تشكل العنوسة في العالم الثالث وتحديدا في الوطن العربي بعدا اجتماعيا خطيرا تحولت بمرور الزمن إلى معاناة نفسية ومأساة اجتماعية يصعب إيجاد الحلول لها خاصة وأسبابها متعددة ومتفاوتة من بلد إلى آخر، والغريب أن بعض الدول بات يوجد فيها ما يعرف بروابط أو جمعيات العانسات الناعسات اللاتي يحلمن بتوقف قطار الزواج في محطاتهن،.

 

وعندما يمضي دون توقف ويجدن أنفسهن يصارعن الزمن الذي انتقل بهن إلى خريف العمر، فليس أمامهن سوى الصحبة وجلسات السمر واجترار ذكريات الشباب وابن الجيران وملابس المدرسة بل ان بعضهن يذهبن في جلساتهن، إلى أبعد من الحكي والذكرى وشبح الرجل الذي اختفى، والعمر الذي مضى، والقطار الذي عبر كل المحطات.

 

هنا حكايات وقصص من عالم النساء اللاتي لم يجدن حظهن من الزواج وحرمن نعمة الذرية، ربما بسبب تقاليد بالية، أو قهر أب قاس، ولظروف صعبة، وغياب مسحة الجمال وإطلالة وجوه منفرة.

 

 

 

 

«إن عمر ابنتي أصبح ‬34 عاما وقد تعدت سن الزواج الطبيعي وأخشى عليها من المستقبل، أنا ووالدها لن ندوما لها.. كان يتقدم لخطبتها العديد من الأشخاص ولكنهم لا يعودون لاسباب مختلفة» هذا ما قالته الأم القلقة لجارتها خوفا على ابنتها غير المتزوجة. وأم اخرى تحمل هما اكبر، حيث تقول: «لدي ‬3 بنات في عمر الزواج، أوكل أمري له سبحانه وتعالى فهو العالم بالغيب ولكنني أدعو في كل صلاة أن يستر عليهن ويرزقهن بأزواج يحفظوهن».

أما أبو أنور فمشكلته من نوع آخر، لديه ابن تجاوز عمره الـ ‬35 عاما ويرفض فكرة الزواج لأن وظيفته لا تكفي مصاريفه الشخصية فكيف سيتدبر شؤونه العائلية. هذه المشكلة تؤرقه لأنه يريد تزويجه ولكن لا يستطيع إجباره وفي نفس الوقت لا يعرف ما الحل لهذه المعضلة.

لم يترك شبح العنوسة دولة إلا وزارها، ولا مجتمعاً إلا وطرق بابه، وفي الأردن التي يبلغ عدد سكانها نحو ‬6 ملايين نسمة، منهم ‬48,5٪ نساء، تكاد تقترب نسب النساء غير المتزوجات فيه إلى النصف.

واللافت في المجتمع الأردني انه وبعد خلوه من برامج أو معالجات رسمية لمشكلة العنوسة والعزوف عن الزواج لدى الأردنيين، لجأت بعض الأسر إلى الحلول الفردية لمعالجة الظاهرة.

 

مشكلة «الزوج الوافد»

بعض الأردنيات لجأن منذ فترة إلى «الزوج الوافد» هربا من العنوسة، مما يسفر عن معاناة مريرة للأبناء، ولكن الأخطر كرد فعل على هذه الظاهرة معالجات الفتيات والشباب غير الشرعية.

وتكمن مشكلة الزواج من غير الأردنيين المقيمين في الأردن أن المقيم الوافد يتزوج من أردنية لفترة من الزمان ثم يترك الزوجة وأطفالها ويعود إلى بلاده. وما ينتج عن هذه الظاهرة، وجود ذرية لأردنيات يحملون جنسيات آبائهم ولا يمكن لهم العمل في الأردن.

ورغم أن الظاهرة خطيرة وبدأت تكشف عن تداعيات خطيرة بين الشباب، إلا أن أجهزة الدولة الاجتماعية والمنظمات الأجنبية العاملة في المملكة منشغلون في «الحد من إنجاب الأردنيات» و«تنظيم الأسرة»، من دون الالتفات إلى الدراسات المحلية التحليلية التي تظهر تراجعا في معدل الزيادة الطبيعية للسكان في الأردن من ‬4٪ في عام ‬1979م إلى ‬2,1٪ عام ‬2009م. وهي الدراسات ذاتها التي توقعت استمرار هذا التراجع تدريجيا ليصل إلى ‬1,8٪ في العام ‬2020م.

