو مهادي القيادات السياسية الفلسطينية، لأنها «أدارت ظهرها مراراً لرأي الناس وصادرت حقوقهم وفي مقدمتها الحق في ممارسة دورية للانتخابات التشريعية والرئاسية والبلدية، كما وصادرت حقهم في حرية الرأي والتعبير، وصادرت حقوقهم الاقتصادية. وقال إن نتائج تجاهل الشعب وحقوقه، أدى لوجود مستويات مرتفعة جداً للفقر والبطالة بالذات في أوساط الشباب الخريجين والتي لا تضاهيها أية نسب من دول الجوار، إضافة إلى حالة الإحباط الناتجة عن سوء إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي على مدار سنوات طوال».

أما الناشط الإنساني والشبابي أحمد يحيى أبو الريش، فقال ما يحدث في فلسطين من حراك شبابي يدل على مدى المعاناة والكبت الذي كان يعانيه الشباب من الانقسام والفساد والظلم والمحسوبية . والثورات العربية كانت دافعاً قوياً للشباب الفلسطيني الذي أصبح لا يهمه إلا الاستقلال والحرية.