بثقة وهدوء توجهت التركية جلنار كيهان، إلى المحكمة، شأنها في ذلك شأن عدد غير محدد من النسوة، لإتمام إجراءات طلاقها من زوجها، بعد أن علمت بزواجه بأخرى.
ويقضي قانون الأحوال الشخصية ببطلان الزواج الثاني، في حالة وقوعه، كما يمنح الحق للزوجة الأولى برفع دعوى طلاق، إذا ثبت اقتران زوجها بأخرى، فيما تمتنع الجهات الرسمية عن تسجيل عقود القران للزواج الثاني.
ويلجأ كثير من الرجال الراغبين بالزواج للمرة الثانية إلى طرق ملتوية، منها العقود الشرعية غير المسجلة التي تضيع معها حقوق الزوجات وما ينشأ عن الزواج من أطفال.
وتتفاقم المشكلة على نحو كبير في القرى والمدن الصغيرة، وخاصة في جنوب وجنوب شرق البلاد، حيث ما تزال التقاليد العشائرية القديمة، هي السائدة، وحيث الطلاق غير مسموح به في العشيرة، رغم القوانين المدنية الحديثة المنظمة للأحوال المدنية.
لا حماية قانونية
وكشف تقرير صدر مؤخراً، أن إجراءات الزواج الثاني تتم عبر مراسم دينية أو عشائرية، وفي كل الأحوال تبقى الزوجة الثانية غير مؤهلة للحصول على الحماية القانونية.ووفقاً للتقرير الذي أعده اثنان من الأكاديميين، هما، إلكنور قبطان أوغلو وبانو أرغوجمان، من جامعة هاجي تبة، وقدماه إلى اللجنة الاجتماعية في البرلمان التركي، المعنية بتكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع.
فإن أسباب تعدد الزوجات السائدة في المجتمع الشرقي التركي، تعود بالدرجة الأولى إلى عدم إنجاب الزوجة الأولى للذكور. وغالباً ما تشارك المرأة في تعدد الزوجات، وكثيراً ما تقبل بالوضع نتيجة للضغوط الأسرية أو المعتقدات الدينية.
ورصدت الدراسة وجود ظاهرة الزواج المبكر، وخاصة في مناطق جنوب وشمال وشرق البلاد، الأمر الذي أسفر عن الشروع بحملة وطنية تشدد على تعليم الأطفال والحد من الزواج المبكر، الذي يتم بعيداً عن الإجراءات الرسمية، وهو أمر يولد كثيراً من المشاكل الاجتماعية في تلك المجتمعات.
يقول الكاتب التركي، حمزة إيزول، وهو احد أفراد قبيلة تسكن المناطق الشرقية من تركيا، إن جده تزوج خمس مرات، فيما تزوج والده ثلاث نساء، ولكن عمه يحمل الرقم القياسي بزواجه بـ18 امرأة، أنجبت 9 منهن أولاداً.
ومع ان إيزول يقول ان التقاليد تغيرت بعض الشيء الآن، إلا انه يؤكد ان بعضاً من أفراد عشيرته ممن يقطنون قريتهم التابعة لولاية مرسين، مايزالون يتمسكون بالزواج الثاني، باعتباره تقليداً اجتماعياً.
ومع ذلك يعتقد إيزول، الذي ألّف كتاباً عن تعدد الزوجات في المجتمع التركي، ان المجتمع المدني ينظر الآن بشيء من الاستهجان لهذه الزواج، وان هذه التقاليد لم يعد لها مكان في المدن الكبرى.
بموازاة برزت في المجتمع التركي ظاهرة العنف الأسري التي تفاقمت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. إذ لا يكاد يمر يوم دون ان تنشر وسائل الإعلام المختلفة المزيد من التقارير الإخبارية عن نساء تعرضن للضرب من أزواجهن أو عشاقهن، أو عن النسوة الذين يقتلون في وسط الشارع لأسباب اجتماعية.
غير ان الملاحظ انه وبرغم ارتفاع حوادث العنف الأسري، لا يوجد سوى 65 مأوى للنسوة اللاتي يتعرضن لمثل هذه الحوادث في بلد شاسع يزيد عدد سكانه عن 70 مليون نسمة، بينما يفترض ان يصل العدد إلى نحو 1400 دار إيواء.
تقول الناشطة الاجتماعية النسائية زلال يالجين، مع ان القانون يلزم البلدات التي يزيد عدد سكانها على 50 ألف نسمة بضرورة إنشاء دار لإيواء النسوة اللاتي يتعرضن للعنف الأسري، إلا ان كثيراً من البلديات تتقاعس عن القيام بواجباتها في هذا الصدد.
وتمضي يالجين، وهي ناشطة في منظمة مدنية تهدف إلى إيقاف جرائم العنف الأسري، قائلة أنهم باشروا منذ العام 1995 في إنشاء العديد من دور الإيواء التي باتت تنتشر الآن في أنحاء مختلفة من تركيا، مشيرة إلى عدم تعاون من بعض الجهات المحلية، التي ما تزال قاصرة عن فهم الضرورة الملحة لإنشاء تلك الدور.
من جانبها تشير الدكتورة نيلوفر نارلي، الأستاذة بعلم الاجتماع بجامعة باهتشه شهير، إلى قضية أخرى ذات صلة، تتعلق بنقص موظفي الخدمة الاجتماعية، مؤكدة «لدينا ثلاثة آلاف فقط، وفي الفترة من عام 1961 إلى عام 2000 لم يكن هناك سوى 33 طالب دكتوراه في هذا المجال».
ومع انها تقول ان السنوات الأخيرة شهدت زيادة في الاهتمام بالدراسات الاجتماعية، سواء على مستوى الدراسات الأولية أو على مستوى الدراسات التخصصية العليا، في مختلف الجامعات التركية إلا ان الأمر ما يزال دون الطموح حسب قولها. وتتحدث الدكتورة زينب غونيش،.
وهي طبيبة وأستاذة جامعية، عن أحدث الأرقام المتعلقة بالعنف ضد المرأة، قائلة ان «226 امرأة قتلن في الأشهر السبعة الأولى من عام 2010، في حين اغتصبت نحو 722 امرأة فيما راجعت أكثر من 6400 امرأة المستشفى الذي تعمل فيه نتيجة للعنف المنزلي».
وتقول «نرى أن الأزواج والأخوة يقتلون زوجاتهم أو أخواتهم لأنهم يطلبن الطلاق أو أن يرفضن الزواج بالرجل الذي اختاره أقاربهن، وهناك حتى من الرجال الذين يقتلون نساء لأنهن يرفضن الخروج معهم. ويعتقد أولئك الرجال ان لديهم حق في استخدام العنف في تلك الحالات».
بموازاة ذلك ترى أيفر يمان، التي ترأس التنظيمات النسوية في فرع حزب العدالة والتنمية باسطنبول أن القوانين وحدها ليست كافية لمنع العنف ضد المرأة، وتؤكد أن ما هو ضروري إحداث تغيير في العقلية الاجتماعية بشكل عام.
وكانت يمان قادت مؤخرا مسيرة احتجاج صامتة ضد العنف الأسري في شارع الاستقلال، وهو أحد أهم شوارع اسطنبول، نظمها الفرع النسوي في الحزب الحاكم. وبين العنف الأسري والزواج الثاني السري، غالباً، ربما يمكن القول إن النساء في المدن التركية الكبرى يتمتعن بأكبر قدر من الحقوق التي يتيحها قانون مدني تم اعتماده قبل سنوات.