وأثار اهتمام الحكومة والمنظمات الأجنبية بذلك حفيظة البعض في الأردن بل ان ندوة مركز أبو هريرة بحي نزال على ضرورة التنبه إلى الأجندات الخارجية التي قالوا انها تنفذ مؤامرة خطيرة ضد الأسرة عبر اذرع لها بالأردن.

وحذر مدير جمعية العفاف الخيرية مفيد سرحان من ان المؤتمرات الدولية الخاصة بالمرأة تستهدف الأسرة باعتبارها اللبنة الأساسية في بناء المجتمع وقلعة من قلاع الأمة التي استهدفت من أعدائها في كل مقومات قوتها ومنعتها.

وبين في ندوة حملت عنوان «استهداف الأسرة في ظل المؤتمرات الدولية» أن هذه المؤتمرات لا تراعي خصوصيات أمتنا وديننا وثقافتنا، وأنها تسعى إلى تدمير الأسرة بتصوير العلاقة بين المرأة والرجل على أنها علاقة صراع وتنافس لا علاقة تكامل وتعاون.

 

أرقام مقلقة وأسباب مختلفة

ارتفاعات متواصلة لظاهرة العنوسة منذ سنوات في الأردن، هذا ما أظهرته دراسة حديثة أعدتها وزارة التنمية الاجتماعية.

ويلعب الوضع الاقتصادي الراهن دورا كبيرا في تأخير الزواج للشباب الذين ليس لديهم القدرة المادية نظرا لتكاليفه العالية. بالإضافة إلى تأثير الإعلام السلبي، وغلاء المهور وارتفاع أجرة المساكن وأسعار الذهب إضافة إلى ارتفاع تكاليف تأثيث المنزل وشراء الملابس وارتفاع تكاليف الحفلات.

وأشار مفيد سرحان رئيس جمعية العفاف الأردنية إلى أن العديد من الأسر تصرّ على ابنها أو ابنتها من الزواج من داخل العائلة الكبيرة وإذا لم تتوفر الفرصة المناسبة للشاب أو الشابة، فإن ذلك من أحد الأمور التي تؤدي إلى ارتفاع سن الزواج.

وأضاف ان المجتمع ينظر إلى الفتاة التي تجاوزت سنّ الثلاثين من دون أن تتزوج بأن قطارها فات وضعفت فرصة زواجها. ووفق هذه الدراسات فإن معدلات العنوسة والعزوبة في الأردن سجلت ارتفاع عتبة سن الزواج وانخفاض عقود الزواج من عشرة لكل ألف مواطن عام ‬1997 إلى ‬8 لكل ألف عام ‬2006م.

وفي الأردن يوجد ‬49٪ من الشباب في سن الزواج عزابا، وهي نسبة لا تتوقف عن الارتفاع سنويا بعد ان سجلت في عام ‬1997 وجود ‬38٪ من الشباب في سن الزواج عزابا.

وفي المقابل ارتفعت نسب النساء غير المتزوجات من ‬25٪ خلال ذات الفترة إلى ٪‬40. وذكرت الدراسة ان عدد الأردنيات اللواتي تزيد أعمارهن عن ثلاثين عاما من غير المتزوجات في الأردن وصل إلى ‬87 ألف فتاة.

ولم تكف الجمعيات الخيرية عن إطلاق حملات اجتماعية للحد من ارتفاع نسب العنوسة والعزوف عن الزواج بين الشباب وتساند هذه الجمعيات مؤسسات أهلية بتمويل حفلات الزواج الجماعي، ولكن يبدو ان أيا منها لم تؤت أكلها.

 

العنوسة وتناقص عدد السكان

إن ارتفاع متوسط سن الزواج هو السبب الرئيس وراء انخفاض معدل الزيادة الطبيعية للسكان في الأردن هو ارتفاع نسبة العنوسة في المجتمع الأردني وتراجع معدلات الإنجاب. حيث ان متوسط سن زواج الفتاة كان بحدود الـ ‬16 سنة ـ ‬21 في عقد الستينات والشاب كان يتزوج وهو ابن ‬18 ‬23»، أما اليوم فقز المتوسط عقدا ويزيد. وتوقعت دراسة أعدتها جمعية العفاف الخيرية ان عدد سكان الأردن سيتناقص بنحو ‬125000 نسمة في السنوات العشر المقبلة كما من المتوقع ان يتناقص العدد إلى ‬252000 في عام ‬2030م.