«أنا ابن نبيل زغيب الذي رفع حبل المشنقة حول عنقه، وقتل نفسه بسبب فقره وعوزه.. أنا شاب أغلقت الدنيا أبوابها في وجهي، كما أغلقت أبوابها في وجه والدي.. لا مسكن لي ولشقيقَيّ، لا مأكل ولا ملبس، ولا وظيفة لنا».
هذه العبارة لم ترِد ضمن فصول مسرحية على خشبة مسرح، بل أتت على لسان شاب لبناني عشريني، ويدعى زاهد زغيب (والده نبيل انتحر بسبب فقره، في 22 مارس الفائت)، ردّدها بصوت عالٍ مرات عدّة منذ يومين قبالة صخرة الروشة في بيروت، شاهراً بيده سكيناً شطّب به رأسه.. ولما تجمهرت الحشود حوله، قال لهم: «إذا أراد الفقير منّا بيع كعكة على الكورنيش، هاجمته القوى الأمنية ورمته في السجن.. وإذا فكّر أحد منّا، نحن الذين لا ظهر لنا ولا سند ولا واسطة، بأن يشيّد منزلاً فوق منزل شرعيّ، اتهمتنا الدولة بأننا نعيث في الأرض فساداً». وكان زاهد يقول ما لم يعلن عنه والده نبيل الخمسينيّ، يوم لفّ الملاءة البيضاء حول عنقه قبل نحو شهر، مكتفياً بتدوين رسالة، كانت أشبه بجلْد الذات وتسجيل فعل الندامة لإقدامه على الانتحار، وخطّ في ختامها سطوراً موجّهة إلى أحد رجال الدين: «أرجو من سماحتكم إسداء طلب خاص، ثمّة ثلاثة شبان عاطلون عن العمل، ثلاثة شبان لم توفّقني الحياة بإعالتهم. شكراً».. ورحل الرجل الذي ودّع، قبل موته بأسبوعين، ابنه زاهد، قائلاً: «الفقر في الوطن.. غربة». مات الوالد ميتة صمّاء بكماء.
فيما ابنه الذي لم تسعفه أحواله المادية في تسديد ثمن إيجار الشقة التي كانت تؤويه مع شقيقيه، اختار أن يعرّي فقره أمام الملأ، بعد أن كان قد مرّ أسبوع على عيشه إلى جانب البحر.. وهناك، كان يضطجع على ورق مقوّى، قبل استيقاظه مع شروق الشمس، ململماً نفسه بحثاً عن لقمة عيش. لم يمدّ يده لأحد، ورغم ذلك سطّرت القوى الأمنية بحقه ضبط مخالفة، بتهمة التسوّل، لأنه كان ينام في العراء.. علماً أنه لم يُوفّق بأي وظيفة تعينه على مواجهة فقره، لكون سجلّه العدلي ممهورا بعلامة سوداء، بعدما كان قد سُجِن عقب شجار بينه وبين أشخاص صادروا عربة القهوة التي كان يعتاش منها في محلّة «عين المريْسة» قبل نحو عام ونصف العام.
وحدها رؤيته لأطفال صغار أتوا مع أقرباء له، جعلته يتراجع عن قراره بالانتحار، بعد ما يقارب الساعة ونصف الساعة من استماعه إلى الوعود التي أغدقها عليه الكبار، وهو الذي سئم كل الوعود.. استيقظ من كبوته بغتة، أطرق رأسه، وعاد برفقة أحد رجال الدفاع المدني إلى ملاذه، هناك قرب البحر.. في العراء، حيث لا يزال ينام، منتظراً تأمين خيمة صغيرة له، كدلالة رمزية يقول إنه يستطيع الاعتصام بداخلها!
