في وسط البلد، حيث عمان القديمة، هناك معالم كثيرة لا يكون «هذا الوسط» من دونها. منذ زمن أطلق عليه المثقفون اسما يستوعب أسرارا كامنة فيه.. قالوا انه «قاع المدينة»، نظرا لتضاريسه المدهشة حيث كل الشوارع تصب نزولا إليه.

وفي المركز منه المسجد الحسيني، أهم معلم كاد أن يتحول إلى جغرافي مكاني، هناك تحديدا ينتشر الباعة المتجولون حوله، وحول سوق الخضار والأرز ومحلات الألبسة التراثية.

وقريبا من المسجد هناك المدرج الروماني وليس بعيدا عنه جبل القلعة، وحوله الأسواق الشعبية المتلاصقة منذ عشرات السنين التي تبيع كل ما لا يباع في الأسواق الحديثة، وهناك الباعة المتجولون أيضا، هؤلاء الذين لا تصح عمان القديمة من دونهم.

تطل عليك شوارع قاع المدينة شمالا وجنوبا. شرقا وغربا .. شوارع على قمم الجبال، وفي الوديان، وعلى الأطراف، شوارع في كل مكان.

في القاع لا شيء يستدعي المتعة أكثر من أن تمارس عادة المشي فيه .. ننصحك بالبدء من حيث سوق الصاغة، لتصل إلى نهايات سيل سقف بالاسمنت فأطلق عليه الأردنيون اسم «سقف السيل».

منذ أن تبدأ تسير من منطقة العبدلي غربا - أول مناطق أفاقة عمان على التطور - هبوطا إلى وسط البلد، ستتلقفك المقاهي القديمة، ودور السينما، والمكتبات، ومواقف سيارات الأجرة القديمة.

تقترب من ساحة المسجد الحسيني، أو ما كان يعرف بمسجد عمر بن الخطاب وهو المسجد الذي بني إياه الخليفة الفاروق إيذانا ببدء مرحلة تاريخية جديدة في المنطقة لن تنتهي إلى أن تقوم الساعة.. حينها بني بذات الاسم عدد من المساجد في عدد من المدن العربية ..

تصلي ركعتين سلاما على المسجد وتنطلق في رحلتك خارج حدود الزمان حيث مكان ما زال يتربع على قارعة التاريخ.. سيتلقفك باعة المسابح وحجارة العقيق والخواتم والمساويك.

في القاع أيضا تجار من كل الجنسيات مصريون وعراقيون وإفريقيون لحى مبللة خرجت لتوها من المتوضأ وجباه أنهت للتو سجودها لربها ووجوه سارحة عائدة من وظائفها، قد استبد بها التعب. عليك أن تتأمل في كل هذه الوجوه كما يفعل السياح الأجانب.. إن كان لديك كاميرا، فلا بأس أن ترمي الناس بالصور، فهم معتادون على ما ستقوم به.

وهناك سوق الحرامية «اللصوص» الذين يبيعون مسروقاتهم أو هكذا هو الاعتقاد. وهناك باعة الدجاج البلدي والبيض البلدي والأرانب. وهناك مطعم هاشم إذ يتدفق عليه الأردنيون منذ ستة عقود حتى تكتمل زيارتهم إلى وسط البلد. وهناك سوق السكر وصوت الباعة إذ يرتفع وينخفض، هناك لا يمكن أن تشعر بالضجر. وهناك المقاهي أيضا، مقهى السودانيين قصة بحد ذاته، والذي يريد أن يزور السودان، ويسمع حكاياته لن يكون مضطراً أن يحمل حقيبته ويركب الطائرة.. سيارة أجرة تكفي إلى مقهى السودانيين ليسمع الحكاية كلها. عمان القديمة بيوت معتقة وحجار لا تمل من رواية القصص، حتى تظن أن لكل حجر روحاً يروي لك قصة المكان، ومن باعة الكتب والمجلات، إلى باعة الذهب والحلويات، تخفق روحك بشدة في وسط البلد، ففيها ذكريات لا تمحى من طفولتك.