اسمها سمحة حجازي، ثمانينيّة حرمتها إعاقتها الحركيّة من المشي، لا أولاد لها ولا حتى زوج.. تعيش وحيدة غرفتها منذ نحو ‬35 عاماً، في أحد بساتين بلدة القاسميّة في جنوب لبنان، ولا حاجة لاستئذانها من أجل استكشاف أحوالها، وهي التي اعتادت دخول الغرباء الى غرفتها للحظات بقصد التبرّع لها بما تيسّر.

 

بمفردها طيلة النهار، تحاكي خيالها إذا ظهر صدفةً ونادراً مع دخول الشمس، فالظلام يحيطها من الجهات الأربع: ظلام نفسي ومعيشي.. وكلما زاد عمرها تغلّب عليها الفقر والحرمان والمرض، ليصبح الغد لها بمثابة يوم آخر من العذاب يضاف الى روزنامة حياتها.

 

شعرها أشعث، وعيناها غائرتان، وفمها خالٍ من أسنان انتزعتها بيديها.. في غرفتها الخالية من أدنى مقوّمات العيش.والتي تغطّي سقفها خيمة من النايلون تقيها الأمطار التي تبلّلها من دون رحمة، لا مدفأة حين تبرد، وبالكاد تتوافر بعض الأغطية الصوفيّة التي لا تحميها من البرد القارس الذي يدخل من باب «بيتها» العريض، والذي أصبح شبه باب تفتحه نفحة هواء..

 

لم يدخل إلى قاموس حياتها رنين الهواتف الخلوية أو العادية، أو شاشات التلفزة والأجهزة الكهربائية، أو حتى الكهرباء، إذ ينير عتمة غرفتها مصباح على الكاز، يحتاج إلى صفيحة كاز كل عشرة أيام، كما تقول.

 

عند زيارتها يكون السؤال فرصة لإطلاق العنان عن حالها، والسؤال : «كيف الحال»؟ وهكذا الجواب: «أية حال؟ أهذه حال؟

 

لا مشرب ولا مأكل، لا ملبس ولا شيء على الإطلاق»، وترندِح متنهدة: «الله يخليلي هالجيران... ما في منّن».. أما قوة الإيمان لديها، فأبقت كلمة «الله بعوني» على لسانها دائماً.

 

ولطالما استنجدت به لإراحتها من الزمن المرّ، «دخلك يا ربّي لشو (لماذا) مخلّيني؟ للشحار والتعتير؟ خدني لعندك وريّحني من هالعيشة»، تقولها والغصّة تغلّف كلماتها، لتتناول بهدوء موزة ترمي بقشرتها بعد دقائق على الأرض.

 

وجبة الغداء تأتيها من جيران ما زالت نخوتهم حاضرة، إذ يقدّمون لها صحناً من غذائهم اليومي، وإذا نسوها يوما لربما تموت من الجوع والعطش. فهي بالكاد تمشي على يديها، وصفحة وجهها تحمل اعترافاً بأن المشي على اليدين أفضل من الجمود.

 

وإذا مشت سرعان ما تقع لتستسلم في فراشها اليابس لا حول ولا قوة.. أما الصراخ، فيشكّل وسيلتها الوحيدة للتعبير عن جوعها، لتسكن بعد إطعامها حتى تجوع مجدّداً.

 

هي يومياتها متشابهة إلى حدّ بعيد.. القطط والجرذان تزورها لمشاركتها زادها وقوتها وتساعدها في قلب صفحات دفتر الأيام، الروائح الكريهة، الذباب المنتشر داخل الغرفة وخارجها، ناهيك عن زيارة الأفاعي لها من وقت لآخر، تارة تحت فراشها وأخرى تحت وسادتها من دون أن تلسعها.

 

وعندما تشعر بوجود أفعى تنادي بأعلى صوتها على ناطور أحد البساتين القريبة: يا راجي، حيّة حيّة، تعال بسرعة»، ليكون الموت مصير الأفعى بعد معركة تدوم لدقائق.

 

وهي ملامح الذكريات تلاشت في ذهنها، لدرجة لا تسمح لها بالتمييز بين الكراهية والحب، وبين ما هو ضارّ أو نافع لصحتها، إذ بينها وبين عيادات الأطباء عداوة من عمرها.

 

ولطالما تمضي ساعات من نهارها بالنوم هاربة عبرها إلى عالمها الخاص، متناسية ما خلّفه الدهر من معاناة وما حفره على وجهها من تجاعيد.

 

ومع حلول الليل تنام، لتوقظ جيرانها بعد ساعات بصراخ صباحي معلنةً عن جوعها، كوجه من وجوه رفضها لواقعها.. واقع تجاهل المجتمع لها، وصولاً إلى نسيانها، فيما هي لا تزال تكابد وتـصارع نفـسها الى أجل غير مسمّى!